التنمية العادلة

علي الغنبوري

 

يمكننا اعتبار العدالة التنموية اليوم، هي جوهر النقاش الوطني بالمغرب، وهي البوصلة التي وجه بها جلالة الملك النقاش العمومي نحو سؤال التنمية الحقيقية التي لا تقاس بالأرقام، بل تقاس بعدالة توزيع ثمارها بين الجهات والمواطنين، ففي خطابي عيد العرش وافتتاح البرلمان، وضع الملك الأساس العملي لهذا التحول، حين أكد أن التنمية في المغرب لا يمكن أن تستمر في ظل الفوارق المجالية والاجتماعية، وأن منطق “مغرب بسرعتين” لا ينسجم مع مشروع الدولة الاجتماعية ولا مع طموح المغرب الصاعد نحو التنمية الشاملة.
لقد أبرز الملك في هذين الخطابين أن المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتعارض بأي شكل من الأشكال مع المشاريع ذات الطابع الاجتماعي، لأن التنمية ليست سباقا بين البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، بل منظومة واحدة متكاملة، قوامها الإنسان وكرامته، والمغرب في نظر جلالته، لا يمكن أن يتقدم إلا إذا تقدمت كل جهاته في نسق واحد ومتناسق، بعيدا عن المنطق الانتقائي أو الجهوي الضيق.
ما أكده جلالة الملك، تظهره الارقام وخاصة ارقام المندوبية السامية للتخطيط، التي وضحت حجم الاختلالات التي تحدث عنها الملك، إذ إن ثلاث جهات فقط تنتج ما يقارب تسعة وخمسين في المئة من الناتج الداخلي الخام، بينما تتقاسم الجهات التسع المتبقية ما تبقى من القيمة المضافة الوطنية، وهو ما يكرس صورة المغرب غير المتكافئ، ويجعل العدالة المجالية تحديا بنيويا لا يمكن تجاوزه إلا برؤية منسجمة وشجاعة.
ورغم القفزة الاستثمارية النوعية التي حققها المغرب، إذ انتقلت ميزانية الاستثمار من 182 مليار درهم سنة 2020 و380 مليار درهم سنة 2026، فإن الإشكال لا يكمن في حجم الإنفاق، بل في مردودية الاستثمار العمومي ونجاعته، فالمجهود المالي الضخم لم يترجم دائما إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وهو ما يجعل عددا من المشاريع الكبرى فاقدة للارتباط بالتنمية المحلية والاجتماعية.
المغرب اليوم، وهو يتلمس طريقه بين الدول الصاعدة الساعية ، مطالب بأن يدرك أن أعظم ما يملكه ليس الثروة المادية ولا الموارد الطبيعية، بل موارده البشرية، فالاستثمار في الموارد البشرية لا يجب أن ينظر إليه كخيار اجتماعي فقط، بل كخيار اقتصادي استراتيجي يضمن استدامة النمو، ويمنح المغرب موقعا تنافسيا، في عالم يقوم على المعرفة والتكنولوجيا، فبدون تعليم قوي، وتكوين مستمر، وعدالة في تكافؤ الفرص، لا يمكن لأي نموذج تنموي أن يصمد أو أن يحقق غايته في بناء دولة اجتماعية متماسكة، لذلك، فإن تحصين مشروع الدولة الاجتماعية لن يتحقق إلا من خلال تمكين المواطن المغربي، وتأهيله ليكون في صلب العملية الإنتاجية والتنموية، باعتباره الثروة الحقيقية والمورد الذي لا ينضب.
غير أن ما يثير القلق هو أن هذا الإطار الاستراتيجي السليم الذي حدده جلالة الملك، لا يجد في بعض الأحيان طريقه السوي نحو التنفيذ، بسبب تداخل المصالح والرؤى السياسية الضيقة، التي تحاول تحويل التوجه التنموي الوطني إلى مسار يخدم حسابات مصالحية أو فئوية، بدل أن يخدم المصلحة العامة، وهنا يكمن الخلل الحقيقي في الفعل الحكومي، الذي لا يواكب بعمق الرؤية الملكية، بل يتعامل مع التنمية بمنطق تدبيري تقني، يفتقر للإرادة السياسية والجرأة الإصلاحية، ويدفع نحو الاستفراد الفئوي بالتنمية.
ففي الوقت الذي يدعو الملك إلى ربط التنمية بالعدالة، وتوسيع أثرها ليشمل كل المناطق، نلاحظ أن الفاعل الحكومي ما زال يشتغل بمنطق التجزيء والمشاريع الظرفية، دون أن يمتلك القدرة على إدماجها في رؤية وطنية كبرى، بل يدفع في كثير من الأحيان الى تكريس شروط الاستفراد بنتائج هذه المشاريع لفائدة فئة دون أخرى، والنتيجة أن بعض البرامج، رغم أهميتها المالية والاجتماعية، تتحول إلى مبادرات معزولة لا تراكم التنمية، وتتحول الى مجرد أدوات تجميلية سرعان ما تتحول إلى آليات مرفوضة اجتماعيا رغم أهمية إطارها الاستراتيجي .
وهنا تبرز برامج التنمية الترابية المندمجة التي دعا جلالة الملك إلى إخراجها، كأحد أهم أوراش العدالة المجالية، حيث خصص لها مشروع قانون المالية 20 مليار درهم، تستهدف تحسين التعليم والصحة والتشغيل في المناطق القروية والمهمشة، لكن هذه البرامج رغم أهميتها ونتائجها المباشرة على حياة المواطنين، ستفقد معناها إذا لم تدمج ضمن المسار التنموي الاستراتيجي للمغرب، وإذا لم تصبح رافعة إنتاجية حقيقية تربط الهامش بالمركز، والمجال المحلي بالمشروع الوطني، فالهدف ليس أن نخصص ميزانية لتكريس واقع مزري بل الهدف هو تمكين هذه المناطق من الانخراط القوي في العملية الإنتاجية الوطنية و أن تصبح قادرة على المساهمة في خلق الثروة بدل انتظار دعم للبقاء.
التنمية لا يمكن أن تبقى مجرد دعم أو إعانات، بل يجب أن تكون دينامية إنتاجية تدمج الجميع في دورة اقتصادية متكاملة، فالسياسات التي تكتفي بتوزيع الدعم دون بناء الأسس الاقتصادية الذاتية للمناطق الضعيفة، لا تخلق عدالة بل تكرس التبعية، وهنا تأتي أهمية الرؤية الملكية التي تربط التنمية بالمردودية وبالكرامة داخل سيرورة تنموية وطنية موحدة، و هنا استحضر بكل فخر ما جاء في وثيقة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المقدمة كمساهمة من الحزب أثناء صياغة النموذج التنموي الجديد ، إذ أكد الحزب على موقف ثابت و واضح في هذا الصدد ، حيث تقول الوثيقة « لا معنى لتنمية لا يستفيد منها كافة المغاربة ، تنمية تدمج الجميع في الإنتاج الوطني بما يوفر القدرة على المشاركة الجماعية في النجاح».
المسؤولية اليوم تقتضي أن يتجاوز الجميع وخاصة الفاعل الحكومي الحسابات الظرفية، وأن يترجم التوجيهات الملكية إلى سياسات فعالة ومندمجة، لأن التنمية ليست رهينة الشعارات ولا الأرقام، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وقدرة على اتخاذ القرار الشجاع وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل دور المؤسسات ، فلا يمكن تحقيق العدالة التنموية في ظل ضعف الكفاءة في التدبير، واستمرار منطق الزبونية والريع في توزيع الفرص والمشاريع، وتحويل التوجه التنموي نحو فئات دون فئات أخرى ، فالمشروع التنموي هو مشروع وطني للجميع بدون استثناء.
جلالة الملك وضع خريطة الطريق بوضوح، مغرب صاعد، موحد في تنميته، عادل في توزيع ثروته، منفتح على المستقبل بإرادة جماعية، وهو ما يتطلب التحرر من ضيق الحسابات ومن وهم الامتيازات الظرفية، واستعادة جوهر الفعل العمومي القائم على المصلحة الوطنية، فالمغرب لن يتقدم إلا إذا فهم الجميع أن التنمية ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل هي تعاقد وطني من أجل العدالة، وأن الرؤية الملكية هي اليوم الإطار الواضح لتحقيق هذا التعاقد، الذي يحتاج إلى فاعلين مؤمنين بالتنمية كمشروع عادل اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

الكاتب : علي الغنبوري - بتاريخ : 28/10/2025