أين أضاع المغرب الطريق؟

عبد السلام المساوي

كنا في بداية تطور الوباء درسا يقدمه العالم المتحضر لنفسه دليلا على أن المسألة لا علاقة لها بتقدم أو بتأخر، بل لها العلاقة كل العلاقة بوعي الناس وباستيعابهم لخطورة الذي يجري، وهو خطير فعلا…
حكومة العثماني لها جانب كبير في المسؤولية، هذه مسألة لا يتناطح حولها كبشان.
نحن كشعب علينا نصيب أيضا وافر من المسؤولية، هاته هي الأخرى لا تقبل أي جدال.
وسائل إعلامنا المنشغلة بمشاكلها، والتي لم تعرف أن عليها دورا كبيرا تجاه هذه الجائحة، هي الأخرى لها النصيب الأكبر من المسؤولية.
أين أضاع المغرب الطريق؟ وكيف أخطأ هذا الخطأ الذي جعله بسهولة ينتقل من طور البلدان التي تتحكم في تطور الوباء إلى مصاف البلدان التي تنتظر كل مساء الحصيلة الثقيلة ويدها على قلبها بكل خوف وانزعاج؟
لسنا وحيدين في الحكاية، بل حتى دول مثل فرنسا وإسبانيا وغيرها عادت إليها وتيرة الإصابات والوفيات بسبب كورونا إلى الارتفاع، والسبب واحد ووحيد في كل أنحاء المعمور: وهم تسلل إلى أذهان الناس أقنعها بأننا انتهينا من الوباء ومحاربته وأن القادم لن يكون إلا أفضل.
منذ اللحظة الأولى قمنا بمجهودات جلبت علينا شكر العالم كله، قبل أن نتحول إلى تراخ غير مفهوم هو الذي يكلفنا هاته الخسائر التي يعلم الله مداها، والتي يعلم الله وحده ما ستسببه من آثار في القادم من أسابيع ومن أشهر.
هذا البلد ضحى لمدة ثلاثة أشهر باقتصاده لأجل حماية صحة الناس، والأمر يتعلق بصحة الناس العامة، وهي مسألة أعلن المغرب قولا وفعلا أنه يقدسها وأنه يضعها في مقدمة اهتماماته، وبعدها تأتي بقية الأشياء.
للأسف، أحيانا نكون أشد ضراوة على أنفسنا بسبب هذا الغباء من كثير العداوات التي يسهل القضاء عليها فقط بالتسلح بقليل من الذكاء.
جزء كبير من الذي قمنا به منذ شهر مارس الماضي ذهب أدراج الرياح اليوم. ويكفي أن نقول للرأي العام اليوم إن عدد الإصابات والوفيات، منذ بداية شهر غشت وحتى يوم 10 شتنبر، يفوق بكثير جدا ما سجلناه في بلادنا منذ شهر مارس حتى نهاية يوليوز، لكي نكتشف الدمار الذي تسبب فيه الاستهتار بالوباء، والاقتناع الخاطئ أن الخطر لم يعد قائما وأننا يمكن أن نخفف من احتياطاتنا تجاه كورونا رغم أن كورونا لم ينقرض بعد…
لنقلها بكل صراحة: جزء من المعركة التي نخسرها هاته الأيام ضد كورونا سببها حديث أناس لا يفهمون ولا يعلمون عن أمور لا يفهمونها ولا يعلمون عنها شيئا.
بسبب هذه الجرأة الجاهلة والتطاول غير العالم على موضوع طبي وعلمي ها نحن اليوم نعود إلى نقطة الصفر لكأننا لم نقم بشيء، وها نحن نجد أنفسنا أمام تهديد العودة إلى حجر قاس وقوي مثل ذلك الذي عشناه منذ أشهر خلت…
خطابات التوعية، التي اشتغلت بشكل متحمس في البدء منذ شهر مارس، والتي لاقت هوى واستجابة في صفوف أغلبية الناس تراجعت إلى الخلف، ومعها تراجع انشغال الناس بالوباء، وازداد وهمهم أنه انقضى وأنه أصبح مجرد ذكرى سيئة فرضت علينا أشهرا ثلاثة من البقاء في منازلنا وكفى….
رأينا علامات كثيرة على استهتار الناس بخطورة المرض، ورأينا تخبطا في التواصل الحكومي كاد يقنع الناس بأن المرض لم يعد له وجود في بلادنا، دون بقية بلدان العالم التي مازالت تعبر عن خشيتها من الأسوأ.
لذلك تكاثرت علامات التصرفات الطائشة، ومع تكاثرها تكاثرت حالات الإصابات، والأسوأ تكاثرت حالات الوفيات اليومية بشكل خطير ومقلق ومزعج ولا يتقبل صمتا أكثر.
الذين كانوا يقولون لنا إن كورونا لا وجود له يكتشفون مع سقوط هذا العدد الرهيب من الإصابات والوفيات أن جهلهم هو الذي دفعهم إلى ارتكاب أقوال مثل هاته، ويتأكدون بأن القادم لن يكون إلا أصعب…
نتمنى ألا يكون قد فات الأوان فعلا، ونتمنى أن يتحرك الذكاء المغربي الراغب في البقاء سليما معافى على قيد الحياة لكي يساعد بلدنا على اجتياز هذا المنعرج الخطير بسلام، أو على الأقل بأقل الأضرار الممكنة.

الكاتب : عبد السلام المساوي - بتاريخ : 14/09/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//