وسط آمال معلقة على تغيير حقيقي ومسار تنموي منصف .. إقليم خنيفرة ينهكه «التثاؤب» وتثقله الانتظارات

لا يكاد يختلف اثنان داخل الشارع المحلي بخنيفرة حول سؤال واحد يتردد بإلحاح: إلى أي حد أو متى سيتغير واقع الإقليم فعلا؟ فبين طموحات الساكنة وتحديات الواقع واستفهامات المستقبل، يتجدد النقاش حول قدرة التدبير العمومي على مواجهة الملفات المتراكمة على مختلف المستويات التنموية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، وكلها ملفات تتطلب معالجة جذرية وإرادة سياسية صلبة وفورية، ذلك حتى لا يظل هذا الإقليم حبيس انتظاراته المتوكلة على عملة المهاجرين وراتب الموظفين ورحمة الأمطار وحنجرة الاحتجاجات.

 

بين واقع ثقيل بسنوات من التهميش، وإمكانات طبيعية وبشرية وثقافية هائلة، يقف إقليم خنيفرة عند مفترق طرق بلا تشوير، وأي تغيير يتطلع إليه السكان لن يتحقق بغير خيارات تنموية واضحة المعالم، فيما يؤكد كثير من أبناء الإقليم أن ما يصفونه بـ»الإسهال» في الحديث عن النقاط السوداء المتراكمة ليس سوى انعكاس مباشر لحجم الجرح المفتوح الذي يعيشه الإقليم منذ سنوات، فمن مظاهر التهميش والاقصاء، واتساع دائرة الفقر والهشاشة، وضعف أداء المنتخبين، وتردي البنيات والخدمات الأساسية، إلى تفاقم البطالة وغلاء المعيشة والركود الاقتصادي.
وبجولة عابرة داخل أرجاء خنيفرة، تتقاطع القصص اليومية للمعاناة: مستشفى يئن تحت ثقل أعطابه، جماعات محلية ترزح تحت فوضى المال والسلطة، شباب معطلون ينتظرون ما قد يأتي أو لا يأتي، نساء يعشن من بيع الخبز، مسنون يدفعون العربات اليدوية، أطفال يمسحون الأحذية، مشردون تحت صقيع الليالي، مياومون يصارعون من أجل البقاء، كل ذلك في مشهد يعكس مفارقة مؤلمة بين تاريخ إقليم لم ينحنِ يوما أمام الاستعمار أو سنوات الرصاص، وواقع يعجز عن تحقيق مصالحة حقيقية عبر تنمية شاملة وعدالة مجالية واضحة.
الجامعة والصناعة والاقتصاد

من أبرز المطالب التي لا تزال تشكل جوهر النقاش العام بخنيفرة مطلب إحداث نواة جامعية، هذا الملف، الذي تجاوز عمره عقودا طويلة من الوعود والتأجيل، يشكل حلما مؤجلا لآلاف الطالبات والطلبة الذين يضطرون سنويا للتنقل إلى مدن أخرى كفاس ومكناس وبني ملال لمتابعة دراستهم العليا، بما يضاعف الكلفة المالية والنفسية لأسرهم، وأي إحداث نواة جامعية بالإقليم سيخفف من الهدر الجامعي، ويوفر تكوينا علميا محترما، ويمنح سوق الشغل المحلي طاقات شابة مؤهلة تستطيع دعم النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى مستوى آخر، رغم الإمكانات والمؤهلات التي تتوفر عليها المنطقة، ما يزال إحداث منطقة صناعية بخنيفرة مطلبا ملحا لتوفير فرص الشغل وتحسين الرواج التجاري وتنويع الموارد، فالمؤهلات الطبيعية والغابوية والزراعية والحيوانية تجعل الإقليم مؤهلا لاستقطاب الاستثمار الصناعي، إلا أن غياب بنية صناعية منظمة يجعل المشاريع تتعثر ويعمق الهجرة نحو المدن الكبرى، حيث وجود منطقة صناعية حقيقية لن يكون فقط رافعة للتشغيل، بل مدخلا لتنويع الاقتصاد المحلي وإعادة توزيع الأوراش التنموية وتحريك التجارة المشتكية من الركود.

ثراء ثقافي وسياحي بلا مؤسسات

في إقليم غني بتراث أمازيغي وإبداع متنوع وموروث تاريخي مختلف، يظل مطلب إحداث مندوبية للثقافة ضرورة أساسية لتنظيم الأنشطة الفنية، وصيانة التراث المادي واللامادي، وتأهيل المدينة القديمة، وتثمين المواقع التاريخية، وتشجيع الشباب على الإبداع، وفي وجود مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها سيخلق دينامية جديدة، ويعزز السياحة الثقافية، ويعيد الاعتبار للذاكرة الجماعية لمنطقة لعبت أدوارا وطنية بارزة.
وبينما لم يتوقف المهتمون بالشأن الثقافي في خنيفرة عن دق ناقوس التنبيه بشأن غياب قاعات سينمائية بالمدينة، يتألمون لافتقارها حتى لقاعة مهيأة للعرض المسرحي والممارسة الفنية، ما يقيد تطور تكوينات الأطفال والشباب في مجالات المسرح والفنون، الوضع الذي يدفع الجمعيات والفرق المسرحية إلى تكييف فضاءات غير مناسبة لتقديم عروضها، كالقاعات متعددة الاستعمالات أو المراكز غير المجهزة، وهو ما يضعف جودة العروض، ومن تبعات هذا النقص تعذر استضافة فرق وعروض وطنية اعتادت الاشتغال في فضاءات بمعايير تقنية دقيقة.
ويجمع المهتمون على أن خنيفرة بإمكانها أن تكون وجهة سياحية متميزة لو توفر لها إطار إداري متخصص، وهو ما يفسر المطالبة بإحداث مندوبية للسياحة أيضا للعناية بتطوير القطاع وتثمين المؤهلات الطبيعية المتنوعة من بحيرات ومنابع ومحميات وغابات وموروث فني وحرفي، إذ أن الاستمرار في غياب مؤسسة رسمية يجعل القطاع مشتتا بين مكاتب غير منظمة ورؤى غير منسقة، في حين أن تطوير السياحة البيئية والإيكولوجية يمكن أن يشكل رافعة للتشغيل والاقتصاد المحلي.
من بين المشاريع التي أثارت الكثير من التساؤلات، مشروع المركز السوسيو- ثقافي والرياضي بأجدير الذي كان من المنتظر أن يمتد على مساحة 13 هكتارا بكلفة 40 مليون درهم، بشراكة بين وزارة الداخلية، جامعة السلطان مولاي سليمان، والمجالس المنتخبة، وكان المشروع سيشكل فضاء مفتوحا للشباب والباحثين والصناع التقليديين والسياح، غير أن غموضا لا يزال يلف أسباب تعثره المرتبطة بالتمويل والتنفيذ والجدولة الزمنية.
وليس غريبا أن يطرح المتتبعون أسئلة مشابهة حول ملف اتفاقية تهيئة عيون أم الربيع، التي رصد لها ما يفوق 15 مليار سنتيم لتثمين هذا الموقع السياحي الكبير عبر مشروع يوازن بين السياحة الإيكولوجية والاقتصاد التضامني وخلق فرص شغل مستدامة، وكل تأخر في تنزيل هذا المشروع يزيد المخاوف من ضياع فرصة جديدة كان يمكن أن تجعل من المنطقة قبلة سياحية ذات قيمة مضافة.
ويضاف إلى ذلك ملف المآثر التاريخية، من قصبة موحى وحمو الزياني المصنفة إرثا إنسانيا، إلى «القنطرة الإسماعيلية»، «الجامع الكبير»، «الزاوية الناصرية»، «الزاوية الدلائية»، المدينة الأثرية «إغرم أوسار»، «قصبة أدخسال»، «قلعة البرج»، وصولا إلى المدينة المكتشفة «فازاز» المهملة رغم قيمتها العالمية، حيث لم يتوقف الباحثون والفاعلون المدنيون يجمعون على أن حماية هذا التراث ليست ترفا، بل رافعة اقتصادية وثقافية ضائعة.
عقارات خلف ظلمات المجهول

من بين الملفات التي تشغل سكان خنيفرة منذ سنوات ملف عقار «الكورص» الواقع في موقع استراتيجي وسط المدينة على مساحة 16 هكتارا، الملف، الذي يفترض أن يشكل قاعدة لتنفيذ مشاريع ذات نفع عام، تحول إلى ساحة صراع بين أطراف تسعى لوضع اليد عليه، وأخرى تدافع عن ضمه إلى الملك الجماعي، وقضيته بلغت ردهات القضاء، وانتهت بقرار محكمة النقض بإلغاء الحكم الاستئنافي الذي كان لصالح الجماعة، ما زاد من حدة الترافع، وفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل هذا الوعاء العقاري الذي ينظر إليه باعتباره منفذ لمشاريع تنموية حقيقية.
وفي ملف آخر، فمنذ تحويل السوق الأسبوعي من آمالو في اتجاه تزارت إعراضن، قبل خمس سنوات، تعرت سلسلة من الاختلالات التي حولت المشروع إلى عنوان للوهم، فالسوق الجديد لم يشتغل وفق ما كان مرجوا منه، ليترك المتسوقين والسواقين الذين اعتادوا قطع المسافات من مناطق جبلية مشتتين بين فضاءات غير مهيأة، واليوم، يزداد المشهد التباسا مع استمرار طرح أسئلة محرجة حول أسباب هذا الإخفاق، والمسؤول عن هدر ميزانية لم تترجم على الأرض، وهكذا تحول السوق إلى نموذج صارخ للفشل وإلى واقع يشبه قرية أشباح.

حين تصبح الصحة رحلة شاقة

لا يحتاج سكان إقليم خنيفرة إلى الكثير لإثبات أن البنية الصحية وصلت مستوى يصفه كثيرون بـ «المتدهور»، فالأرقام الرسمية تؤكد أن عدد الأطباء والممرضين والمراكز الصحية لا يوازي حجم الساكنة التي تتزايد بوتيرة سريعة، ما يجعل «الخريطة الصحية» مكشوفة الهشاشة في الموارد البشرية والتجهيزات والأسِرة والمعدات الأساسية، أما التخصصات الطبية الحيوية فتبقى نادرة، ويزداد المشهد قتامة بسبب ضعف الحكامة في تدبير الحالات.
وفي جولة قصيرة بالمراكز الصحية، تتكرر الشهادات حول اضطرار المرضى إلى التوجه نحو بني ملال ومكناس وفاس والرباط طلبا لعلاج بسيط قد لا يتجاوز فحصا أو تحليلا، وتطفو أيضا اتهامات حول «استدراج المرضى نحو القطاع الخاص»، في وقت لا تزال فيه وضعية المراكز الصحية بالمناطق القروية جزء من «مآسي صامتة».
وسط هذا الواقع، يتواصل ضغط المجتمع المدني لإعادة الحياة إلى «المستشفى القديم» (القائم بمدخل حمرية) وتحويله إلى مركز للأنكلوجيا يعنى بالكشف المبكر والتشخيص وعلاج السرطان، وكم من مرة وضع نشطاء المدينة هذا الملف على طاولة المنتخبين والبرلمانيين منذ سنوات، دون أن تجد النداءات طريقها إلى قرار فعلي، علما أن ارتفاع حالات السرطان بصمت، وتزايد الضحايا من الفئات الهشة، يجعلان هذا المطلب ليس مجرد مشروع، بل «ضرورة إنسانية» لتخفيف المعاناة اليومية للتنقل إلى مدن بعيدة وتكاليف العلاج والسفر.
انتظارات تبحث عن إجابات
الأسواق النموذجية وملاعب القرب ما تزال متواضعة أمام التوسع العمراني، والأوعية العقارية الضرورية للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والرياضية والتربوية تظل محدودة، علاوة على الملف الأكثر حساسية اليوم هو «أزمة المقابر»، بعد أن أوشكت «مقبرة أحطاب» على الامتلاء، محذِّرة من أزمة دفن حقيقية إذا لم يتم الإسراع في تخصيص عقار جديد، وتتوسع دائرة الأسئلة لتشمل حرمان وداديات بالشمال من الربط بشبكة الواد الحار.
ومن المشاريع التي أثارت أمل آلاف النساجات مشروع وحدة تثمين الصوف بمريرت، الذي كان سيقام على مساحة 5000 متر مربع باستثمار يناهز 28 مليون درهم، بمساهمة وزارات ومؤسسات وطنية وجهوية عدة، تحت إشراف مؤسسة محمد الخامس للتضامن، وهذا المشروع كان سيغير حياة أكثر من 25 ألف امرأة نساجة، في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لكنه توقف لأسباب غامضة، تاركاً وراءه أحلاما معلقة.
وفي المدينة نفسها، يبرز سؤال مختلف: كيف تعاني خنيفرة – التي تجري في قلبها مياه أم الربيع- من فقر في المساحات الخضراء؟، سؤال يتردد إلى جانب الانتقادات المستمرة لجودة الماء الشروب، وسط شكاوى سكانية حول ما يوصف بـ «ملوحة» الماء منذ سنوات، في انتظار حلول تقنية تعيد الثقة إلى هذه المادة الحيوية.
في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، تظل الزربية الخنيفرية واحدة من الكنوز التي تعكس أصالة المنطقة وتميزها، وتعتبر مصدراً كبيراً لعيش آلاف النساء النساجات، ورغم قيمتها الجمالية والإبداعية، لا تزال الزربية تفتقر إلى فضاء لائق يجمع الحرفيين والحرفيات، ويتيح تسويقا وطنيا ودوليا يليق بها، ويعزز مكانتها في سوق السياحة.
قضايا قائمة تحت الضوء

بين الانتظارات اليومية والأسئلة العالقة، يطفو ملف برنامج تأهيل إقليم خنيفرة الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2008 بغلاف مالي قدره 220 مليون درهم، وأوساط الساكنة تطالب اليوم بتحقيق شامل حول الأوراش التي نفذت، والأخرى التي توقفت، والاعتمادات التي صرفت، ولا يقل عنه غموضا ملف اتفاقية التنمية الحضرية 2017-2020، التي شاركت فيها جهات حكومية وإقليمية، وكان مفترضا أن تحدث نقلة نوعية في البنية التحتية للمدينة، لكنها انتهت إلى مشاريع منفذة جزئيا وأخرى بقيت من دون توضيحات.
وعلى صعيد آخر، تعود الحاجة كذلك إلى تعميق التحقيق في مرحلتي «المشروع الألماني المغربي للتطهير السائل»، بالنظر إلى ما يثار حول اختلالاته المالية والتقنية، تبقى واحدة من أكثر القضايا إثارة للتعجب، صرف 140 مليون سنتيم لإنجاز «كتاب مصور حول الإقليم»، وهو ملف تطالب فعاليات حقوقية بفتحه لمعرفة طبيعة العقد، وهوية المنجز، وجدوى المشروع.
في مريرت، تتجدد مخاوف الساكنة كلما تكاثفت السحب فوق المرتفعات، مشروع حماية المدينة من الفيضانات، الذي انطلق شطره الأول ثم أحاطت به الأسئلة، تعثر شطره الثاني في ظروف وصفها السكان بـ»الغامضة»، والمثير أن المشروع مضبوط باتفاقية رقم 17/ث/ط م/2019، تشمل ولاية بني ملال خنيفرة، المجلس الجهوي، عمالة الإقليم، جماعة مريرت، ووكالة الحوض المائي، الأمر الذي ضاعف التساؤلات حول مدى التزام هذه الأطراف بتعهداتها المالية والتقنية؟
كما لا يزال سكان خنيفرة يترقبون، بإلحاح متزايد، تفعيل مشروع توسيع وتقوية الطريق الجهوية رقم 710 الرابطة بين خنيفرة وأبي الجعد، في إطار اتفاقية الشراكة المندرجة ضمن برنامج الدولة والجهة للفترة 2020-2022، والذي رصد له غلاف مالي يقارب 364 مليون درهم، ورغم بلوغ الدراسات التنفيذية مراحل متقدمة، ظل المشروع يراوح مكانه، في حين يعلق عليه السكان آمالا واسعة لربط إقليمي خنيفرة وخريبكة وتثمين مؤهلاتهما الاقتصادية والطبيعية، فضلا عن فك العزلة عن القرى الجبلية وربطها بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.
هذا الورش الحيوي، الذي انطلقت دراسته التقنية منذ سنوات، بقي حبيس التأجيل المتكرر وتقاطعات التدبير التي يصفها البعض بـ»منطق الإقصاء»، لتظل طريق 710 مثالا آخر على مشاريع تراكمت عليها الوعود أكثر مما لامستها آليات الإنجاز.
عوالم خلف العزلة والمعاناة

الصورة لا تختلف كثيرا عن مناطق جبلية تواجه عزلة قاسية تفرضها تضاريس وعرة وبنيات طرقية هشة، ساكنة هذه القرى تتحدث عن معاناة يومية في الوصول إلى الخدمات الأساسية، وعن صعوبات في النقل المدرسي، وغياب مسالك معبدة ومياه كافية وبعد الصحة والتعليم، وتعقيدات في إجراءات حفر الآبار التي تُعد شريان الحياة في بيئة صعبة مناخيا، ورغم تخصيص الدولة برامج لتنمية المناطق الجبلية، إلا أن جزء مهما منها ما يزال عالقا بين ضعف التتبع وتعقيد المساطر، بينما تستمر القرى في دفع ثمن التأخر التنموي.

دراسات مفترسة وملفات غامضة

هناك تحقيقات تفرض نفسها، بدءا من الأغلفة المالية التي تصرف على «مكاتب الدراسات»، والتي يجهل المتتبعون أسماءها وطبيعة تمويلها وحجم عملها، فيما يبرز سؤال ملامح الدعم المخصص للفلاحين في إطار «المغرب الأخضر» وبرامج «محاربة الجفاف»، إضافة إلى ملفات أخرى لا تقل عن الثروة الغابوية، المناجم المعدنية، مقالع الرخام والفسيفساء، مواقف السيارات، العمال العرضيين، المنح الجمعوية، المهرجانات المبرمجة، وغيرها من الملفات المحكومة بالضبابية والكثير من الاستفهامات.

 


الكاتب : أحمد بيضي

  

بتاريخ : 01/12/2025