ذاكرة الأعياد المجيدة تتحدى : جهالة المتربصين بالمغرب

السفير محمد الاخصاصي

 

تخليداً للذكرى السادسة والستين للأعياد المجيدة الثلاث: عيد العودة وعيد الانبعاث وعيد الاستقلال (16-18 نونبر 1955-1956)، وهي الأعياد التي تقترن بالعودة الميمونة لبطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، من منفاه، وإعلان استقلال البلاد واستعادة وحدة أطرافها، شمالاً – جنوباً، التي شتتها الاستعمار البغيض.
1 – ويكتسي الاحتفال الوطني، اليوم، بهذه الذكرى المجيدة طابعاً خاصاً بالنظر إلى السياق السياسي والجيو-سياسي الدقيق الذي يُرخي بظلاله الحالكة على منطقة المغرب الكبير.
فبمقدار ما كان استقلال المغرب (1956) مفتاحاً حاسماً لإنجاز الاستقلال الكامل لتونس، وفرصة تاريخية للاحتضان المتين لثورة الفاتح من نونبر (1954) الجزائرية، ومنطلقاً ميموناً لدينامية وحدة الأقطار الإفريقية، الحديثة العهد بالاستقلال، وإيذاناً مدوياً بتحقيق الوحدة المغاربية المنشودة (1958)، فقد أضحى اليوم الفضاء المغاربي عرضة للفرقة والشنآن اللذين يُحاصران المملكة المغربية، بلد الأمن والاستقرار والتنمية والتقدم …
أجل، إن السياق التاريخي-السياسي الذي يلف اليوم فعاليات تخليد الشعب المغربي لحدث العودة والتحرر والاستقلال، ليتسم بوجهين متقابلين، متناقضين، أحدهما ذو سمات ايجابية، والآخر ذو شحنة سلبية.
I/ أما الوجه الإيجابي فيتمثل في استمرارية النجاحات التي حققها المغرب على كافة الأصعدة، وفي مختلف المجالات:
فعلى صعيد كسب رهان ترسيخ الوحدة الترابية للبلاد، فقد تمكن، بفضل جدية ومصداقية جُهده السياسي والدبلوماسي، من إحراز دعم المجتمع الأممي والدولي، لقضيته المركزية والأولى: قضية وحدته الترابية، مما أثار حفيظة الأوليجارشية الجزائرية التي وظفت – على مدى أزيد من أربعين سنة – كل إمكانياتها السياسية والدبلوماسية والمالية من أجل تمرير أطروحتها الجوفاء الرامية إلى بتر أقاليم المغرب عن وطنه – الأم، في إطار مشروع «الانفصال»…؛
وبكيفية متزامنة ومتوازية، فقد حققت المملكة المغربية مكتسبات تنموية هائلة، اقتصادية واجتماعية وطاقية وصحية، واستشرفت أخرى ممثلة بما تنتظره من بلورة « النموذج التنموي الجديد»، ومن تثوير للبنيات التحتية، وتطوير للاقتصاد الوطني، وارتفاع متواصل لوتيرة النمو، وازدهار لفرص الشغل…؛
وعلى صعيد متصل، فإن مسلسل «الانتقال الديمقراطي»، الرامي إلى إرساء نظام سياسي، دستوري، ديمقراطي واجتماعي، بكامل أركانه، قد قطع أشواطاً كبيرة، على مدى عقود من المثابرة السياسية والمؤسساتية، والإنجازات الديمقراطية.
وقد شكلت الولاية البرلمانية الجديدة، بفضل ما يتم فيها من إنضاج وتفعيل للمؤسسات الديمقراطية، ومن تجديد ملحوظ للنخب السياسية والمجتمعية، ما يُمكن توصيفه بـ «النقلة النوعية» في المسلسل الديمقراطي المتواصل الحلقات…
II/ أما الوجه السلبي الذي بات يشوش على دينامية التطور والنهوض التي تطال الوضع الوطني المغربي، فَمَرْجِعُهُ إلى السياسة العدوانية المتفاقمة التي تمارسها الأوليجارشية الجزائرية ضد المغرب، منذ أن أعلنت الإدارة الأمريكية اعترافها بمغربية الصحراء، بصفة خاصة.

إن الأمر يتعلق في ما يخص هذا الوجه السلبي الذي يطبع السياق السياسي، بتصعيد مُبَيت، مُدبَّر ومُنظم لحالة التوتر السائدة منذ عقود (1994 – 2020) بين البلدين، وهو تصعيد يُراد به نقل أزمة الوضع المزري والمزمن الذي تفرضه هذه الأوليجارشية، غير المسؤولة، على شعبها على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، على مدى عقود – إلى “عدوها الجار”، المغرب، لا لشيء، إلا لكونه بات يشكل مصدر إزعاج لما ينخرط فيه من جهود تنموية، ويجسده من نموذج ديمقراطي، ويحظى به من نفوذ إقليمي ودولي …
ولا غرو، فإن سلوك هذه الأوليجارشية الرعناء لا يختلف في شيء عن المسلكية السياسية للأنظمة الشمولية المعروفة بعدائها للأنظمة الديمقراطية التي ترى فيها مبعث استفزاز، وعنصر تحدي لنظام حكمها الشمولي، الفاسد والمستبد، خصوصاً إذا كان النظام الديمقراطي في موقع الجوار الجغرافي مع النظام الشمولي، كما هو وضع المغرب.
ويجدر بنا ونحن نخلد ذكرى تحرير بلادنا من براثن الاستعمار البائد، ونستلهم روح المقاومة والتضحية التي خلدها جلالة المغفور له محمد الخامس، وسار على نهجه وارثُ سره ورفيقه في الكفاح والمنفى، جلالة المغفور له الحسن الثاني، وتشبع بها جلالة الملك محمد السادس، كما نستحضر، بهذه المناسبة، ذكرى شهداء معركة التحرير والوحدة الأبرار – يجدر بنا أن نعتصم بحبل الوحدة الوطنية خلف جلالة الملك، تلكم الوحدة الوطنية التي تمثل الحصن الحصين في مواجهة التحرشات الخارجية وردع التحديات التوسعية، حيث ما كان مصدرها ومأتاها، حماية للوطن والمواطنين …
خاتمة:
ومما لا ريب فيه، فإن مبادرة “المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير” باغتنام مناسبة الذكرى السادسة والستين للأعياد المجيدة الثلاث، لتنظيم هذا المهرجان الوطني، بحضور مناضلي الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير – لا تنحصر مقاصدها في إنعاش الذاكرة الوطنية باستحضار أبطال وأمجاد الاستقلال والتحرير والوحدة، وحسب، بل إن مقاصد إحياء هذه الذكرى المجيدة، لتمتد إلى استلهام روح مسيرة التحرير والوحدة، وإبقائها شعلة متألقة في مقاربة الملمات والتحديات التي يواجهها وطننا العتيد، في مسيراتها الوطنية المتعاقبة: مسيرة تحرير البلاد وانتزاع استقلالها (1944-1956)، و”المسيرة الخضراء” لتحرير الصحراء المغربية واستعادة الوحدة الترابية للبلاد (1975-2021)، ومسيرة البناء الديمقراطي، في سياق إرساء نظام سياسي، دستوري، ديمقراطي (1976-2021)، ومسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والبيئية (1956-2021)، وغيرها من أصناف التقدم والتطور والازدهار …
وإن التمسك بهذا التطور التاريخي، السوسيو-سياسي في مقاربة الشأن الوطني عبر دينامياته المتعددة، لهو الذي يعطي لحدث 16-18 نونبر كل أبعاده الحقيقة: الوطنية والسياسية والجيوسياسية.

الكاتب : السفير محمد الاخصاصي - بتاريخ : 25/11/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//