تجنيد أطفال تندوف إدانة للنظام الجزائري

نوفل البعمري

 

على عكس ما ظلت تدعيه الجزائر من أنها مجرد عضو مراقب في نزاع الصحراء المفتعل، فهي تعتبر الطرف الأساسي في النزاع انطلاقا من الوقائع التاريخية التي شهدتها المخيمات، وكذا من خلال تتبع مسار تنظيم البوليساريو، الذي تم احتضانه والسطو عليه مباشرة بعد اغتيال الوالي مصطفى السيد الذي قال كلمته المشهورة ««لقد ظلمنا شعبنا«« ليخرج قرار إعدامه من طرف جنرالات الجزائر، هذا المسار، الذي أثبت أن الجزائر باعتبارها الحاضنة سياسيا،ماليا وعسكريا للمليشيات، وأصبحت صاحبة المصلحة السياسية في استمراره، خاصة وأنها عرقلت غير ما مرة تعيين مبعوث أممي جديد، لكن أخطر ما تقوم به الجزائر ونظامها العسكري هو ما يتَّصِل بالانتهاكات الحقوقية الكبيرة، التي يتعرض لها أطفال مخيمات تندوف، الذين وجدوا أنفسهم وقد تم الزج بهم في هذا النزاع من خلال تسليحهم وإخضاعهم لدورات تدريب على القتال وحمل السلاح رغم أن سنهم ووعيهم لا يسمح لهم بالخضوع لمثل هذه الدورات التدريبية الخطيرة، ويمكن العودة للحظة ما أسمته البوليساريو بالتعبئة للحرب ضد المغرب أثناء العملية الأمنية العسكرية التي تم القيام بها في الكركرات لإخراج «بلطجية» البوليساريو، الذين قاموا بترويع المسافرين وأعضاء بعثة المينورسو من هذه النقطة، بحيث نُشرت فيديوهات وصور لأطفال المخيمات وقد تم اقتيادهم عنوة لمراكز تدريب مليشياتية عسكرية معزولة احتجزوا بها في الصحراء الجزائرية، ومازال مصير غالبيتهم للآن مجهولا، خاصة وأن الحرب كانت مجرد كذبة كبيرة لم تصدقها ساكنة المخيمات.
لقد ظل التاريخ شاهدا على مثل هذه العمليات التي يتعرض لها أطفال المخيمات، بحيث يتم اختطافهم من أهلهم، وانتزاعهم منهم تحت الترهيب لإرسالهم إلى مخيمات التدريب بكوبا وفنزويلا، مما يحرمهم من حقهم في تواجدهم رفقة أسرهم باعتبارهم أطفالا مكانهم مقعد الدراسة وحضن الأسرة لا مخيمات الشحن الإيديولوجي والتدريب العسكري والاستغلال في أعمال شاقة بالبلدان التي يُرحلون إليها دون موافقة أسرهم، وقد كان الهدف كذلك من إرسالهم لكوبا وفنزويلا، بالإضافة إلى استغلالهم في العمل بحقول قصب السكر، خاصة بكوبا، تجنيدهم عسكريا:
– تحويل بعضهم لمرتزقة ثبت ذلك أثناء الثورة الليبية ضد القذافي إذ اعتُقل العشرات منهم كمرتزقة بليبيا.
– هدف آخر هو طمس هويتهم الصحراوية بحيث مع مرور الوقت يفقدون حس انتمائهم للثقافة الصحراوية والحضن الأسري، فيتم ضمان عدم عودتهم للمخيمات بحيث أن غالبيتهم يتحولون إلى »بِدون« أوعديمي الجنسية والهوية للآن، منهم المئات ممن يعيشون في أوروبا خاصة إسبانيا بدون أية هوية ولا انتماء، رافضين العودة للمخيمات لعدم إحساسهم بالانتماء للهوية والمجتمع الصحراوي، وخائفين من العودة إلى المغرب لأن أسرهم تحولت لأداة ضغط عليهم.
إن سياق هذه الأمثلة من استغلال أطفال المخيمات خاصة من خلال الزج بهم في الحرب ولو افتراضيا، وتسليحهم، وتدريبهم على استعمال الذخيرة-الخردة التي ورثتها الميليشيات من فترة الحرب الباردة، كل ذلك لا يدين فقط قيادات مليشيات البوليساريو، بل يدين بشكل مباشر النظام الجزائري، الذي سمح بتحويل أرضه ليس فقط لسجن كبير يُحتجز فيه سكان المخيمات، بل إلى مكان يتم فيه تدريب الأطفال على استعمال الأسلحة، ليس ذلك فقط بل الميزانية التي تخصصها سنويا لدعم البوليساريو مع ما يصاحب ذلك من نفقات موجهة لتسليح المليشيات وتحويل مناطق جزائرية لمخازن لهذه الدخيرة-الخردة.
كل هذه الممارسات المشينة تدين النظام الجزائري سياسيا، إنسانيا وحقوقيا، وأكثر ما يدين النظام الجزائري هو أنه بممارسته هذه – متمثلة في استغلال الأطفال- يضع نفسه في مواجهة المجتمع الحقوقي الدولي وخارج الشرعية الدولية وما يتعلق بالقانون الدولي لحقوق الإنسان في شقه المتعلق بحماية الأطفال، إذ يتم تقدير عدد الأطفال الذين تم تجنيدهم عسكريا إلى الآن لأكثر من 8000 طفل تم تجنيده قسراً ما بين من تم ترحيلهم قسرا لكوبا، فنزويلا، ليبيا عهد القذافي ومن تم تجنيدهم داخليا بالقوة في جرائم مكتملة الأركان القانونية يعاقب عليها القانون الدولي.
أمام هذا الوضع لم يعد مسموحا للأمم المتحدة أن تظل في موقف الإدانة وإصدار التوصيات التي توجهها للنظام الجزائري، بل يجب العمل على تفكيك المخيمات وحماية ساكنتها، خاصة منهم الأطفال، مادام أن النزاع قد تم حسمه سياسيا لصالح الحكم الذاتي.
إن ممارسة التجنيد القسري لأطفال المخيمات من طرف مليشيات البوليساريو تحت الغطاء السياسي والعسكري، الذي يوفره النظام الجزائري لهذه الميليشيات، يدين النظام الجزائري أخلاقيا، سياسيا وإنسانيا،… كما أنه يدين كل المتورطين من جنرالات الجزائر وقيادات المليشيات جنائيا في عملية التجنيد القسري لأطفال المخيمات، وما على المجتمع الدولي إلا التحرك ضده، وما على ضحايا البوليساريو كذلك من الأطفال ممن أصبحوا راشدين اليوم، الذين تمكنوا من الفرار من جحيم المخيمات والعودة لوطنهم المغرب، إلا سلوك مختلف المساطر الدولية الجنائية لمحاكمة كل من قام بتجنيدهم قسرا، سواء داخل المخيمات أوخارجها، فلا تقادم في الجرائم ضد الإنسانية، خاصة إذا كان ضحاياها من الأطفال والقاصرين.

الكاتب : نوفل البعمري - بتاريخ : 06/09/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//