شهد حفل افتتاح الدورة الثانية والعشرين من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش عرض فيلم «سلك الرجل الميت»، العمل الجديد الذي يجمع بين كاتب السيناريو أوستن كولودني والمخرج الأميركي غاس فان سانت.
ويقدّم الفيلم معالجة سينمائية تنتمي إلى خانة التشويق والكوميديا السوداء، مستنداً إلى وقائع حقيقية من سبعينيات القرن الماضي، ومستلهمًا أسلوب سيدني لوميت في أفلام مثل «مساء يوم حار» و»شبكة».
ويروي فيلم «سلك الرجل الميت» تفاصيل حادثة اختطاف هزّت الولايات المتحدة عام 1977، عندما أقدم رجل الأعمال توني كيريتسيس على احتجاز وسيط الرهن العقاري ريتشارد هول في مدينة إنديانابوليس، بعد أن ربط عنقه بسلك معدني موصول ببندقية، ما جعل أي تدخل أمني محفوفاً بالخطر. وقد تحولت الواقعة إلى حدث وطني بعدما ظهر الخاطف وضحيته على الهواء مباشرة لعرض مطالبه، في لحظة اعتُبرت مثالاً مبكراً على انفلات التغطية الإعلامية.
ويعيد الفيلم تسليط الضوء على تلك المرحلة المتوترة من التاريخ الأميركي، في حقبة ما بعد اغتيال كينيدي وفضيحة ووترغيت، حيث تزايدت الشكوك تجاه المؤسسات وتفاقم الشعور بانهيار القيم المدنية.
ويُقدم بيل سكارسغارد دور توني كيريتسيس بشخصية مضطربة ومتوترة، فيما يجسد داكري مونتغمري دور ريتشارد هول الذي عاش 72 ساعة تحت التهديد. كما يطل آل باتشينو بدور والد الضحية، مجسداً شخصية متسلطة ترفض الاعتذار للخاطف. وتؤدي ميهالا دور مراسلة تلفزيونية تلاحق الحدث ميدانياً، بينما يشارك كولمان دومينغو في دور مقدم إذاعي يستغل الخاطف برنامجه لعرض شكواه.
ولا يركز الفيلم كثيراً على المعاناة النفسية للضحية وما تعرض له من اضطراب ما بعد الصدمة، وهو انعكاس لطريقة تناول الإعلام والقضاء للقضية آنذاك، إذ كان الاهتمام منصباً أساساً على تقييم الحالة العقلية للخاطف وإمكانية لجوئه إلى «الإقرار بالجنون».
وتسهم الأدوار التي يقدمها باتشينو ودومينغو وميهالا في خلق طبقة سردية إضافية، تضفي على «سلك الرجل الميت» طابعاً سريالياً يمزج بين الغرابة والحدة والمفارقات الساخرة.
يدير فان سانت الفيلم بإيقاع غير تقليدي، متعمداً خلق مساحات عبثية وغريبة وسط مشاهد توتر شديد.
ويبدو أن المخرج يلمّح إلى أن الواقع ذاته كان عبثياً بما يكفي، وبالتالي فإن السرد السريالي ليس افتعالاً، بل انعكاس لواقع أكثر سريالية مما يتصوره المشاهد.
نجح «سلك الرجل الميت» في أن يكون أكثر من مجرد فيلم عن واقعة اختطاف. إنه فيلم عن كيفية صناعة الحقيقة، وعن حدود الإعلام الأخلاقية، وعن الهشاشة النفسية للمجتمع حين يختلط الخوف بالفرجة.
ويتقاطع الفيلم بقوة مع واقع اليوم، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تعيد تدوير العنف والجرائم على نطاق أوسع مما فعل تلفزيون السبعينيات، وكأن الفيلم يقول:ما حدث بالأمس تحت ضوء الكاميرات… يحدث اليوم تحت ضوء الهواتف.
فيلم «سلك الرجل الميت» لغاس فان سانت السرد السريالي ليس افتعالا، بل انعكاس لواقع أكثر سريالية
بتاريخ : 01/12/2025

