السيد عامل إقليم بركان: الجهاد الأكبر والخيانة العظمى

عبد المنعم محسيني (*)

لقد سبق لي وأن كتبت قبل سنتين مقالا بعنوان « تأهيل حضري أم قهر بشري»، والذي اعتبرته رسالة قد تصلكم، بمضامينها حول ما يجري بمدينة بركان باعتبارها المدينة التي ولدت فيها وترعرعت وكبرت بين ساكنتها، أطفالها وشبابها ونسائها ورجالها وشيوخها، وتتلمذت في حضن مقاوميها الذين ساهموا في الجهادين الأصغر والأكبر، حيث أخرجوا المستعمر الفرنسي، تحت القيادة الرشيدة للسلطان محمد الخامس، طيب الله ثراه، وساهموا خلال مرحلة الجهاد الأكبر، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، في بناء الدولة الحديثة بمجتمعها المتضامن.
والمسيرة لم تنته ولن تنتهي، فها نحن نواصل ملحمة البناء تحت القيادة العظيمة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، نواصل ملحمة البناء، كل واحد من موقعه، بعد أن تسلمنا من أجدادنا وٱبائنا مشعل حب الوطن وغرسوا في أنفسنا الوطنية الصادقة.
علمونا الجدية والحرص على المصلحة العامة، كما علمونا أن الخيانة شأنها شأن الجهاد، فإذا كان الجهاد نوعين، الأكبر والأصغر، فإن الخيانة هي الأخرى نوعان، خيانة صغرى انتهت بانتهاء الجهاد الأصغر عند خروج المستعمر، وخيانة كبرى وهي تسري في مرحلة الجهاد الأكبر، إنها خيانة مرحلة ملحمة البناء التي ستستمر، إنها خيانة المصلحة العامة، إنها خيانة المجهودات المبذولة في بناء مواصلة رهان تقوية الدولة المغربية.
فالخيانة قد تأخذ أشكالا وأصنافا، وأخطرها خيانة الصمت وعدم المساهمة بالرأي النظيف والمقترحات البناءة في إطار احترام تام للدستور والقوانين الجاري بها العمل .
وكان مقالي الذي وجهته لكم السيد عامل إقليم بركان يندرج في هذا السياق، حتى لا تصيبني خيانة الصمت، حتى لا يكون صمتي عن رأيي النظيف وانتقادي البناء عرقلة في ملحمة الجهاد الأكبر الذي سيبقى على عاتقنا ومسؤوليتنا جميعا، مسؤولون مواطنون وأحزاب سياسية ومجتمع مدني.
كتبت ذلك المقال كما كتبت عدة مقالات مساهمة مني في تدبير الشأن العام المحلي؛ وقبل أن أذكر سيادتكم بمضامين مقالي حول التأهيل الحضري والقهر البشري، اسمحوا لي أن أذكركم بمضامين المقالات الأخرى.
ففي العديد من مقالاتي التي ارتبطت بالشأن العام المحلي، نوهت ودافعت، رغم انتمائي لحزب معارض في الولاية الحكومية الحالية، عن العديد من المشاريع والبرامج التي تنجز في عهدكم، ومنها برنامج التأهيل الحضري لمدينة بركان لما فيه من مزايا كبيرة تحقق انفراج المدينة بمداخل جديدة وتحديث البنية التحتية، وكذلك لطريقة التعويض والصلح مع المواطنين الذين انتزعت ملكيتهم وهدمت مساكنهم ومحلاتهم التجارية، كما دافعت عن مشروع كلية الذكاء الاصطناعي وواجهت جدالا واسعا مع أصدقائي وأبناء مدينتي الذين كانوا يطالبون بالنواة الجامعية بدل هذه الكلية، وعضدت موقفي المخالف لموقفهم بمزايا هذه الكلية المتخصصة بمقارنتها مع النواة الجامعية.
دافعت عن هذه المشاريع من موقع منتمي لحزب معارض للسياسة الحكومية، إيمانا منا أن المعارضة البناءة لا تعني القول «لا» دائما من أجل الدفاع عن المعارضة ذاتها، وإنما المعارضة الحقيقية هي مساندة كل مشروع أو برنامج يخدم الصالح العام.

وإذا كانت هذه المقالات تندرج ضمن مساهمتي المتواضعة في الجهاد الأكبر، ومن موقعي كمواطن يحترم الدستور والقوانين، ويعتبر إن كان الصمت حكمة فإنه يكون في بعض الأحيان خيانة عظمى، فإن مقالي حول التأهيل الحضري والقهر البشري وباقي المقالات التي تندرج وتتناسق مع مضامينه، تظل هي الأخرى متواضعة لكن بحجم كبير في ملحمة الجهاد الأكبر الذي نتحمل مسؤوليته جميعا كل من موقعه، مسؤول ينصت ويقرر، مواطن من منبره كفاعل سياسي أو فاعل جمعوي يبدي رأيه ويساهم بمقترحاته.
هذا المقال وتلك المقالات التي تبرز بوضوح معاناة ساكنة إقليم بركان، وخاصة شبابها من معضلة البطالة وارتفاع مؤشر العدمية NEET بين صفوفهم؛ وأيضا سوء استغلال الوعاء العقاري كوضع ساحات عديمة الجدوى الاقتصادية…
تذكرت ذلك المقال حول التأهيل الحضري والقهر البشري، وبعده المقالات الأخرى، لما رأيت شابا وهو يكاد يبكي ويعبر عن معاناة الشباب ويشتكي لسيادتكم ضد القهر وضد الاحتقار وضد البطالة …، يبكي خلال البحث عن الطفلة يسرى التي قتلت بسبب إهمال السلوك السلبي لصاحب المقاولة الذي لم يتخذ التدابير الاحترازية ضد المخاطر في بناء الشارع العام بـ”حي جابر”، وبسبب إهمال وتقصير المدبرين المحليين في مراقبة المشاريع والأوراش المندرجة في برنامج التأهيل الحضري، وبسبب مجتمع مدني لا يعرف سوى تلقي الدعم العمومي دون القيام بأدواره التشاركية والرقابية المعهودة له بموجب الدستور، وبسبب فئة من المواطنين التي باعت أصواتها وساهمت في إفساد العملية الانتخابية.
يبكي وربما كان يقول يجب عليكم الاهتمام بنا كشباب وكساكنة إقليم بركان قبل أن تهتموا بالطريق والتأهيل الحضري…
تمعنت وتعمقت جيدا في كلامه، ولمست جوهر الصحة في فكرته، فإن كان التأهيل الحضري يندرج ضمن أهداف التنمية البشرية والارتقاء بالبيئة التي تعيش فيها الساكنة حياتها العامة المدنية والاقتصادية، فإن التأهيل الحضري لن يكون ناجعا إلا إذا كان مصحوبا بالتأهيل البشري، بل إن هذه النجاعة ستكون منعدمة إذا كان التأهيل الحضري مصحوبا بمعاناة بشرية وشباب ضائع وتائه.
لمست فعلا صحة وصوابية كلامه وتناسقه مع ما قلناه سابقا في مقالاتنا المساهمة في تدبير الشأن العام المحلي؛ مما جعلني أحلل وأخضع للتفكير العميق في مسؤوليتنا الجماعية، مدبرون محليون ومجالس منتخبة وفاعلون سياسيون وجمعويون، وتساءلت أين نحن من المشاركة في الجهاد الأكبر، أين نحن من المساهمة في ملحمة مواصلة بناء الدولة القوية بمجتمع متضامن يضمن الاستمرارية ويعزز الجدية التي تتميز بها الأمة المغربية؟
أين هي مكامن الخلل في سلوكنا في التعبير عن مساهمتنا في ملحمة الجهاد الأكبر؟ بكل تأكيد لا نشكك في نوايا بعضنا البعض حتى يثبت العكس، ونعلم جيدا أن الكل يعمل بحسن نية ويؤدي واجبه الوطني.
لكن، مع هذا التأكيد، يزداد الاقتناع أن منهجية سلوكنا غير صائبة، وإجراءاتنا غير منتجة ومنجزة، ومن المؤكد أيضا أنها أهملت معاناة الشباب والساكنة من معضلة البطالة والتأهيل السوسيو اقتصادي.
لم نخطئ السبيل عند رغبتنا في العبور خلال مواصلة مسيرة الجهاد الأكبر؟ ماذا فعلنا عندما صدرت تقرير المندوبية السامية للتخطيط منذ سنة 2022، التي دقت ناقوس الخطر واعتبرت أن إقليم بركان يعاني من عدمية فئة عريضة من الشباب وعدم إتقانهم لأي حرفة أو مهنة؟ ماذا فعلنا عندما صدر تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول وضعية التشغيل ورصد أن إقليم بركان يعاني من بطالة خانقة تتفشى في صفوف شبابه ورجاله ونسائه؛ وهي البطالة التي كانت سببا في شيوع حالات الانتحار.
السيد عامل إقليم بركان،
اعتبارا لكون القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، وكذا اعتبارا لكون القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات يعطي لكم صلاحية إدراج نقط في جدول أعمال في دورات المجلس الإقليمي لبركان والمجالس الحضرية والقروية التابعة لنفوذ الإقليم، هل سبق لكم أن أدرجتم نقطا في جدول أعمال هذه المجالس الترابية لمناقشة معضلة البطالة والعدمية NEET على ضوء تقارير المندوبية السامية للتخطيط، وإيجاد الحلول الكفيلة للتصدي لها ومعالجتها، على اعتبار أن المقاربة الجديدة التي بنيت عليها القوانين التنظيمية المذكورة تعطي للجماعات صلاحيات في إنعاش سوق الشغل المحلي، ولمجالس العمالات والأقاليم اختصاصات في مجال محاربة الهشاشة الاجتماعية؟
السيد عامل إقليم بركان،
من خلال تتبعي لجداول أعمال دورات المجالس الترابية، وتفحصي لمشاريع الاتفاقيات التي يبرمها المجلس الإقليمي لبركان ومجالس الجماعات التابعة لنفوذ الإقليم، لم أجد ولو اتفاقية واحدة تتفاعل مع تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول معدل النييت” برسم سنة 2022؟ ألم يكن بوسعكم إدراج نقط في جدول أعمال المجلس الإقليمي لبركان ومجالس الجماعات التابعة لنفوذ الإقليم، تتعلق بإبرام اتفاقيات شراكة مع مراكز التأهيل والتكوين المهني لتوسيع استفادات الشباب من برامج تعلم الحرف والمهن، وذلك من أجل القضاء على معدل “النييت”؟
السيد عامل إقليم بركان،
نعلم جميعا أن الفلسفة الجديدة التي جاءت بها القوانين التنظيمية للجماعات، تنبني على جعل اللامركزية في خدمة جلب الاستثمارات بغية خلق مناصب شغل والقضاء على البطالة وتحسين المستوى المعيشي للساكنة؛ كما نعلم جميعا أن الثروات الطبيعية المتنوعة لإقليم بركان، تجعل منه محطة واسعة وفضاء رائدا في جلب مختلف الاستثمارات الصناعية والتجارية الفلاحية والبحرية، فأين جماعات الإقليم من هذه المهام الجديدة؟ هل قامت هذه الأخيرة بتوفير البيئة الملائمة والمندمجة لجلب الاستثمارات وتشجيعها؟ هل أحدثت مصانع متخصصة في الصناعة الغذائية؟
نعم، نؤكدها مرة أخرى، أن فاجعة غرق الطفلة يسرى في بالوعة الصرف الصحي أيقظت شعلة النقاش العام المحلي حول تقييم برنامج التأهيل الحضري، الذي لقي تأييدا واسعا من حيث أهدافه ومخرجاته، وفي نفس الوقت انتقادات حادة حول منهجية تنزيله وأجرأته، لنخلص جميعا أن هذا البرنامج يظل، في ملحمة الجهاد الأكبر، ضعيف النجاعة والفعالية من حيث نتائجه في شقها المتعلقة بالتنمية البشرية، وأن هذه الملحمة لن تكتمل إلا بجعل اللامركزية في خدمة تأهيل العنصر البشري والقضاء على البطالة والعدمية في صفوف شباب الإقليم.
قال أبرهام لينكولن: أنت لست مسؤولا عما تقوله فقط، وإنما مسؤولا عما كان يجب عليك قوله ولم تقله. ولذلك فإن الصمت في ملحمة المساهمة في مواصلة الجهاد الأكبر تكون خيانة عظمى، وهذه غاية كتاباتي ومقالاتي.

(*)عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

الكاتب : عبد المنعم محسيني (*) - بتاريخ : 11/03/2025