لصوص الذاكرة وقراصنة الذكريات: احذروهم !

  أحمد المديني

 

ضاع أو سُرق مني أخيراً هاتفي المحمول، وهو حادث يعرِض للناس جميعا في أي مكان وهم في غفلة، ونظرا لمهارة أهل الحرفة، وتتفاوت فيه الخسارة من مقدرة إلى أخرى، ولا يستوجب بالضرورة حالة نفسية كالتي ألمّت بي وحزنت لها بعض وقت، والسبب بسيط ومعقد، أن هاتفي بالمختصر سِجلٌّ من صوري الشخصية وجلّها عن الطبيعة وعلاقتي بالأشجار والنباتات والبحر والنهر وأفراد عائلتي وحيواناتي الأليفة وهي جزء من مباهج حياتي وسعادتي حين تشرق شمسها. ورغم أني لست من المستلبين لهذه الأجهزة وأحذر من إتلافها لوقت ثمين، فقد كنت مطمئنا لهاتفي كرفيق أبثّه أحيانا نجواي، وأدوّن فيه لقطات عابرة للحاضر والآتي؛ باختصار هو كُنّاش فيه شيءٌ قليل وشجيّ أحيانا من ذاتي. وهذا كلّه وبعضُه في ثانية أجهز عليه لصّ عابر، يقيناً لا علاقة له بما أكتب الآن ويأتيني من هلوسة، ولقد مرت بي في الحياة تجارب ومِحن أنكى وهي الآن ذكرى غابرة وأستغرب أني قمت بعدها، لكني قمت وبقيت بقوة وأستمر ولو نكاية بالأنذال. لي منها عشرات، فيها المضحك والمبكي، لمّا طارت أوراقي الثبوتية ومالي في رمشة عين في لندن، ولولا أنجدني صديقي الصحفي اللامع حاتم البطيوي لكنت صرت من أبناء السبيل. ولقد رأيت ما هزني وكاد يَفلِق إيماني وأنا في الطواف بالكعبة المشرفة في موسم الحج، انتهيت منه وإذ بي أسمع صراخا وعويلا وبشرا حلقة حول رجل غالبا بنغالي فقير وهم أخلص الحُجاج إيمانا، مطروح أرضا يلطم وجهه ويضرب على فخذيه مزبد الشفتين ويُعوْل: سرقوني! سرقوني! كان في شبه صَرْع وظل فيه والحراس ينقلونه بصعوبة خارج الحرم، ولم أفهم أبداً كيف يَسرق مخلوقٌ الخالق، فالكعبة بيت الله الحرام! أظن سخِر مني تاجر سعودي حين رويت له القصة، عدّني ساذجا، قال أنت جئت من أجل غرض، وهو كذلك، إنها حرفته، واستهجنت منه ذلك، وزدت اشمئزازاً أرى فتيةً وفتياتٍ في الطريق بأعضاء مبتورة، قيل لي كلّهم من لصوص الحرم، تألمت من أجلهم رغم ما يُلحقون من أذى بالآخرين، صاروا بقايا بشر، وأضحك الآن مني فلصي الظريف أو السخيف لا علاقة له بمشاعري، تركني خاسراً حزيناً وذهب غانماً بجهاز اقتنيت مباشرة أذكى منه ربما ليصبح من حظ لص في المستقبل، أو أتركه فوق طاولة من باحة مقهى باريسي وأنا مرفوع في السماوات؛ غير معنيّ بذكرياتي، ولو علم سيهزأ بدوره بي إذ أحزن على شوية ذكريات عابرة!
لكن الشرطة الفرنسية تعبأ بالشاذّة والفاذّة، أظن هكذا هي في كل مكان، فقد ذهبت كما ينبغي إلى قسمها في دائرة إقامتي لأبلغ عن الفعلة وأحصل على شهادة تعفيني من التبعة بشأن احتمال استعمال هاتفي في ما لا يليق، وكذلك للتأمين. كانت المرة الأولى أدخل فيها دائرة أمن في فرنسا، ورأيت مشهدا مختلفا عن صخب ولعب المسلسلات، أحسنُ استقبال وألطفُ معاملة وأنجع خدمة، الكاتب الذي أزعمُه تعلم من أسئلة المفتش والمحضر درسا في كتابة فصل لرواية من هذا النوع، وعند المغادرة أردت أن أشكره فقلت له ماذا تنتظر لتصبح روائيا، ما طلبتَ مني أفضل مما يسجله بلزاك ويكتبه سيمنون، ربما انشرح لتهنئتي، بينما خطر ببالي للتو من يكتبون الرواية بالخواطر والمناجاة، يخلطون شوية من النثر مع شوية من الشعر أو ما شابه، ناسين غافلين عن أن الرواية وصف للشخص والمكان بحرفية ودقة متناهية وغرض محدد.

وهؤلاء يهون شأنهم أتمنى أن يتعلموا، وذات يوم الموهوب منهم ستشرق عليه شمس الحقيقة الوضاءة ويرى الناس والأشياء بأمّ العين، ويكتب بلغته وأسلوبه وينتقل من التلمذة وأحيانا انتحال، وحتى(سرقة) أساليب الآخرين، ويجد موضوعه ولا ينهب مواضيع غيره أو المبذول، وكذلك يكفّ، إذا رسخت موهبتُه، عن التعيّش بذكريات الآخرين، أي يصبح كاتبا لا لصا مثل كثيرين.
أقول ثمة الأسوأ، لصوصٌ في واضحة النهار، يكذبون ويتكاذبون ويحوزون صفاقة بلا نظير. تَفتح القنوات، المسموع منها والمرئي والمبثوث الآن بوسائل شتى لترى أنهم لا يرعوون. وإذا اقتنيت صحيفة لقيتهم يحاورون ويتحاورون، يسردون التاريخ والأحداث على هواهم، يزيدون في الأخبار والوقائع، ينسبون لأنفسهم إذا كانوا في حقل السياسة وما كان يسمى بالنضال أكبر الأدوار وجسام التضحيات والفعال، يسرقون عيانا من الأحياء ميراثهم فكيف بالأموات، يحسبون التاريخ دربالة درويش فيزيدون في كل حلقة من سلسلة التلفيق خرقة ولا يرف لهم جفن إذا يروون، أو يعبؤون بثقوب الذاكرة، هكذا كثير من أوراق تاريخ المغرب الحديث مرويات غير موثقة، محرّفة ومغرضة ومؤولة، إما للتدليس أو صناعة أصنام، وتريد بشفويتها الرخوة، ورطاناتها الغثة، أن تحلّ محلّ الحقائق، وتضلّل الخلائق، هم منتصرون مؤقتا فقط، وغداً حين سيتصدى المؤرخون المنزّهون عن الغرض والصامتون لأسباب، وشهود العيان، ستؤكل آلهتهم، ولولا بعض حياء لفتحت لائحة أستعير من محمد عز الدين التازي عنوانها:»النداء بالأسماء»، ولكني لست وكيل نيابة ولا ضمير هذا العصر والبلاد، ولا أنا داعية أخلاق، بالنسبة لعمري وما عشت مع جيل عتيد الأمل ضاق، وما تنفع معه إن تدفقت شلاّلات الأشواق، أحدس هي في رحم جسد هذا البلد هادرة، وبعض الناس لا يعرفون أن الأيام دوّارة غادرة، فأقول إنه يثيرني في القوم كل هذا الشطط، لا يصح أن يُسرق الماضي والحاضر، ويتكالب على التاريخ الكذبةُ والكتبةُ ومناضلو الساعة الأخيرة ومن تاجروا بالمصائر وغامروا بأكباد الأمهات بعد أن أمسوا أشباحا في مسرح الكُذاب، والجمهور سارح في الغياب، وكأننا لا عشنا لا رأينا، سمعنا ،هرِي لحمناـ تكالبت علينا الأنواء حتى من الإخوة الأعداء. لذلك وجب أن نقول لهم كفى!
ثمة سلالة طارئة نسميها(القراطيط) من فعل قرط وصاحبها قارط وهو يقرط النبات والثوب ومجازا ما عند الآخرين يكتسي به وينسبه إليه فيرتديه كيفما اتفق فيظهر شائها طبعا لم يصبر أن يكبُر ويكِدّ ويكتسبَ علما أو موهبة أو زعامة(بالمناسبة لا أفهم لم الزعامة مطلوبة اليوم بلهفة في زمن الهزائم!)؛ احذروهم، إنهم الأنكى بين جميع السلالات. أقول قولي هذا وأستغفر الله، ولا أملك لي ولكم في ما نحن فيه إلا الاستشهاد بما قاله كتاب عقلاء، نجيب محفوظ أولا الذي صنع مجد أمة بالرواية؛ قال لا فُض فوه:» إنها لنقمة أن تكون لنا ذاكرة، ولكنها أيضا النعمة الباقية»، وبهاء طاهر بقوله:» هم يريدون أن تموت الحكاية بالصمت كما ماتت جرائم أخرى. يريدون أن تموت الذاكرة ويموت الغضب ليستمر اللعب في الخفاء»؛ كلا، لن تموت!

الكاتب :   أحمد المديني - بتاريخ : 28/04/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//