في ذمِّ البطء وتقريظ السرعة، من أجل معنى جديد

أحمد المديني

 

ترتبط كلمةُ بطء بنقيض السرعة والتخفيف من الخطو والحركة السريعتين، وبكلِّ فعلٍ لاهثٍ يجري فيه المرءُ وتتوالى الأحداثُ تِباعاً لا وقت معه للتّأنّي، لزمنٍ يأكل بعضَه السباقُ إيقاعه. شاعت الكلمة بمناسبة صدور كتابٍ لقيَ حفاوةً ودعايةً كبيرة في العالم الذي ينتسب إليه، والغريب لقيَ ذاتها بترجمته إلى العربية من قِبل أناس البطءُ فيهم بليةٌ لا مزية عندهم تُرتجى.نشر الصحفي والباحث الكندي كارل أونوريه كتابه « In praise of slow «(2004) تُرجم إلى الفرنسية في السنة الموالية بعنوان» Eloge de la lenteur» (Marabout ومنها إلى العربية» في مديح البطء» (ترجمة ماهر الجنيدي، مشروع كلمة، 2017)مُحققاً مبيعا قياسياً، يلفت الأنظار لمحتواه ومعلوماته الطريفة، وتنبُّهُه لما يتهدّد الإنسانَ جرّاء الإيقاع السريع جدا لمجرى حياته وسعيه في كل اتجاه يُنسيه نفسَه ويفقدُه السعادةَ في عصر استهلاكي مجنون. وبما أن العرب وشعوبا مثلهم مقلّدون ومستنسخو شعاراتٍ وموضات، فقد طُبع الكتاب مرات أصلية ومزوّرة ووُزّع واسعا بينما لا موضوعه ولا محتواه يعنياننا، فنحن مجبولون من البطء وبلداننا موطنُه، ويمكن أن نعلّم الشعوب الغربية الرأسمالية الصناعية المتمدنة فنَّه ومدارسَه.
قبل هذا التاريخ كان ميلان كونديرا قد أصدر روايته المكتوبة منه بالفرنسية للمرة الأولى «la lenteur» (غاليمار، 1995) وترجمت إلى العربية «البطء» (نقلها خالد بن قاسم، 2013) وتتبعها بعضُ النقد العربي بالتفسير والتأويل أخرجها عن مفهوم مؤلفها ونظريته المبثوثة فيها، لم يستوعب سخريتَه من قيَمٍ غربية سائدة مثل الشهرة والسعي للسلطة والعلاقات الخطرة إلخ، والبطء الذي توفر في زمن قديم هو الذي أدارَ فيه أحداثَ الرواية ووضع شخصياتِها ليشتركوا في مناورات ويعيشوا نوعا من الحياة لم يعد متاحا، وكما عند كونديرا دائما فهناك إما أطروحة مطوية أو سِجالٌ أو دفاعٌ مباشرٌ وتأمّلٌ حول أفكار في مدار علاقةِ الفرد الغربي بثقافته وأزمنته. يفعل هذا للتشويش على الإيهام المرتبط بصنعة التخييل ترجِّحُ نقضَ الحقيقة بتحوير الواقع، ولأنها طريقته(الفنية) تَشبك السرديّ بالفلسفي النظري وهي تُبطئُ حقا وأجدُها ركيكةً مقحَمة. في جميع الأحوال، هو ليس البطء الكسول، بل ذاك القرين بالفطنة والدّاعي إلى اليقظة والتأمل.
هل نملك نحن ترفَ التفكير بهذا المعنى والطريقة، ليس لأننا غارقون حتى الرقبة في بطء تاريخي مزمن، والأيام تتداولُنا على مرّ الفصول، بل لتَحكُّم العادة فينا وطابعِ التكرار المُسئم والعقيم الجاثم على كثير من مظاهر حياتنا لم تفلح عواملُ وأسبابُ النمو والتغيير البنيوي في ميادين شتى بأدوات تحديث العصر الفائقة، وبرامجها ومصطلحاتها ورطاناتها كلها؛ في صقلها وإحداث تغيّرات عميقة في العقليات والنفسيات وأشكال السلوك، تجعلك تتساءل أحيانا إن كنا نراوح الزمانَ والمكان ذاتَهما بينما نحتفل كل عام مع العالم بقدوم سنة جديدة. لو اقتصر الانحباس العقلي والشعوري على من نسميهم العامة بتبخيس وإسفاف، وكأن المفروض أن يبقى الناس دائما عامة، لقلنا بالنسبية في الطباع والتفاوت في حظ الثقافة، ولكنها النخبة ذاتها ما تنفك تدور في أفلاك الماضي وتستنسخ نماذجه بطرق ملتوية، مرة انتساباً إلى أصالة، أي إلى تراث لا تفهمه بل وتزدريه، فيها من يأنف من التحدث بدارجة شعبه ـ دعك من الفصحى يصِمها متخلفة ـ ومرةً بحِسٍّ برغماتي وانتهازي كمن يغير جواربه يوميا؛ وطوراً امتِثالا، والممتثلون هؤلاء، سلالةٌ مزدهرةٌ بصفاقة وإفراط، ما بعدهما، عدوها اللدود التغيير الحقيقي وكم تعشق الكرنفال. وهذا يصبغ المشاركون فيه وجوهَهم بالمساحيق، ويضعون الأقنعة، ويستعرضون ويختلطون بلا حساب. هذا يكفي فقديما قيل: إذا ظهر المعنى لا فائدة في التكرار.
…وإذا كنتَ في الدار البيضاء، وفاس، ومكناس، والرباط(عاصمة الأنوار) ومدنٍ مغربيةٍ أخرى، ولو في فجٍّ عميق، فإنك تَحلُّ بمدينتين: العتيقة، مدينة التاريخ والأجداد والماضي، غالباً هي اليوم متروكةٌ للفقراء، هجرَها الأبناءُ والأحفاد، وإذا تفقّدوها فتفقُّدَ المقابر، قد طالها النسيانُ وإما فولكلور يزوره الأجانب، أحيانا نرافقهم، ليروا وجهنا القديم ويجاملوننا بالإعجاب، بمثابة الفستق الذي يقدمه زوار حديقة الحيوان أو الغابة للقِردة. والمدينةُ العصرية، بناها المستعمر، وفي مساحتها شيّدَ منشآت الدولةِ والمدنيةِ الحديثة، أقام المتاجرَ والمدارسَ والمستشفياتِ ومثله، بنيانُها العتيدُ لا يزال شامخاً لا تُنكره العينُ أو يَجحَده العقلُ، لقوة البرهان. كثيرٌ استوطنها وقتا أو فتح بها محلا، أو يزورها متنزِّهاً، ففيها المكتبة والسينما والواجهة والمطعم والحانة. ولمّا تكاثرنا فيها لم نمتلك روحها ولم نكد نعرف سلوكها، هي في الأصل لم تُبنَ لنا وإنما للجاليات الأجنبية المستعمرة، بينما نحن (الأهالي) أوكارُنا هناك، في حيّ لَجزا مثلا وراء شارع محمد الخامس وخلف الأسوار.. ثم فسدت الأمكنة، بين «مرس السلطان» أمس، وحالها اليوم بالدار البيضاء، يُدمي الفؤاد وليس يبكي المآقي فقط، مهرجان فرح ومهازل وزلازل رصدتُ بعضها في روايتي «رجال الدار البيضاء»، الرجال الذين كانوا لو ذهبت إليها اليوم لرددت مفجوعا مطلع معلقة عنترة نفسه: «هل غادرَ الشعراءُ من مُتَرَدَّمِ/ أم هل عرفتَ الدارَ بعد تَوَهُّمِ»!
…ثم تكاثر العمران، وشيّدنا نحن أيضا وعزّزنا بما استطعنا وجرؤنا عليه الدولةَ الحديثة، التاريخُ بوجوهٍ وسٍير رجال ومآسٍ ومفاخرَ يشهد عليها، وذهبنا أحيانا أشواطا بعيدة مشهودةً في التحديث والتجديد، لكن فصاما قاصما سكننا، شطَرنا قسمين، لا نعرف كيف نصنع التركيب بين قديم وحديث، وليس تلفيقَ الأصالة بالمعاصرة، وأن نشعرَ بوجودنا، فوق البهرجة، في قلب الزمن الحديث وحين نحاول أن ننتج نقيض (الأطروحة) تخرج تُطلّ أشباح وتنقضّ غيلان. كم جميل أن تذرّع البلاد طولا وعرضا بطرُق سيّارة، تختصر المسافات، حقا، والوقت وهماً، يمعن بطيئا، ليله كنهاره، وإذ نمشي في نفق طويل نحب أن نعرف متى نصل إلى تظهر كُوّة الضوء، بقلوب مؤمنة، وإرادات صادقة، ومشاريعَ جذرية لغدٍ خلاّق لا لربح الوقت بالتكرار.
إذا ذهبتَ إلى الرباط، اقصِد شارع محمد الخامس، وانزل من رأسه تحت الممر الطويل، وانظر إلى الجهة المقابلة سترى بناية ضخمة هي مجلس النواب ولا تسأل عن المعنى. ثم عُد بانتباهك إلى كشك الروبيو للصحف وما تبقى من كتب، واسأل عن المعنى، وأخيرا ستستوقفك واجهة أعلاها «مكتبة الألفية الثالثة» أجملُ وأبلغ عنوان، هذا تفاؤل وبشرى، قل غدا ربما نجد المعنى.

الكاتب : أحمد المديني - بتاريخ : 25/01/2023

التعليقات مغلقة.