عندما يخطب جلالة الملك، كل الشعب ينصت

عبد السلام المساوي

1_تحظى الجمعة الثانية من شهر أكتوبر كل سنة برمزية سياسية مهمة ، حيث يفتتح جلالة الملك السنة التشريعية بخطاب يلقيه داخل البرلمان. وهو الخطاب الذي يكون غالبا موجها للسياسة العامة للبلاد .
الخطاب الملكي هذه السنة ، كان عن بعد بسبب حالة الطوارئ الصحية التي فرضها انتشار جائحة كوفيد، فمنذ بداية الوباء أبدى صاحب الجلالة صرامة في الالتزام بالاجراءات الإحترازية وكان خطاب العرش الأخير دليلا على هذا الحزم الضروري لاجتياز هذه المرحلة الاستثنائية .
هذا بالضبط ما قد يجعل السنة التشريعية الجديدة سنة استثنائية، لا سيما إذا ما انضافت إلى جائحة كورونا التحضيرات الانتخابية، وهذا ما يفرض اليوم قبل أي وقت مضى على الأحزاب السياسية والفرق البرلمانية، التي تمثلها وتمثل قبل ذلك الشعب المغربي، التحلي بواقعية تفرض تسبيق المصلحة العامة على ما عداها.
الانتخابات في النهاية ليست هدفا بقدر ما هي وسيلة لخدمة الوطن والمصلحة العامة .
رهان السنة التشريعية الحالية ليس هو التمهيد لمن سيقود الحكومة الجديدة ، بل هو الخروج من أزمة كورونا بأقل الخسائر وتجويد البرامج الموجهة لحماية الاقتصاد الوطني الذي تأثرت كل قطاعاته بالجائحة ، وترسيخ الأدوار الاجتماعية للحكومة وتطويرها .
والمطلوب في النهاية هو عدم جعل المصلحة العامة رهينة للانتخابات
2 – بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة الجمعة 12 أكتوبر 2018، كان خطاب جلالة الملك وهو يعلن باسمه الشخصي وباسم كل المغاربة في كل مكان من هاته الرقعة الجغرافية والتاريخية والحضارية التي تسمى المغرب الملل الجماعي والعياء التام والكامل من الانتهازيين، ومن الذين يريدون من المغرب أن يعطيهم فقط، ولا يريدون بالمقابل أن يعطوه شيئا.
المغرب ” يجب ان يكون بلدا للفرص، لا بلدا للانتهازيين، وأي مواطن، كيفما كان، ينبغي أن توفر له نفس الحظوظ، لخدمة بلاده، وأن يستفيد على قدم المساواة مع جميع المغاربة، من خيراته، ومن فرص النمو والارتقاء ” هكذا تحدث جلالة الملك، وهكذا التقط المغاربة العبارة بكل الوضوح التام والكامل وفهموا المغزى منها والمراد من قولها وعرفوا أيضا المعنيين بها ….
المغرب ” يحتاج، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى وطنيين حقيقيين، دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين ” هكذا شدد صاحب الجلالة على حاجة المغرب أيضا ” إلى رجال دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات “.
لذلك يبدو الرهان اليوم واضحا للغاية، غير قادر على مداراة نفسه: هذا البلد محتاج للقادرين على الدفاع عنه، المستعدين لبنائه وتنميته والصعود به، المفتخرين بالانتساب إليه ، المصارحين بحقائقه كلها صعبها وسهلها، حلوها ومرها ، لكن المنتمين له لا إلى أي مكان آخر.
جاء خطاب العرش _2019 _ ليعلن وجوب إجراء قطيعة نهائية مع الريع والعبث، يقول صاحب الجلالة ” … بناء مغرب الأمل والمساواة للجميع . مغرب لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات ..
لذا، يجب إجراء قطيعة نهائية مع هذه التصرفات والمظاهر السلبية، وإشاعة قيم العمل والمسؤولية، والاستحقاق وتكافؤ الفرص.”
هكذا يتبين بكل وضوح وصرامة، أن صاحب الجلالة يدعو وجوبا إلى إحداث قطيعة، قطيعة نهائية، قطيعة بالمعنى البنيوي، القيمي، السياسي والسوسيولوجي مع السلوكات والتصرفات التي تعيق استكمال بناء مغرب الأمل والمساواة …
وجب إذن، القطع مع ثقافة النهب والعبث، والتأسيس لثقافة العمل والمسؤولية.
المغاربة الذين يقولونها بكل اللغات عن تبرمهم ومللهم من الانتهازيين والناهبين، سمعوا ملك البلاد يقول بأن الحاجة ضرورية اليوم لكفاءات صادقة ومخلصة ….إن هذا الملك يريد العمل، ويبحث عن الصادقين للعمل معه .
لا ننكر أن العثور على هؤلاء الصادقين هو عملة صعبة في زمننا هذا …ولكن نعرف أن المغرب هو بلد كفاءات، وبلد شباب وبلد وطنيين مواطنين قادرين على إبداع كل الطرق والحلول للنهوض ببلادهم والسير معها جنبا إلى جنب في كل مراحلها، وأساسا في مرحلتها الجديدة المقبلة
إن قدر المغرب ليس أن يبقى رهينة الذين يقفلون على الكفاءات المخلصة والمحبة لوطنها منافذ الطموح والمسؤولية في بلادهم، وهم من جعلوا الانتخابات وسيلة اغتناء عوض أن يجعلوها وسيلة خدمة للمواطنين والمواطنات. وهم سبب حقيقي من أسباب بقاء المغاربة غير مستفيدين من كثير الاصلاحات التي وقعت في البلد ، رغم أهمية هاته الاصلاحات وثوريتها وعدم تحققها في بلدان أخرى ….
هناك اقتناع، هناك توافق بين الملك وبين شعبه . إن الحاجة ماسة إلى الكفاءات الحقيقية الجديدة، والطاقات المواطنة التي يمتلئ بها خزان هذا البلد حد الابهار.
وهذه المرة كانت واضحة أكثر من المرات السابقة، وتقول باسم الشعب وباسم الملك معا إن الحاجة ماسة لضخ الدماء الجديدة في العروق، التي لم تعد تستطيع الاشتغال بشكل سليم ..
3 – لقد تعلمنا أنه لا يمكن قراءة الخطب الملكية بدون الرجوع إلى مضامين الخطب السابقة، وأن هناك خيطا رابطا بين جميع الخطب الملكية، وبالتالي فإن أي قراءة لا تأخذ بعين الاعتبار الخطابات السابقة، تبقى قراءة معيبة، وتزيغ عن الصواب عندما نقرأ خطاب العرش، 29 يوليوز 2020، فإننا نستحضر بشكل اوتوماتيكي خطبا ملكية أخرى حملت معها ثورات هادئة في مجالات الإدارة العمومية والديبلوماسية والجهوية المتقدمة ومراكز التكوين المهني والتعليم ومراكز الاستثمار الجهوي وميثاق اللامركزية … وغيرها من المجالات التي تهدف إلى تحسين حياة المواطن وتجويد الخدمات العمومية، وتسعى إلى تحقيق مقومات التنمية الاجتماعية والاقتصادية …
لقد جاء في أكثر من خطاب ملكي، أن تشريح وتشخيص الواقع بكل جرأة وموضوعية ليس نقدا هداما ولا يدخل في خانة جلد للذات، لكنه نقد بناء خاصة وأنه مرفوق دائما بالاقتراحات والحلول الاستعجالية والاستراتيجية ..
لقد شكلت خطب جلالة الملك محمد السادس جيلا جديدا من الخطب، إذ تميزت بالواقعية والموضوعية والجرأة ، سواء في مجال تشخيص الواقع وانتقاد أداء المؤسسات والمرافق الإدارية…
خطاب العرش _ 2020 _منسجم ومكمل لخطب جلالة الملك محمد السادس في الآونة الأخيرة، خطب تتميز بسمات جديدة لم يألفها المواطن من قبل ولم يتعود عليها ذوو المناصب والمحتكرون للثروة والسلطة … خطب متجددة وحداثية تتماشى وروح العصر، بل وتحمل في طياتها حمولات سياسية واقتصادية واجتماعية بلغة سلسة واضحة يفهمها ويتذوقها الجميع.
إن خطب جلالة الملك محمد السادس متميزة شكلا ومضمونا، وتشكل خارطة طريق لإخراج المغرب من كل الاختلالات السياسية والتنموية والاقتصادية والمجالية، لكنها في حاجة ، ليس لمن يشيد بها ، بل لمن يلتزم بها وينزلها إلى أرض الواقع .
خطب متماسكة ومنسجمة ، تحكمها وحدة الهدف ووحدة الرؤية …
خطب مؤسسة على ثوابت مبدئية ورؤية واعية واستراتيجية …
خطب حية متجددة يحكمها ناظم مشترك ؛ تنمية المغرب وخدمة المواطن …
خطب واعية وهادفة ، خطب عقلانية لا تروم السيطرة على الوجدان بخطاب عاطفي ….
خطب الحقيقة، واضحة شكلا ومضمونا، لغة وفكرا، منهجية ورؤية …. يقول صاحب الجلالة في خطاب العرش 29 يوليوز 2019 ” نحن نريد سماع الحقيقة كاملة عما يجري في بلادنا وإن كانت قاسية ومؤلمة .” يقولها ملك البلاد بكل الوضوح الممكن ، يقولها ويكررها لمن يريد أن يفهمه، لا لمن يريد فقط الإنصات لجلالته،
خطب صريحة وصارمة، خطب نقدية، جريئة وشجاعة … وعلى المسؤولين الذين يقولون لنا دائما إن المصلحة العامة تهمهم أكثر من الخاصة أن يؤكدوا لنا هذه المرة بالملموس، بالفعل لا بالكلام، أنهم مقتنعون بهذا الشعار الذي يرددونه، وأن يحاولوا تدوير العجلة، وإخلاء المكان، والبحث عمن يستطيعون الحديث مع مغرب 2020 بلغة 2020 بل بلغة 2030 و 2050 و… إن المسألة تهم مستقبل وطن بأكمله، المستقبل الذي ينادينا، والذي يطرح على كل واحد منا السؤال، أي بلد سنتركه للأبناء والأحفاد بعدنا؟
جاء في خطاب العرش _29 يوليوز 2019″ إن المغرب ملك لجميع المغاربة، وهو بيتنا المشترك. وعلينا جميعا، كل من موقعه، أن نساهم في بنائه وتنميته، وأن نحافظ على وحدته و أمنه واستقراره.”العمومية أو في مجال طرح وصفات الحلول الاستراتيجية …
4 – خطاب العرش _ 29 يوليوز 2020 _كان خطابا بنفس اجتماعي متقدم، تعودناه من جلالته في خطبه كلها منذ اعتلائه العرش لكن خطاب هاته السنة وهو يأتي في زمن خاص من نوعه ، يسميه الكل ” زمن كورونا ” جعل لهذا النفس الاجتماعي معنى آخر ووزنا أكبر .
الاستفادة من الجائحة ومن دروسها ومن المحنة الصحية والوبائية والاجتماعية والمجتمعية التي يمر منها العالم بأسره وضمنه بلدنا ، تلك كانت هي النبرة الناظمة لخطاب العرش الذي تابعه المغاربة جميعا بكبير اهتمام .
استفادة تعيد ترتيب أولوياتنا المغربية، وتضع في اعتبارها الأساس أكثرنا هشاشة الذين لا يمكن أن نتركهم على قارعة الطريق وأن نمضي، لأن هذا الأمر مستحيل، وبلدنا سيسير بنا جميعا أو لن يسير.
المغرب ، وملك المغرب قرر له منذ البدء أن يسير بنا جميعا . وهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها جلالة الملك عن الفئات الهشة وعما يجب أن نفعله لإخراجها من وضعيتها. لكن هاته المرة جلالته ذكرنا بأن ما قاله في خطبه كلها أكدته الأيام، وأكده أساسا الزمن الصعب المسمى ” زمن كورونا “.
لذلك كان الرد واضحا على سؤال الهشاشة هذا من خلال رصد مبلغ مالي ضخم لمواجهتها، ومن خلال وضع خطة لا تتجاوز مدتها السنوات الخمس لأجل أن ندخل جميعا – دون استثناء – نظاما اجتماعيا يغطي لحظات ضعفنا، ويؤكد لنا أننا – جميعا – مرة أخرى أبناء وبنات هذا البلد وأنه لن يفرط فينا وأننا لن نفرط فيه .
كان خطابا متميزا مرة أخرى، وكان خطابا بنفس اجتماعي متقدم، ذكرنا جميعا بأن ما يمسنا يمس ملك البلاد، وأن الشعور متبادل حتى الختام …
5 _ منذ إعلان حالة الطوارئ الصحية، رأينا أن الملك في مختلف صوره ووظائفه، رأيناه رئيس دولة مكلف بالسهر على حماية المواطنين وضمان السير العادي لمؤسسات الدولة ، ورأيناه أميرا للمؤمنين يقبل على قرارات شجاعة وأخرى إنسانية ، ثم رأيناه أيضا قائدا أعلى للقوات المسلحة ، وناظرا أعلى للأوقاف والشؤون الإسلامية …كل خزانه الدستوري استعمله دون أن تطأ قدماه خارج الدستور .
في الواقع ملك المغرب محظوظ جدا، ومصدر حظه أنه تمرس مبكرا على ما يشغل الحكومات حاليا على الصعيد الدولي ، ألا تتحول التدابير الاستثنائية إلى سلطوية ، وأن لا ينهار الاقتصاد ، ولا يدفع الفقراء وحدهم فاتورة الكارثة أو القوة القاهرة .
منذ توليه العرش كان الاقتصاد شغله الأول، ووصف ” ملك الفقراء ” حينها يختزل الكثير من التمثل الشعبي لملك أختار أن ينتصر للفئات الهشة ، وحتى مع ظهور التهديدات الإرهابية لم نطبق قاعدة الأمن أسبق من الديمقراطية . وحين هبت رياح ” الربيع العربي ” كانت الوصفة قد اختمرت: الديمقراطية والنمو والتنمية، وبها خرج المغرب من منطقة الزوابع الإقليمية والوصفة نفسها اليوم تعود للاشتغال بشكل مكثف ليخرج البلد من حالة الوباء القاتل .
وفي كل ما عشناه مع الوباء ، كنا تحت قيادة ملك يدرس المعطيات الموضوعية جيدا ، لكنه يضيف إليها كثيرا من الحدس والجرأة، وأساسا القدرة على التضحية ، تلك القيمة التي قال عنها الآخرون من الجهات الأخرى من العالم : ملك المغرب يضحي باقتصاد بلده من أجل شعبه .
وما ميزنا عن غيرنا، هو تلك الحكامة التي كانت في القمة من خلال اتخاذ مجموعة من القرارات في وقتها وبصمت وبمسؤولية وجرأة ، وهذه المنهجية هي التي ساعدت على مواجهة هذا الوباء.
اليوم صدق المغاربة والمغربيات. اليوم تحققت نبوءات من سكنهم المغرب قبل أن يسكنوه . اليوم الكل يقول شكرا جلالة الملك .
المغرب بقيادة ملكه الحكيم، واستنادا إلى تجربة القرون الماضية في الحكم، واستماعا لصوت العقل، قرر أن يجعل هاته المعركة لأجل صحة وحياة شعبه، أولوية الأولويات .
سنجتاز جميعا هذه الأزمة أكثر قوة لأننا أكثر اتحادا اليوم ، فخورون بهويتنا الوطنية وانتمائنا لشعب عظيم بقيادة ملك عظيم….
درس مغربي متواصل على امتداد الأزمنة والأمكنة، يجدد نفسه -دوما وأبدا- ويمنح إمكانية الاستفادة منه لمن كان ذا عقل سليم .
6_يقول جلالة الملك في خطاب 20 غشت بمناسبة الذكرى السابعة والستين لذكرى ثورة الملك والشعب ” أدعو كل القوى الوطنية، للتعبئة واليقظة، والانخراط في المجهود الوطني، في مجال التوعية والتحسيس وتأطير المجتمع، للتصدي لهذا الوباء.
وهنا، أود التنبيه إلى أنه بدون سلوك وطني مثالي ومسؤول، من طرف الجميع، لا يمكن الخروج من هذا الوضع، و لارفع تحدي محاربة هذا الوباء “.
_ إن الاتحاد الاشتراكي يجد نفسه في الخيارات الاستراتيجية والتوجهات السياسية والاصلاحات الهيكلية التي يبشر بها جلالة الملك ، ويحث عليها في كل مناسبة وحين ، بل وينكب على الإشراف على الكثير منها …
إن الاتحاد الاشتراكي الوفي لتاريخه الوطني، المتشبع بهويته التقدمية ، المستند إلى جذوره الاجتماعية – الشعبية، ليشكل في عالم اليوم قوة سياسية وطنية اقتراحية ، تنخرط بوعي ومسؤولية في المساهمة في توعية وتأطير المجتمع .
وإذا كان الاتحاد الاشتراكي سليل الحركة الوطنية، أداة إصلاح وتغيير في الحاضر ومناط تطوير وتحديث في المستقبل ، فإن قدراته وكفاءاته السياسية والفكرية على التكيف والرؤية البعيدة، ومؤهلاته النضالية والميدانية، لتجعل منه قوة فاعلة في حاضر البلاد ومستقبلها، كما كان وقود نضال وتغيير في الماضي البعيد والقريب …
الاتحاد الاشتراكي في النشأة والتأسيس ، في السير والمسار …حزب وطني …رقم أساسي في ثورة الملك والشعب، ثورة التلاحم العضوي المتين بين الملك والشعب …ثورة ثابتة من حيث المبدأ ومتغيرة من حيث المهام بتغير الشروط التاريخية، التحولات المجتمعية والأسئلة الكونية…
وفي زمن الجائحة ، الاتحاد الاشتراكي اليوم، كما بالأمس والغد وغد الغد ، يضع المصالح الحزبية والهواجس الانتخابية بين قوسين مغلقين، ويتفرغ للمهمة الوجودية والمعركة المصيرية: الدفاع عن الوطن …الدفاع عن المواطن …الدفاع عن الإنسان …الدفاع عن الحق في الوجود والحياة …هكذا تكلم جلالة الملك …تناغم حزب وطني مع ملك وطني ، رمز السيادة والوجود ….من محمد الخامس والحسن الثاني إلى محمد السادس؛ الاتحاد الاشتراكي منخرط وفاعل في ثورة الملك والشعب؛ إنه حزب وطني وليس كائنا انتخابيا…
الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ذ.إدريس لشكر، وفي للمبدأ والتاريخ ، وفي لروح ثورة الملك والشعب في التأسيس والتطور، من هنا دعا جميع الاتحاديات والاتحاديين إلى الانخراط بقوة، بصدق وفعالية في التحسيس والتوعية بمرجعية خطاب 20 غشت، خطاب ذكرى السابعة والستين لثورة الملك والشعب، الخطاب الذي يروم الخروج من زمن زمن الوباء بمواطن مغربي سليم ومعافى…خطاب ملكي إنساني بلغة الصراحة والوضوح، بلغة الشجاعة والواقعية، بلغة الحب للوطن وللشعب…
في كلمة افتتاحية للقاءات الحزبية بجهة الشرق والتي انطلقت من جرسيف _ لقاءات عن طريق تقنية التواصل عن بعد _ يوم الجمعة 21 غشت 2020، سجل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ذ.إدريس لشكر، الوضوح والصراحة في خطاب العرش حول الوضعية الحالية، والتتمة التي جاءت في خطاب 20 غشت. إنهما خطابان قويان يعتبران مخططا استعجاليا وبرنامجا وقائيا يستدعي من الجميع التعبئة والتحسيس بخطورة الوباء …
واني واثق أن المغاربة، يستطيعون رفع هذا التحدي ، والسير على نهج أجدادهم، في الالتزام بروح الوطنية الحقة، وبواجبات المواطنة الإيجابية ، لما فيه خير شعبنا وبلادنا .”
ان خطاب جلالة الملك يشكل خارطة طريق للخروج من هذه الأزمة الصحية وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية، لكنه في حاجة ، ليس لمن يشيد به، بل لمن يلتزم به وينزله إلى أرض الواقع فعلا وتنفيذا…
خطاب صريح وصارم ، جريء وشجاع ” ان خطابي لك اليوم ، لا يعني المؤاخذة او العتاب؛ وإنما هي طريقة مباشرة للتعبير لك عن تخوفي ، من استمرار ارتفاع عدد الإصابات والوفيات ، لا قدر الله ، والرجوع إلى الحجر الصحي الشامل ، باثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية “.
يقول جلالة الملك”إننا لم نكسب بعد المعركة ضد هذا الوباء، رغم الجهود . إنها فترة صعبة و غير مسبوقة بالنسبة للجميع.
صحيح أنه كان يضرب بنا المثل، في احترام التدابير الوقائية التي اتخذناها، وفي النتائج الحسنة التي حققناها، خلال فترة الحجر الصحي.
وهو ما جعلنا نعتز بما قمنا به، وخاصة من حيث انخفاض عدد الوفيات، وقلة نسبة المصابين، مقارنة بالعديد من الدول.
ولكن مع الأسف، لاحظنا مع رفع الحجر الصحي، أن عدد المصابين تضاعف بشكل غير منطقي، لأسباب عديدة.
فهناك من يدعي بأن هذا الوباء غير موجود؛ و هناك من يعتقد بأن رفع الحجر الصحي يعني انتهاء المرض؛ وهناك عدد من الناس يتعاملون مع الوضع، بنوع من التهاون والتراخي غير المقبول.
وهنا يجب التأكيد على أن هذا المرض موجود؛ و من يقول عكس ذلك، فهو لا يضر بنفسه فقط، و إنما يضر أيضا بعائلته وبالاخرين ” .
وتفاعلا مع الخطاب الملكي ، خطاب 20 غشت، أكد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي امام القيادات الحزبية بجهة الشرق ، بأن الاتحاد الاشتراكي كان سباقا في المشهد الحزبي إلى الوعي بخطورة هذا الوباء ، وعندما كان الغير يتحدث عما يجب عمله بعد كورونا ” كنا نلح ونقول : فلنفلح أولا في مواجهة هذا الوباء !، وقلنا بأن القساوة التي نواجهها لربما ستطرح علينا اختيارات سياسية واقتصادية واجتماعية قوية وصعبة . وقتها هناك من كان يزايد علينا، ولم يطمئنا في البداية الا الإجراءات القوية والاحترازية التي أعلن عنها قائد البلاد جلالة الملك محمد السادس” .
يقول ذ إدريس لشكر ” على الشعب المغربي أن يعي بأن الأيام القادمة ستكون أياما صعبة وقاسية ، من هنا وجب علينا جميعا أن نتعبأ من أجل أن نجتازها بأقل ما يمكن من تكلفة …..لا يمكن أن نتوقع الا الأسوأ في ما هو ات من الأيام، ولمواجهة الأسوأ لا بد أن نتعبأ جميعا وأن نعمل من أجل أن نحمي أنفسنا ، وفي حماية أنفسنا حماية لمحيطنا وحماية لوطننا….”
نحن في حاجة إلى الانتباه إلى مخاطر ترك الحبل على الغارب ، وعلى الجميع ان يعي خطورة الوضع ويفهم صعوبة المرحلة وما تتطلبه من انضباط صارم يقي البلد من السقوط في ما لا تحمد عقباه…
نحن في حاجة إلى الاقتناع الجماعي بالحاجة إلى اعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ، باعتبارها اضمن وأقوى تأثيرا على النفوس من أية قوة عارية قد تتصور أو يتصور أصحابها انهم قادرون على الحسم في كل الظروف…
ان التحرك الاستباقي للمغرب في تعامله مع الوباء كان صائبا ، بل هو نموذج أثنى عليه العديدون في أقطار المعمور ، غير أن كل هذا ليس مبررا لسبق الأمور . فالنصر لن يكون سوى بالتحكم التام والشامل والنهائي في الفيروس والقضاء عليه .
المشكل لم ينته بعد ، والوباء ما يزال يتربص بالبلد والناس يجب أن تلزم الحذر في أقصى درجاته …
ستكون أياما حاسمة في مواجهتنا لوباء كورونا، وستكون أياما محددة لتوجه هذا الفيروس في بلادنا ؛ اما انحسار كامل ان شاء الله لأننا اقتنعنا بضرورة احترام كل التعليمات الصادرة الينا ، واما لا قدر الله انتشار يتسبب لنا في كارثة صحية اذا ما واصل بعضنا الاستهتار بما لا استهتار به .
جلنا متأكد ان الأيام الحاسمة ، الصعبة، الأكثر حساسية هي التي نحياها الان….
هل نؤدي الان ثمن التهور؟ هذا أكيد، لكن الوقت لم يفت…
لم يعد هناك من حل سوى الالتزام بقانون الطوارئ الصحية بالصرامة المطلوبة لأن بلادنا لا يمكن أن تتحمل وضعا اخر أكبر مما وصلنا اليه اليوم في مواجهة كورونا. الوضع لا يقبل أية مغامرة . قد يكون الوقت لم يفت بعد ، لكن المشكلة في الزمن أنه لا ينتظر أحدا فهو يسير بسرعته المعهودة ولا ينتظر المتخلفين .
حقيقة لا نفهم من يحاولون تمثيل دور من لا يروا الخطر المحدق بنا جميعا، ويواصلون الاستهزاء …
نحن في حاجة إلى الوعي بخطورة هؤلاء ومخاطر ما يدفعون اليه …
هؤلاء لن يضروا أنفسهم فقط ، هؤلاء يهددون ابناءهم واخوانهم وأخواتهم ووالديهم . هؤلاء يهددون المجتمع ككل، فلنحذر من خطرهم ، أكثر من أي وقت مضى .
نداؤنا إليهم ، بل استعطافنا لهم ، أن انتحروا اذا أردتم ذلك ولم ترغبوا في سماع كل ما يقال لكم ، انتحروا لوحدكم ، ضحوا بأنفسكم اذا راق لكم ذلك لكن بعيدا عن الأبرياء الاخرين الذين لا يريدون الالقاء بأنفسهم إلى التهلكة .
هذا النداء وهذا الاستعطاف صادر عن أغلبية شعبنا التي فهمت واستوعبت أهمية ما تقوم به الدولة حماية للناس وصحتهم وأرواحهم . وهاته الأغلبية ترفض أن تجرها حماقات أقلية قليلة لا تريد الصبر أياما معدودات وتفضل أن تجرنا جميعا معها إلى الخراب .
لا بد من الاقرار بأن هناك أشياء مقلقة في مواجهة الوباء اللعين على المستوى العلمي ، وعلى مستوى التكفل بالمصابين، وفي اكتشاف الحالات، وفي عدد التحليلات، التي يمكن اجراؤها يوميا، وما إلى ذلك من طاقة استيعابية ومن مستلزمات وامكانيات مادية ولوجستيكية وبشرية . انها جملة من المشاكل المرتبطة بالمنظومة الصحية ببلادنا والتي يعرفها الجميع .
يبقى الخلاص الوحيد والأوحد هو التقيد بشروط الوقاية والنظافة وارتداء الكمامات …
لم يعد الوقت يقبل الأخطاء والهفوات. يمكن أن نتغلب على كورونا ، هذا أكيد، لكن الأمر يتطلب حذرا كبيرا جدا واحتياطات في مستوى وحجم المشكلة ، واليوم اكثر من أي وقت مضى …. ان الصراع ضد وباء كورونا يجب أن يكون بكل جدية الكون ، لأن المسألة لا تتقبل مزاحا ، بل هي فعلا وليس قولا فقط مسألة حياة أو موت .
نعرف أن المغاربة يؤمنون بالحياة وسينتصرون لها ، وسيفعلون المستحيل لأجل الحرص عليها ، ونعرف أن في عز حربهم هاته على هذا الوباء الفتاك سيتذكرون جيدا كل المبادرات الكريمة التي تذكرهم بأن الانتماء المغربي مسبق على ما عداه ، وأنه يأتي في مقدمة كل الأشياء .
خاطب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الحضور ومن خلالهم كل الاتحاديات والاتحاديين ” وقد رأيتم الإشارة القوية التي جاءت في خطاب جلالة الملك في العلاقة مع هذا الوباء بين المواطنة والتخوين “، وهذا وقوف واعي عند ما جاء في خطاب 20 غشت.
يقول جلالة الملك “بل إن الأمر هنا، يتعلق بسلوك غير وطني ولاتضامني. لأن الوطنية تقتضي أولا، الحرص على صحة وسلامة الآخرين؛ ولأن التضامن لا يعني الدعم المادي فقط، وإنما هو قبل كل شيء، الالتزام بعدم نشر العدوى بين الناس.
كما أن هذا السلوك يسير ضد جهود الدولة، التي تمكنت و الحمد لله، من دعم العديد من الأسر التي فقدت مصدر رزقها.
إلا أن هذا الدعم لا يمكن أن يدوم إلى ما لانهاية، لأن الدولة أعطت أكثر مما لديها من وسائل وإمكانات .”
لنقلها بكل صراحة : جزء من المعركة التي نخسرها هاته الأيام ضد كورونا سببها حديث أناس لا يفهمون ولا يعلمون عن أمور لا يفهمونها ولا يعلمون عنها شيئا .
بسبب هذه الجرأة الجاهلة والتطاول غير العالم على موضوع طبي وعلمي ها نحن اليوم نعود إلى نقطة الصفر لكأننا لم نقم بشيء ، وها نحن نجد أنفسنا أمام تهديد العودة إلى حجر قاس وقوي مثل ذلك الذي عشناه منذ أشهر خلت… رأينا علامات كثيرة على استهتار الناس بخطورة المرض ، ورأينا تخبطا في التواصل الحكومي كاد يقنع الناس بأن المرض لم يعد له وجود في بلادنا ، دون بقية بلدان العالم التي لا زالت تعبر عن خشيتها من الأسوأ .
لذلك تكاثرت علامات التصرفات الطائشة ، ومع تكاثرها تكاثرت حالات الاصابات ، والأسوأ تكاثرت حالات الوفيات اليومية بشكل خطير ومقلق ومزعج ولا يتقبل صمتا أكثر .
الذين كانوا يقولون لنا ان كورونا لا وجود له يكتشفون مع سقوط هذا العدد الرهيب من الاصابات والوفيات أن جهلهم هو الذي دفعهم إلى ارتكاب أقوال مثل هاته ، ويتأكدون بأن القادم لن يكون الا أصعب …
ويجدر التذكير اليوم بأن في اعتناقنا للتصرفات الصحية السليمة ، والبسيطة، والعادية فرصة إضافية اخرى لنا لكي ننجو ببلادنا وبأنفسنا وأسرنا من تداعيات أمور لا قبل لنا بها على الاطلاق ….
نتمنى ألا يكون قد فات الأوان فعلا ، ونتمنى أن يتحرك الذكاء المغربي الراغب في البقاء سليما معافى على قيد الحياة لكي يساعد بلدنا على اجتياز هذا المنعرج الخطير بسلام ، او على الأقل بأقل الأضرار الممكنة…
الاتحاد الاشتراكي في قلب المعركة، والاتحاديات والاتحاديون منخرطون قولا وفعلا في التصدي لوباء كورونا.

الكاتب : عبد السلام المساوي - بتاريخ : 13/10/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//