الجامعات المغربية… أشغال بلا نهاية… من يوقف نزيف المشاريع الجامعية المتعثّرة؟
إعداد : الحسين غوات
تشهد عدد من الجامعات المغربية خلال السنوات الأخيرة تعثراً واضحاً في إنجاز مشاريع البنية التحتية، من مركبات جامعية ومدرجات ومرافق بيداغوجية وسكن جامعي ومراكز بحث ومكتبات، وهو تعثر لم يعد مجرد ملاحظة تقنية عابرة، بل أصبح أزمة بنيوية تعكس اختلالات عميقة في التخطيط والتمويل والالتزام المهني.
نزيف مالي مستمر
التوقف المتكرر للأوراش الجامعية يتسبب في خسائر مالية مباشرة وغير مباشرة. كُلُّ يوم تتوقف فيه الأشغال يعني:
ارتفاع التكلفة الإجمالية للمشاريع بسبب تقلب أسعار مواد البناء والخدمات.
إعادة التقييم والدراسات الإضافية، التي تُصرف من ميزانيات عمومية ضاغطة أصلاً.
تجميد اعتمادات مالية كان من المفترض أن تُصرف على تحسين ظروف التكوين والبحث العلمي.
وبذلك تتحول المشاريع، التي صُممت لتحديث الجامعة، إلى عبء مالي تتضاعف تكلفته بدون أي قيمة مضافة.
تعثر إداري يعمق الأزمة
لا يمكن فصل هذه الوضعية عن الإشكالات الإدارية التي ترافق هندسة المشاريع العمومية الجامعية:
طول المساطر وتعقيدها، خاصة في الصفقات العمومية.
غياب تتبع صارم لا يحاسب المتخلفين عن الالتزامات.
تداخل المسؤوليات بين السلطات المتدخلة.
ضعف التواصل المؤسساتي مع الفاعلين المحليين والمقاولات المكلفة.
هذا الارتباك الإداري يجعل المشروع، منذ لحظة توقيع أمر الخدمة، رهينة مزاج المتدخلين وليس رهينة دفتر التحملات.
انعكاسات بيداغوجية خانقة
تأثير التوقف لا يقف عند المال والإدارة. بل يضرب في العمق الوظيفة الأساسية للجامعة: التكوين والبحث.
اكتظاظ في القاعات بسبب غياب المدرجات الجديدة.
صعوبة برمجة الأشغال التطبيقية لغياب المختبرات الجاهزة.
تأخير إطلاق مسالك جديدة كانت مرتبطة بتوفر مرافق محددة.
تراجع جاذبية الجامعة بالنسبة للطلبة الباحثين والشركاء الدوليين.
إن استمرار هذه الوضعية يجعل الجامعة غير قادرة على مسايرة الإصلاحات بمرجعياتها الجديدة، ويخلق فجوة بين التصورات الرسمية والواقع المادي للمؤسسات.
دراسات قبلية… ولكن؟
تُرصد ميزانيات مهمة للدراسات القبلية التقنية والوظيفية، لكن واقع الحال يكشف:
دراسات لا تأخذ بعين الاعتبار الزمن الحقيقي لإنجاز المشاريع.
تقديرات غير دقيقة للحاجيات أو التكاليف.
غياب مواكبة حقيقية للمشاريع من طرف مكاتب الخبرة المكلفة.
وتكون النتيجة: مشاريع تتوقف بعد أشهر لأنها لم تبنَ على قراءة واقعية لاحتياجات الجامعات أو قدراتها.
غياب المتابعة… الحلقة الأضعف
المشاريع تحتاج إلى مراقبة تقنية وإدارية أسبوعية، وليس موسمية. لكن عدة جامعات تعاني من:
لجان تتبع تعقد اجتماعاً أو اجتماعَين في السنة فقط.
غياب تقارير دورية تنشر للعموم أو للأساتذة.
ضعف تفعيل الجزاءات على المقاولات المتأخرة.
وبهذا تتحول مشاريع استراتيجية إلى أوراش مفتوحة بلا أفق واضح.
إلى أين؟
إن مصير المشاريع الجامعية لا يمكن أن يستمر على الوتيرة الحالية، لأن منظومة التعليم العالي تُعد رافعة استراتيجية للتنمية، ولا يجوز أن تظل رهينة إكراهات تقنية أو تعثرات إدارية تعطل مردوديتها وتمس بدورها الوطني. المطلوب اليوم:
1. إصلاح جذري لمساطر التعاقد والتتبع.
2. تفعيل المحاسبة والجزاءات دون تردد.
3. نشر تقارير شفافة حول تقدم المشاريع.
4. اعتماد دراسات قبلية واقعية تنجزها مكاتب خبرة تتحمل مسؤوليتها.
5. تسريع وتيرة الإنجاز وفق أجندة قارة وملزمة.
من أجل جامعة مغربية قوية… مسؤولية جماعية والتزام لا يقبل التأجيل
إن معالجة هذا الوضع المزمن لم تعد مسألة اختيار أو ظرفية يمكن تأجيلها، بل هي التزام مؤسساتي ضروري لوقف نزيف الزمن الجامعي وهدر الموارد، وحماية المال العام من الأعطاب المتراكمة التي كان من الممكن تلافيها بتدبير محكم ورؤية استباقية. إن الجامعة المغربية، بما تمثله من رافعة استراتيجية لإنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات، تستحق بنية تحتية تليق بمكانتها وأدوارها الوطنية. ومن ثم، فإن إطلاق مسار إصلاح جذري لمنظومة تدبير المشاريع الجامعية، قائم على الشفافية، والفعالية، والمحاسبة، والمتابعة الدورية، لم يعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة حتمية لضمان استمرار المرافق الجامعية في أداء وظائفها الحيوية، وتأمين مستقبل طلابنا، وترسيخ صورة جامعة حديثة، قوية ومواكبة للتحولات التي يفرضها المستقبل.
الكاتب : إعداد : الحسين غوات - بتاريخ : 28/11/2025

