المغرب-الصين: مبادرة الحزام والطريق

نوفل البعمري

 

تعتبر العلاقة المغربية الصينية واحدة من العلاقات الدبلوماسية التي يمكن أن تكون مثالا لشكل الشراكات المفتوحة التي يريدها المغرب ويسعى إليها مع أصدقائه، فالصين التي تربطها علاقة دبلوماسية مع المغرب تعود لسنة 1958، والتي تطورت وتعززت مع الالتزام الذي أبداه المغرب وأعلن عنه الملك محمد السادس سنة 2015 في قمة التعاون الصيني-الإفريقي، ويعتبر المغرب قطب رحى هذا المنتدى الصيني الإفريقي، لتتقوى بعدها مع الزيارة الملكية لها سنة 2016 بحيث دخلا معا، على إثر هذه الزيارة، عهدا جديدا من الصداقة والشراكة المتينة المبنية على احترام الوحدة الترابية لكلا البلدين، والتضامن الفعال والإيجابي بينهما في مختلف المجالات، بحيث وقعا على إعلان مشترك يهم دعم الشراكة الاستراتيجية التي تجمعهما بـ 32 اتفاقية تتعلق بمشاريع مركزية في المغرب، وقد كان آخرها ما يتعلق بمحاربة كورونا.
هذه الشراكة التي تجمع البلدين هي ما مكنت المغرب من الحصول على التلقيح بشكل مبكر وساهمت في تعزيز المناعة الجماعية للمغاربة، وإعطاء المغرب الأولوية في إنتاج وتصنيع اللقاح.
مبادرة الحزام والطريق الصينية هي واحدة من المبادرات العملاقة التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ سنة 2013 تحت اسم «حزام واحد، طريق واحد» في العالم، لتعزيز فرص التعاون مع 140 دولة في مختلف المجالات الاستثمارية، وكان المغرب من بين الدول الأولى التي وقعت معها الصين هذه الخطة، ففي سنة 2017 تم التوقيع على مذكرة تفاهم تجمع البلدين تهم مجالات الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والصناعات المتطورة، ليتحول المغرب لدولة مستقبلة للاستثمار الصيني في تلك الفترة بأكثر من 80 مشروعا أساسيا ومركزيا بمختلف مناطقه، ولأن حجم تطلعات البلدين أكبر مما أنجز آنذاك فقد تم التوقيع سنة 2019 على هامش منتدى « الحزام والطريق» على مذكرة تفاهم لإنجاز وتطوير مدينة «محمد السادس طنجة تيك»، بين مؤسسة تهيئة «طنجة تيك» والمقاولة الصينية العملاقة «تشاينا كومنكيشن»، ونظرا لموقع المغرب كقطب رئيسي وأساسي في العلاقة مع الجنوب خاصة إفريقيا، ولمعرفة الصين بالتأثير المغربي الإيجابي في إفريقيا فقد قررت إعطاء المغرب صفة « الدولة المحورية» في مبادرة «الحزام والطريق»، وهي الصفة التي ساهمت في تطور العلاقة بين البلدين لتصل إلى مرحلة توقيع مذكرة وخطة التنفيذ المشترك لمبادرة الحزام والطريق كأداة متكاملة لتعزيز الشراكة المغربية-الصينية بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونائب رئيس اللجنة الوطنية الصينية للإصلاح والتنمية نينغ جي شيه، وذلك بتاريخ 5 يناير 2022، وفي هذا التوقيع أبدى المغرب استعداده لكي يكون البلد الذي من خلاله سيتم المرور لشمال إفريقيا وعموم إفريقيا والبلدان العربية، وذلك لضمان نجاح هذه الخطة التي تهدف إلى تحقيق التقدم لدول جنوب-جنوب.
يمكن القول إن ما للمغرب من حضور قوي وتأثير استراتيجي ومن قوة للأدوار المحورية التي يلعبها إقليمياً في العديد من الملفات، جعله يبرز في دور البلد الأكثر قدرة على ضمان نجاح هذه المبادرة الصينية الكبيرة في المنطقة، وهو ما دفع الصين إلى عدم التردد في جعل المغرب البلد الإفريقي الوحيد الموقع معه على تنفيذ المبادرة، خاصة وأن للبلدين نفس الهواجس الاستراتيجية، فالمغرب له نفس رؤية الصين في ضمان فرص أكبر للتعاون جنوب-جنوب وفي دعم إفريقيا وتنميتها،هذا التفاهم بين البلدين هو ما سيضمن نجاح هذا المشروع ليحقق أهدافه بمنطق رابح-رابح بشكل ثلاثي، «الصين-المغرب وإفريقيا»، خاصة وأن هذه المبادرة تهدف إلى تعزيز الولوج إلى دعم الصين، الذي توفره، من خلال المشاريع المشتركة التي تم إنجازها والأخرى التي سيتم إنجازها في المغرب، والمتعلقة بإنجاز مشاريع عملاقة (البنية التحتية، الطاقات المتجددة،الوحدات الصناعية…) بالإضافة إلى تمويل مجالات البحث في مختلف الميادين منها التكنولوجيا الجديدة، الزراعة، الطاقة…

لقد كان توقيع مذكرة التفاهم هذه مناسبة للتأكيد على مكانة ال لقد كان توقيع مذكرة التفاهم هذه مناسبة للتأكيد على مكانة الصين في المغرب، والحضورالقوي كذلك للمغرب لدى صناع القرار الصينيين، خاصة وأن الخطة وضعت أسسا واضحة لتنزيلها مبنية على آليات واضحة ومتكاملة لتنفيذها، ولتحقيق التدبير الاستراتيجي الجيد لمختلف مداخلها، وهي تشكل مثالا للشراكة السياسية الواضحة بين البلدين وقائدي الدولتين.
الصين لم تكن لتُعطي المغرب هذه المكانة في هذه المبادرة القوية، بحيث يعتبر المغرب البلد الإفريقي الوحيد المعني بها، لولا مصداقيته، وهي المكانة التي تحصَّل عليها بفضل:
الدبلوماسية التي يقودها الملك شخصيا، فزيارته للصين في ماي سنة 2016، هي التي مهدت لكل هذه الثقة التي يحظى بها المغرب لدى الجانب الصيني، بحيث أن الملكية والملك شخصيا يعتبران معاً أساس التحولات العميقة والكبيرة التي شهدتها الدبلوماسية المغربية، وصانعا التوجه الجديد للدبلوماسية المغربية القائمة على الوفاء، احترام القضايا الحيوية لكل بلد، والوضوح.
هذه الأسس هي التي وضعت المغرب في مكانته التي يحظى بها الآن بين الدول، وجعلت من هذا الحضور الملكي عنصرا داعما للثقة في بلادنا.
الاستقرار الذي يعيشه المغرب على مختلف الأصعدة كان عاملا أساسيا في دفع الصين وغيرها من البلدان إلى الثقة فيه، هذا الاستقرار الذي يتعلق بما هو سياسي وأمني واقتصادي، وبكل التطور الذي استطاع المغرب تحقيقه مؤسساتيا وماليا، هو الذي شجع دولة من حجم الصين على توقع مذكرة تفاهم تتعلق باستثمارات مالية ضخمة، ودفعها لوضع ثقتها في المغرب كبلد رائد وكبوابة للصين بإفريقيا.
دور المغرب كبلد صانع للسلام وداعم للاستقرار في المنطقة جعله يكون بوابة العالم نحو إفريقيا ونحو المنطقة ككل، فالأدوار التي يقوم بها في عدة ملفات ومواقفه المتوازنة من عدة قضايا جعلته يحظى بالاحترام وبالثقة التي أهلته ليكون قائدا للمنطقة ومُعبرا عن مصالحها ورغبتها في التقدم والتنمية، وهو تطلع لا يتعلق به فقط بل يرتبط أيضا برغبة مغربية صادقة في أن تستفيد جل دول وشعوب إفريقيا من هذه الاتفاقية، ومن كل الاتفاقيات التي يوقعها.

الكاتب : نوفل البعمري - بتاريخ : 10/01/2022

التعليقات مغلقة.

//