إقليم تطوان…. تنمية غائبة ومسؤولية حاضرة

محمد السوعلي (*)
في خطابه التاريخي يوم 29 يوليوز 2025، رسم جلالة الملك محمد السادس نصره الله معالم جيل جديد من البرامج التنموية المندمجة، مؤكداً على ضرورة الانطلاق من الهوية الترابية لكل مجال، والاستناد إلى إمكاناته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، في انسجام تام مع مبادئ الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية. وقد جاءت مذكرة وزير الداخلية لتترجم هذا التوجه، حيث دعت الولاة والعمال إلى الشروع الفوري في عقد مشاورات واسعة مع مختلف الفاعلين الترابيين قصد بلورة برامج عملية وملموسة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في إقليم تطوان هو: هل تستطيع الحكومة والسلطات الإقليمية والمجالس المنتخبة والجمعيات المدنية تنزيل هذه التوجيهات على أرض الواقع؟
تشخيص الوضع التنموي لإقليم تطوان: المؤهلات الغنية في مواجهة الواقع الهش
إقليم تطوان يتميز بمؤهلات طبيعية وجغرافية فريدة: موقع استراتيجي عند البوابة الشمالية للمغرب، قرب من أوروبا، سواحل ممتدة وجبال خضراء، إضافة إلى إرث ثقافي وتاريخي غني جعل من المدينة العتيقة أيقونة أندلسية مصنفة تراثاً عالمياً. لكن خلف هذه الصورة المشرقة، الواقع التنموي هش، إذ لا تزال نسب البطالة مرتفعة رغم أن المعدل الجهوي بلغ 9.7% مقابل 12.8% وطنياً، مع تفاوتات صارخة بين المدن والقرى. التعليم يعاني من الهدر المدرسي والاكتظاظ وضعف البنية التحتية، فيما تكابد الصحة خصاصاً مهولاً في الموارد البشرية، حيث لا يتجاوز معدل الأطباء طبيباً واحداً لكل 2000 نسمة في بعض المناطق.
المشاريع المؤجلة والالتزامات غير المنجزة: عناوين للفشل وفقدان الثقة
لائحة المشاريع المتعثرة في تطوان تكفي وحدها لإدانة سنوات من سوء التدبير. فالطريق السيار طنجة–تطوان ظل شعاراً انتخابياً دون إنجاز، والربط السككي عبر تمودة باي لم يتجاوز الدراسات، والطريق السريع تطوان–الشاون بقي عالقاً ما يفوق 15 سنة رغم حيويته لفك العزلة. أما مشروع الملعب الكبير، وتطوير ضفاف وادي مرتيل، وقصر المؤتمرات، وتأهيل المدينة العتيقة، فما زالت كلها رهينة الوعود والانتظار. مشاريع كان يُفترض أن تشكل رافعة للتنمية تحولت إلى عنوان للفشل وفقدان الثقة.
شروط أساسية لنجاح البرامج التنموية: من التمويل الاستثنائي إلى الإرادة السياسية
إن نجاح الجيل الجديد من البرامج يظل رهيناً بتوفر إرادة سياسية وجرأة مؤسساتية، وهو ما يستدعي شروطاً أساسية ومتكاملة.
أول هذه الشروط يتمثل في التمويل، عبر الرفع من ميزانيات الجماعات الترابية وخلق صندوق استثنائي مخصص للإقليم، مع إقرار قانون جبائي وضريبي خاص بتطوان على غرار ما جرى في طنجة وأكادير، بما يضمن عدالة مالية ويحفز الاستثمار. كما يتطلب الأمر تعبئة المؤسسات القائمة، وفي مقدمتها شركة تنمية ضفاف واد مرتيل، من خلال تمكينها من التمويلات الضرورية لتسريع المشاريع الكبرى.
أما على مستوى التخطيط المجالي، فإن تجاوز الاختلالات يفرض القطع مع منطق التدبير القطاعي المبعثر، واعتماد رؤية شمولية مندمجة تعيد التوازن بين قطبي الجهة: تطوان وطنجة. ويوازي ذلك التحرر من التنمية الإسمنتية التي تلتهم العقار دون مردودية حقيقية، وتوجيه العقار نحو مشاريع مهيكلة منتجة للشغل.
ومن الشروط الجوهرية كذلك إشراك المجتمع المدني باعتباره شريكاً أساسياً في بلورة البرامج وتنفيذها، مع تثمين الموروث الثقافي للإقليم واستثماره في جذب السياحة الداخلية والخارجية. وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير الصناعة السياحية والترفيهية عبر إحداث فضاءات جديدة للفندقة والأنشطة الثقافية والرياضية، بما يجعل من الإقليم وجهة متكاملة.
وأخيراً، يبقى فك العزلة عن العالم القروي عبر فتح مسالك جديدة وبنيات تحتية قوية مدخلاً رئيسياً لضمان عدالة مجالية حقيقية، تُمكّن ساكنة القرى من الاستفادة من ثمار التنمية أسوة بالمجال الحضري.
إقليم تطوان مجال متعدد الوظائف يحتاج إلى رؤية متكاملة لاستثمارها. في جانب الثقافة والموروث الثقافي، يتطلب الأمر تأهيلاً وتثميناً للتراث الأندلسي والمدينة العتيقة. في السياحة، هناك حاجة إلى فضاءات فندقية ومنتجعات وقرى سياحية، وإعداد مخطط خاص بالسياحة الداخلية. أما في التجارة والصناعة فالمطلوب تأهيل المناطق الصناعية وخلق أخرى جديدة تراعي معايير المدن الذكية. في الصناعة الرياضية، الحاجة ماسة إلى مركبات حديثة وحلبة للعدو الريفي، بينما تتطلب الصناعة الترفيهية تحفيز القطاع الخاص لتمويل المهرجانات والأنشطة الثقافية، مع توجيه المال العام نحو المشاريع المنتجة للشغل. وعلى مستوى العمران، فإن حماية العقار وتخصيصه للمشاريع المهيكلة الكبرى أمر لا مفر منه.
إعادة توجيه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: نحو إنصاف العالم القروي وتعزيز الإدماج الاقتصادي
رغم أهمية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلا أن أثرها في تطوان ظل محدوداً. وهو ما يجعل من الضروري اليوم إعادة توجيهها نحو الوسط القروي لفك العزلة وخلق فضاءات للأنشطة الاقتصادية، مع إشراك الخواص في تمويل الأنشطة الثقافية، حتى تُخصص الموارد العمومية حصراً للمشاريع المدرة للدخل وخلق فرص الشغل.
الخلاصة والتوصيات: من الوعود المؤجلة إلى فعل تنموي ملموس
لقد رسمت التوجيهات الملكية الطريق بوضوح محددة الأهداف ومبينة الوسائل، لكن التنفيذ ظل متعثراً بسبب عجز الحكومة وضعف أداء المجالس المنتخبة. فإقليم تطوان يملك كل مقومات الإقلاع التنموي من موقع استراتيجي وإرث حضاري ومؤهلات طبيعية ووظائف اقتصادية متعددة، لكنه يفتقر إلى الانسجام المؤسسي والتمويل الكافي والإرادة السياسية الصادقة. والمرحلة المقبلة لا تحتمل التبرير أو التسويف، فالمواطن التطواني سئم من لغة الوعود وينتظر إجراءات ملموسة ترفع من جودة الخدمات وتفتح باب الشغل وتعيد لتطوان مكانتها التاريخية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: هل ستملك الحكومة والسلطات الإقليمية والمجالس المنتخبة الجرأة للانتقال من الخطاب إلى الفعل، أم أن إقليم تطوان سيبقى أسير التنمية الغائبة والمسؤوليات الحاضرة دون محاسبة؟
المجال التنموي المندمج: مفتاح
تطوان نحو المستقبل
إن المقاربة التنموية لإقليم تطوان لا يمكن أن تبقى حبيسة حدود التقطيع الإداري الضيق، بل تفرض نفسها ضمن أفق مجالي أوسع وأكثر انسجاماً يمتد على طول الساحل المتوسطي من واد لاو إلى الفنيدق. فهذا الامتداد الطبيعي والاقتصادي يشكل وحدة متكاملة قادرة على احتضان صناعة سياحية متنوعة تجعل من تطوان ومجالها الحيوي قطباً جاذباً على المستويين الوطني والدولي. غير أن تحويل السياحة إلى قاطرة للتنمية يقتضي رؤية استراتيجية متكاملة تُدمج تأهيل البنيات التحتية، وخلق فضاءات سياحية وبيئية وثقافية، وتشجيع الاستثمارات الخاصة، وربط هذه المشاريع بشبكة الموانئ والطرق الحديثة. وفي هذا السياق يصبح التمويل عنصراً حاسماً، إذ لا تنمية ممكنة دون تعبئة موارد مالية كافية، سواء عبر البرامج الوطنية والجهوية، أو من خلال جذب الاستثمارات الخاصة، أو عبر شراكات دولية تستثمر في جاذبية المنطقة وقربها من الضفة الشمالية للمتوسط.
إن تحقيق الإقلاع التنموي بتطوان يظل رهيناً بالانتقال من منطق الإقليم الإداري إلى منطق المجال التنموي المندمج، ومن السياسات المشتتة إلى مخططات شمولية قادرة على خلق الثروة وتوزيعها بعدالة، وتعزيز موقع تطوان كجسر بين البحر والجبال، وبين الداخل والخارج، وبين التاريخ والحداثة. وفي هذا المسار، تبرز التجربة المغربية في تعيين الولاة والعمال كمطوّرين ترابيين Gouverneursdéveloppeurs باعتبارها محطة أساسية في إعادة تعريف أدوارهم، من مجرد حفظ النظام إلى قيادة التنمية المندمجة، وهو تحول لن يكتمل إلا بآليات دقيقة للتقييم والمحاسبة، وبعلاقة تكاملية مع المجالس المنتخبة، وإشراك فعلي للمواطنين لضمان نجاعة مشاريع الجيل الجديد.
(*)الكاتب الإقليمي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتطوان
الكاتب : محمد السوعلي (*) - بتاريخ : 29/08/2025