الذكاء الاصطناعي والقطيعة الكبرى مع الماضي

مصطفى خُلَالْ

…وها قد أضحى (الذكاء الاصطناعي) اليوم ومنذ فترة بداية هيمنة (العالم الرقمي) على حياة البشر، مصدر إشكاليات كبيرة تشغل بال الفلاسفة، فعلى المستوى العملي يتوفر الذكاء الاصطناعي على قدرات تتجاوز قدرات( الذكاء الإنساني ) في ما يرجع لتخزينه كمًا هائلا من المعطيات. وبالرغم من أن من يتحكم فيه هو هذا الذكاء الانساني الذي هو صانعه، والذي يتميز بخاصيات (العقل) والتعقل و(الإحساس) و(العاطفة)، وهي الخصائص المنعدمة في الذكاء الاصطناعي، فإن كونه يُشْحَنُ ويُحَمًلُ بالهائل من المعطيات التي تتجاوز قدرات العقل البشري على تخزينها، فإنه يشكل تحديا كبيرا لكافة موظفي (الذكاء الاصطناعي) بمن فيهم المربون القادمون. إنه لا يمكن للمربي أن يثبت شريحة إلكترونية في دماغ كل طفل كي يستطيع مسايرة تدفق الكم الهائل للمعطيات سواء تلك التي تشكل ثقافة عامة أو تلك التي تشكل تخصصات معرفية خاصة يختص بتلقينها المربون خاصة والمكونون عامة.
يقول الفيلسوف الفرنسي بيرنار ستيغلر إنه إذا كان يستحيل على (الذكاء الاصطناعي) أن يتفوق على (الذكاء الإنساني)، فإنه في نفس الوقت مثلما يقدم لنا الأفضل والأفيد يحمل معه الأسوأ. وفي مواجهة هذا التناقض يبقى الإنسان (والمربي تحديدا) مطالبا بالتحكم في المسار الآلي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي. بالنسبة لبيرنار ستيغلر، لا جديد حقا سوى أن الذكاء الاصطناعي هو مجرد تطور فرضه ويفرضه تطلع الإنسان الدائم إلى المزيد من تيسير حياته في الأرض، فليس (الذكاء الاصطناعي) في نظره سوى محطة في هذه الرحلة التي بدأت بخلق الكتابة على لوح الأرجيل عند البابليين، وصناعة الورق عند قدماء الصينيين، وخلق الطباعة، وصنع الآلة الكاتبة…ثم الكومبيوتر، وجميعها شكلت فتحا عظيما ما أن يستتب حتى يليه فتح أرقى وأعظم…وفي كل فتح تنفتح سبل تخدم الشرط الوجودي الإنساني بتكنولوجيات جديدة تتجاوز اللاحقةُ السابقة. وإذا كان من الصحيح القول إن الإنسان هو من يتحكم بذكائه فيها فإنه صحيح أيضا أن هذه التكنولوجيات تؤثر تأثيرا بالغا في هذا الشرط الوجودي الإنساني. وهو ما يعايشه الإنسان اليوم مع مسار (الذكاء الاصطناعي) وآلياته، فكل مجالات الوجود الإنساني، وجميع تفاعلات الإنسان الاجتماعية والثقافية والتربوية تأثرت تأثرا عميقا انقلبت فيه أجناس هذه التفاعل البشري بحيث لم يعد ممكنا التغاضي عن هذه الآثار السيكولوجية والسوسيولوجية والتربوية منها خاصة.
كل تكنولوجية جديدة، يقول بيرنار ستيغلر، تشكل زلزالا عظيما في متغيرات التفاعلات البشرية. كما أنها وبهذه الكيفية المزلزلة للعادات والسلوكيات والعلائق تشكل ( قطيعة ) كبرى بحيث تصبح معها الحياة الماضية موضوعا غير قابل للاسترجاع ولو على مستوى التفكير. ومن الأكيد أن أخطر هذه التحولات – الكبرى التي عشناها خلال ما يزيد قليلا عن عقدين من الزمن الجاري تبقى اليوم وغدا (الثورة الرقمية) ومعها (الذكاء الاصطناعي). لقد عاشت الإنسانية ذات (القطيعة) التي أحدثتها في القرن الخامس عشر الميلادي آثار الطباعة على كل مناحي الحياة العملية للإنسان . ومن ضمن هذه المناحي العديدة منحى التواصل ومنحى التربية والتعليم والتعلم وخصوصا العلاقات بين المعلم والمتعلم، المربي ومن هو موضوع النظريات التربوية.
ولأنه صار لـ(الذكاء الاصطناعي ) الثقل والأثر اللذان هما له، فقد انكبت منظمة اليونسكو التابعة لهيئة الأمم المتحدة على الموضوع، موضوع (الذكاء الاصطناعي) في علاقته بقضايا التربية والتعليم. ومن يطلع على آخر تقرير للمنظمة المذكورة والموجه للدول في العالم يقف على خطورة وحجم التحديات الكبرى التي يضعها (الذكاء الاصطناعي) على الدول وخاصة على صناع القرار التربوي، وعلى المهنيين وكل أجناس الممارسين الفعليين للتربية والتعليم والتعلم. لقد عكس في نظرنا تقرير اليونسكو في هذا الشأن أفكار بعض الفلاسفة الذين عنوا في أعمالهم ب(الثورة الرقمية)، لذلك فإن الأفيد في ذلك التقرير هو التوجيهات الملحاحة والتي خصت بها الدول كدول منبهة إلى أن توظيف (تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي) في مضمار التربية ينبغي أن يبلور القدرات والكفاءات الإنسانية مع الحرص على حماية الحقوق من جميع الأصناف.
هناك بضع دول في العالم – لا تزال قليلة – أسست (مدارس عليا وطنية للذكاء الاصطناعي) يدرس فيها لمدة خمس سنوات هذا التخصص، ( تخصص الذكاء الاصطناعي)، يلجها الطالب بعد حصوله على بكالوريا – رياضيات بميزة التفوق الأعلى، وقد لوحظ أن سوق الشغل منفتحة على مصراعيها لهؤلاء المتخرجين على اعتبار مؤهلاتهم الاستثنائية.
ونحن إذ نشير إلى هذا الهامش، ندعو بإلحاح شديد أصحاب القرار السياسي وخاصة البرلمان بغرفتيه والحكومة الحالية وعلى الأخص وزيرها في التعليم إلى تأسيس (مدرسة وطنية عليا للذكاء الاصطناعي) . قد يقال لنا إن هذا التخصص يدرس في المغرب كمواد دراسية متفرقة موزعة على مدارس وكليات لها تخصصاتها العلمية أو التكنولوجية. لا. ليس هذا بالكافي في تصورنا. نحن نريد مدرسة عليا وطنية للذكاء الاصطناعي، ونعي جيدا ما ندعو له، مثلما نعي آفاقه الواعدة إذا ما تمت الاستجابة لدعوتنا.

الكاتب : مصطفى خُلَالْ - بتاريخ : 11/01/2022

التعليقات مغلقة.

//