النموذج التنموي الصيني

د. ادريس الفينة

أصبح النموذج التنموي الصيني محط إعجاب واهتمام بالغ لكل المتتبعين لمعرفة الأسباب الكامنة التي دفعت بهذا البلد من أسفل الترتيب إلى ثاني قوة اقتصادية عالمية. رغم ان روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي تبنت الفكر الشيوعي كمرجع لنظامها السياسي ولتأطير شؤون الدولة، فهذا البلد وبعد سنوات من التنمية لم يتمكن من أن يحتل المكانة التي وصلت إليها الصين اليوم على كل المستويات. فالاتحاد السوفياتي السابق وروسيا الحالية تمكن فقط من أن يصبح قوة عسكرية كبرى غير مدعومة باقتصاد قوي وهو ماجعله اليوم يبقى تحت رحمة النظام الغربي اقتصاديا. علماء الصين خلال الخمسينات كانوا يتوجهون للجامعات الروسية لأخذ الخبرة من الروس كما أن عددا من الصينيين هاجروا خلال هذه الفترة لكل أنحاء العالم للبحث عن فرصة عمل تضمن لهم العيش الكريم .
النتائج التي وصلت إليها الصين اليوم مبنية على تبني كل ماهو فعال في النظام الغربي دور التخلي عن المرجعية الشيوعية والتخطيط كمرتكز أساسي للتقدم السريع. فالصين اليوم التي يسيرها الحزب الشيوعي الصيني يوجد بها أكبر عدد من أثرياء العالم كما أن اقتصادها مبني على السوق والملكية الفردية وباتت الأجور في هذا البلد تتجاوز ماهو عليه الأمر في العديد من دول الغرب وباتت اللغة الانجليزية والسلوك الاستهلاكي الغربي جزءا من الحياة العادية للصينيين. فكيف تمكن الحزب الشيوعي من تسريع التنمية بالصين الموحدة وكيف حول العبء الديموغرافي وتنوع الثقافات من وبال إلى فرصة تاريخية لتطوير هذا البلد؟
الصين تطورت بفعل رؤوس الأموال الخارجية وفائض التجارة الخارجية والمردودية العالية لليد العاملة الصينية ونقل التكنولوجي من الخارج. لكن السؤال الذي يطرح هنا هو كيف تمكنت الصين من إقناع الغرب بتحويل ملايير الدولارات لاستثمارها في الصين لخلق التغيير في هذا البلد و تحويله إلى أكبر بلد صناعي في الوقت الذي فقد فيه الغرب ملايين مناصب الشغل الصناعية وملايير من رؤوس الأموال التي كان ممكنا استثمارها في بلدانهم التي اصبحت اليوم أوضاعها جد صعبة. فالصين لم تكتف بإقناع الغرب بتحويل رؤوس الأموال إليها بل تمكنت عبرها من نقل كل أنواع التكنولوجيا المتاحة وجعلها محلية في خدمة الصناعات الوطنية الصينية، والمنتوج الصيني الذي أصبح اليوم ينافس المنتجات الغربية. الصين تمكنت من أن تخلق من خلال تجارتها مع الغرب وباقي العالم فوائض سمحت من تمويل التنمية الشاملة بهذا البلد الذي كان لعهد قريب تحت وطاة الفقر والتخلف.
هذه المعجزة الاقتصادية والتكنولوجية وراءها الحزب الشيوعي الصيني الذي جعل من التخطيط الدقيق على المدى البعيد أساس التقدم والتغيير، كما جعل من أطر الحزب الذي يتعدى عددهم 85 مليون فرد العمود الفقري للحكامة الجيدة على كل المستويات المحلية والمركزية والذي بفضلهم تتقدم الصين من خلال أساليب حكامة جد معقدة لكنها فعالة ولامكان فيها للمجاملات.

 

الكاتب : د. ادريس الفينة - بتاريخ : 19/09/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//