آه.. لو أنهم.. !!!

خديجة مشتري

 

لو أنهم جربوا يوما ذعر أطفال صغار، ذات ليلة عاصفة، قررت أمطار جارفة في لحظة من لحظات العطاء الإلهي المبارك أن تغزو أفرشتهم الدافئة وتحيلها بردا وصقيعا ودموعا… لربما فكروا ألف مرة قبل أن يوقعوا على صفقات مشبوهة، يذهب نصف أموالها … إلى حيث لا يعلم إلا الله مآلها…
لو أنهم جربوا اجتياح السيول لمنازل الفقراء وغرق أمتعتهم وأحذية أطفالهم وكتبهم ودفاترهم وأقلامهم وسط بحيرة من الذهول والخوف والفزع… لربما فكروا ألف مرة ومرة قبل أن يخونوا الأمانة التي وضعت على عاتقهم ويخلفوا عهودهم ووعودهم…
لو أنهم شاهدوا أطفالهم يرتعشون بردا وهلعا من مياه أرسلها الله رحمة وغيثا نافعا للعباد فإذا بها تنقلب، بفعل جشعهم وعبثهم، إلى غول مرعب يتوجس منه الكبار قبل الصغار… لفكروا ألف مرة ومرة قبل أن يغتنوا فجأة من مناصب سقطت أيضا من السماء…
لو أنهم قضوا ليلة واحدة في تجفيف أركان منازلهم الغارقة محاولين إماطة مخلفات ذلك الاجتياح الغاضب وتجهيز مكان جاف لنوم أطفالهم المذعورين من هول ما عاشوه تلك الليلة… لربما فكروا ألف مرة ومرة قبل أن يضحكوا ملء ذقونهم وهم يفركون كفا بكف فرحا بالمناصب الفجائية والمراكز الاجتماعية المريحة التي أتت إليهم على طبق من ذهب…
لو أن أحد أطفالهم استيقظ صباحا ليجد أن كل ملابسه قد ابتلت وأن حقيبته المدرسية صارت عبارة عن كيس من الأوراق الموحلة… لربما فكروا ألف مرة ومرة قبل أن يطبلوا ويهللوا مفتخرين بمدينة أرادوها ذكية فإذا هي غارقة في الوحل حتى النخاع، لم ينفعها ذكاؤها المزعوم في تجنيب أطفالها حسرتهم وغبنهم على ضياع أبسط أشيائهم…
لو أنهم جربوا لهفة أم على فلذة كبدها العالقة في مكان ما من مدينة تحولت في دقائق إلى مستنقع آسن، يلزم لاستئناف حركة السير فيها استقدام زوارق وعوامات لنقل الناس إلى منازلهم آمنين، لو أنهم جربوا خوفها وتنقلها من نافذة لأخرى علها تلمح طيف ابنتها أو ابنها قادما من بعيد، ضارعة لله ألا يقع لهما مكروه… لربما فكروا ألف مرة ومرة قبل أن يتخذوا من سياسة التطاوس والترقيع دينا وديدنا…
لو أنهم جربوا شعور أب يقف لساعات متأخرة من المساء عند موقف الحافلات، منتظرا إحدى بناته التي تأخرت في الوصول لأن حظها العاثر جعلها تقع مثل الآخرين ضحية سوء التدبير وقلة المروءة عند بعض ممن يدعون الوطنية وخدمة الصالح العام وهم في حقيقة الأمر لا يخدمون إلا أنفسهم ومصالحهم، لو أنهم بدل أن يفكروا في الزواق والعكر فوق( …)، فلربما اتقنوا عملهم وصانوا أماناتهم… بدل أن يتشدقوا بما ليس فيهم، ويتباهوا بإنجازات تبين في لحظة أنها إنجازات من ورق…ووهم تهاوت كما تتهاوى قصور الرمال عند أول موجة متكسرة…
لو أنهم كانوا يحملون ذرة إيمان واحدة لأحبوا وطنهم ومدينتهم وخدموهما بإخلاص،لأن حب الأوطان من الإيمان، ولكن هيهات فلا ايمان يبقى ولا شعارات تصمد أمام سطوة المال وجبروت النفوذ ونعومة الأرائك المخملية التي يبرمون عليها صفقاتهم منتشين..
لو أن إيمانهم كان عميقا بقيم الديمقراطية والإنسانية، كما آمن بها مناضلون حقيقيون خدموا ويخدمون البلاد بصدق ونكرات ذات، لو أنهم قدروا مناصبهم ومسؤولياتهم حق قدرها.. لما كان فشلهم اليوم ذريعا في تدبير شؤون أكبر مدينة بالمغرب، ولما سقطت عنهم ورقة التوت التي كانت بضعة ميليمترات من الأمطار كافية لتطير بعيدا عنهم كاشفة عن الوجه البشع لقلة كفاءتهم وسياستهم الترقيعية و…انعدام مسؤوليتهم…
لو أنهم… !!!

الكاتب : خديجة مشتري - بتاريخ : 09/01/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//