التعبئة والتنظيم والانفتاح: مفتاح حزب القوات الشعبية لخوض معركة 2026

محمد السوعلي (*)

مع اقتراب الانتخابات البرلمانية لسنة 2026، لا يسع الأحزاب السياسية الوطنية التي ما فتأت تعبر عن عدم رضاها عن سياسات الحكومة الحالية، إلا أن تنكب من الآن على الإعداد لهذه الاستحقاقات. ومما لا شك فيه أن من حق حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، باعتباره أحد الأحزاب التي من المفروض، اعتبارا لوزنه السياسي، أن يطمح في أن يحقق نتائج في الانتخابات المقبلة تسمح له بأن يكون له موقع الصدارة في تشكيل الحكومة المقبلة.
من أجل ذلك، يجب على الحزب أن يتبنى مقاربة تستند على التعبئة والتنظيم والانفتاح على مختلف الشرائح المجتمعية، خاصة في ظل مشهد سياسي متغير وصراع محتدم بين مختلف القوى السياسية في البلاد. لقد أثبتت التجارب الانتخابية السابقة، خاصة انتخابات 2021 التي شهدت تراجع تمثيلية الحزب إلى المرتبة الرابعة بـ 35 مقعدًا بعد أن كان ضمن الأحزاب الكبرى في محطات انتخابية سابقة.
إن التفوق في الانتخابات رهين بالعديد من الظروف. صحيح أن التوفر على برنامج انتخابي متكامل يعكس رؤية وأولويات الحزب، يعتبر اللبنة الأساس في الاستعداد للانتخابات، لكن الشروع في الإعداد لكل استحقاق انتخابي بشكل مبكر يساهم أيضا في توفير قنوات التواصل مع الناخبين وجعل رسالة الحزب أكثر مقروئية وأكثر قدرة على التعبئة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجهه الحزب اليوم هو كيفية استرجاع مكانته في المشهد السياسي الوطني، وضمان تسجيل أوسع للمواطنين في اللوائح الانتخابية، وتعزيز حضوره الميداني، ومواجهة تراجع الثقة في المؤسسات الحزبية، وهو ما يطرح مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول سبل تجاوز هذه التحديات والتموقع كقوة سياسية قادرة على تحقيق نتائج إيجابية في الاستحقاقات المقبلة، خاصة أن المنافسة ستكون أكثر حدة في ظل تطور المشهد الحزبي وبروز قوى سياسية جديدة تنافس على استقطاب الناخبين.
ضرورة إعداد برنامج انتخابي مبكر ومخطط عمل واضح
في هذا الإطار، يتعين على المكتب السياسي وبرلمان الحزب أن ينكبا بشكل مبكر على إعداد مشروع البرنامج الانتخابي للحزب، بحيث يكون مستجيبًا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، وقادرًا على تقديم بدائل حقيقية تنسجم مع تطلعات المواطنين. كما أن إعداد هذا البرنامج يجب أن يتم وفق مقاربة تشاركية تشمل جميع مكونات الحزب، من خلال تنظيم لقاءات مع الكتابات الجهوية والإقليمية، وفتح نقاشات مع الفعاليات الحزبية والمجتمع المدني، لضمان إدماج مختلف الرؤى والتصورات.
وبالتوازي مع ذلك، ينبغي وضع خطة زمنية واضحة لإرساء طرق العمل وضبط الأولويات الميدانية، مع تقييم دوري للمخرجات، بحيث يتم تعديل الاستراتيجيات كلما دعت الضرورة لذلك. فنجاح أي خطة انتخابية لا يكمن فقط في تحديد الأهداف، بل في متابعة تنفيذها وتقييم مدى فعاليتها على أرض الواقع.
التسجيل في اللوائح الانتخابية: أولوية لتوسيع القاعدة الانتخابية
يعد التسجيل في اللوائح الانتخابية حجر الزاوية لأي استحقاق ديمقراطي، حيث تتوقف عليه نسبة المشاركة ومدى شرعية المؤسسات المنتخبة. في انتخابات 2021 بلغت نسبة المشاركة 50.35% وهي نسبة اعتُبرت مرتفعة مقارنة بانتخابات 2016 التي سجلت 43%، لكنها لا تزال تعكس عزوفًا سياسيًا كبيرًا خاصة في صفوف الشباب، حيث تشير الأرقام إلى أن حوالي 66% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة لم يسجلوا في اللوائح الانتخابية أو لم يشاركوا في التصويت.
لمواجهة هذا الوضع، ينبغي تنسيق الجهود بين المكتب السياسي والكتابات الجهوية والإقليمية لإطلاق حملات تحسيسية وتعبوية تهدف إلى دفع الشباب والفئات غير المنظمة إلى التسجيل والمشاركة في العملية السياسية. يمكن تحقيق ذلك عبر إطلاق حملات ميدانية وتفعيل الوسائط الرقمية، إلى جانب التعاون مع جمعيات المجتمع المدني والجامعات لتنظيم لقاءات تحفيزية توضح أهمية المشاركة السياسية.

تحديث الهياكل الحزبية: مفتاح النجاح السياسي والانتخابي
لا يمكن لأي حزب أن يخوض معركة انتخابية ناجحة دون تنظيم داخلي قوي قادر على العمل بفعالية في جميع المستويات. لذلك، يصبح من الضروري أن يتمحور عمل المكتب السياسي حول تعزيز وتقوية التواصل مع الكتابات الجهوية والإقليمية، وتنسيق الجهود لضمان وحدة الرؤية والتنفيذ والتقييم. يمكن تحقيق ذلك عبر تعزيز التكوين السياسي والتنظيمي لمناضلي الحزب، وضمان تواصل فعال بين القيادة والقواعد الحزبية، مما يسهل تنفيذ الخطط الانتخابية بكفاءة.
التعبئة السياسية المستمرة: ضرورة لإعادة بناء الثقة
أحد أكبر الأخطاء التي تقع فيها الأحزاب السياسية هو اقتصار التعبئة على فترة الانتخابات فقط، بينما الواقع يفرض أن تكون التعبئة عملية مستمرة لضمان التواصل مع المواطنين وكسب ثقتهم. يمكن تحقيق ذلك من خلال إطلاق دينامية تواصلية جديدة تشمل لقاءات جماهيرية منتظمة، وخلق فضاءات للنقاش حول القضايا الوطنية والمحلية، إضافة إلى تعزيز الحضور الإعلامي للحزب في مختلف المنصات التقليدية والرقمية، لضمان استمرار التفاعل مع المواطنين، وليس فقط خلال الحملات الانتخابية.
وفي هذا السياق، ينبغي على حزب القوات الشعبية أن يعزز لقاءاته مع المواطنين بشكل أكبر، عبر آليات تواصل فعالة ومستدامة، تتيح لهم التعبير عن انشغالاتهم وتطلعاتهم. فالحوار المباشر والميداني مع الفئات المختلفة يعزز الثقة بين الحزب والناخبين، ويضمن مواكبة حقيقية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، مما يجعله أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين وترجمة ذلك إلى سياسات ومبادرات ملموسة.
المعارضة القوية: فضح الاختلالات وتقديم البدائل
في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع معدل التضخم، وارتفاع البطالة، يصبح دور المعارضة أكثر أهمية من أي وقت مضى. حزب بحجم الاتحاد الاشتراكي مطالب بأن تكون معارضته للسياسات الذي لا يتفق معها مبنية على الأرقام والدراسات. وهذا الأمر سيصبح متاحا بشكل أكبر من خلال إنشاء مراكز تفكير تابعة للحزب تقوم بإعداد تقارير دورية حول العديد من القطاعات، وحول تدبير الحكومة لها، وتقديم بدائل ملموسة يمكن الدفاع عنها داخل البرلمان وأمام الرأي العام.
اختيار مرشحين ذوي كفاءة ونزاهة: معركة أخرى لا تقل أهمية
التجارب السابقة أثبتت أن الانتخابات ليست فقط معركة برامج، بل هي أيضًا معركة وجوه وأسماء، حيث تؤثر سمعة المرشحين بشكل كبير على نتائج التصويت. لذلك، ينبغي على الحزب اعتماد معايير دقيقة في اختيار المرشحين، تشمل: الكفاءة، النزاهة، القرب من المواطنين. كما ينبغي التعامل بحزم مع ظاهرة تغيير الانتماء الحزبي بين الانتخابات، حيث سجلت انتخابات 2021 حالات عديدة لمرشحين تنقلوا بين الأحزاب بحثًا عن موقع يخول لهم تعزيز حظوظهم للفوز في الانتخابات، الشيء الذي لم يتسبب فقط في فقدانهم لثقة الناخبين، بل أيضا في تشكيكهم في مصداقية الأحزاب.
مكافحة الفساد الانتخابي وضمان نزاهة الاستحقاقات
من بين إحدى أكبر التحديات التي تواجه الانتخابات في المغرب، محاولات التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين، سواء عبر هندسة الخريطة السياسية مسبقًا أو من خلال شراء الأصوات بالمال السياسي. يجب أن يكون الحزب سباقًا في المطالبة بتعديل القوانين الانتخابية، لضمان حياد الإدارة في الإشراف على الانتخابات، وتعزيز دور القضاء في محاربة الجرائم الانتخابية.
معركة تتجاوز صناديق الاقتراع نحو كسب ثقة المواطنين
معركة 2026 ليست فقط معركة صناديق الاقتراع، بل هي معركة إعادة بناء الثقة، وتجديد الخطاب الحزبي، وتعزيز القرب من المواطن. إذا أراد حزب القوات الشعبية تحقيق نتائج إيجابية، فعليه أن يبدأ من الآن في تحقيق إصلاحات داخلية جذرية، واعتماد آليات جديدة تجعل العمل الحزبي أكثر نجاعة، وقادرًا على تقديم نموذج مختلف يرسخ ثقافة سياسية جديدة قائمة على الشفافية، الفعالية، والالتزام الحقيقي بقضايا المجتمع.
ولذلك، فإن المكتب السياسي وبرلمان الحزب مطالبان بتفعيل دورهما مبكرًا، عبر إعداد مشروع انتخابي متكامل، وتقوية التواصل مع الكتابات الجهوية والإقليمية، ووضع آليات متابعة دورية تضمن تنفيذ الاستراتيجيات وتقييم مخرجاتها كلما دعت الضرورة، مما من شأنه أن يمكن الحزب من دخول الاستحقاقات المقبلة، وهو في وضع تنظيمي قوي، قادر على مواجهة المنافسة واستعادة ثقة المواطنين.

(*)عضو اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات

 

الكاتب : محمد السوعلي (*) - بتاريخ : 20/03/2025