المجتمع المدني بإقليم بركان وربط المسؤولية بالمحاسبة

عبد المنعم محسيني(*)

يحتل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في النقاش العمومي مكانة مهمة، باعتبارها من المبادئ الناظمة للتدبير العمومي التي كرستها الفقرة الثانية من الفصل الأول من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، والتي تنص على :» يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة».
ورغم الأهمية التي يوليها الرأي العام، من خلال فضاءات النقاش العمومي، لهذا المبدأ الدستوري، فإن الملاحظ من خلال المواضيع المثارة في تلك الفضاءات، أنها ترتبط أساسا بالمرافق العمومية وبالمدبرين العموميين الذين يتحملون المسؤولية داخل إدارات الدولة ومنشٱتها العمومية وجماعاتها الترابية، على النحو الذي يجعل نطاق تطبيق هذا المبدأ ينحصر فقط في الجانب المتعلق بمسؤولية الدولة عن أعمالها الإدارية والقضائية والتشريعية، مما يجعل تنزيل هذا المبدأ لا يلامس كل مساحات الشأن العام، اعتبارا لكون فاعلية تلك الأجهزة العمومية لا تغطي إلا جزءا معينا من هذه المساحات، ليبقى الجزء الٱخر من مسؤولية فاعلين ٱخرين، ينيط بهم الدستور والقوانين الجاري العمل بها العديد من الصلاحيات في التأثير على مسارات الشأن العام، كما هو الشأن بالنسبة للصلاحيات الممنوحة بموجب الدستور للأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المهنية وفعاليات المجتمع المدني.
فبخصوص فعاليات المجتمع المدني، تنص الفقرة الثالثة من المادة الثانية عشرة من الدستور على ما يلي: « تساهم الجمعيات المهنية المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطان العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة وفق شروط يحددها القانون.»

وتبعا لهذه المقتضيات الدستورية، فإن بلورة إعداد القرارات والمشاريع العمومية التي تكون جوهر التدبير العمومي، تخضع لمبدأ الديمقراطية التشاركية، وتندرج أيضا ضمن الصلاحيات الممنوحة لجمعيات المجتمع المدني، بدءا من مرحلة الإعداد، ومرورا بمرحلة التنفيذ والتفعيل، وانتهاء بمرحلة التقييم؛ الأمر الذي يؤكد أن فعاليات المجتمع المدني تتدخل في جميع مراحل المشاريع والقرارات العمومية، بلورة وتنفيذا وتقييما؛ مما يؤكد، من جهة أخرى، أن المسؤولية الدستورية عن تلك المشاريع والقرارات العمومية تظل مسؤولية مشتركة بين المرافق العمومية وجمعيات المجتمع المدني.
وانطلاقا من هذه المسؤولية المشتركة عن تدبير الشأن العام الذي يخضع لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يتضح أن النقاش العمومي حول هذا المبدأ لا يزال يعتبر أن تدبير الشأن العام يعتبر ضمن المسؤولية الدستورية الفردية للمرافق العمومية، والحال أن هذه المسؤولية تتحملها جمعيات المجتمع المدني، مادام أن الدستور يعطي لهذه الأخيرة صلاحيات التدخل في جميع مراحل إعداد وتنفيذ وتقييم القرارات والمشاريع العمومية.
وتأسيسا على ما سبق ذكره، فإن مجال تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يقتصر فقط على المدبر العمومي، وإنما يكون واجب التطبيق حتى على جمعيات المجتمع المدني مادامت هذه الأخيرة تتحمل المسؤولية الدستورية عن القرارات والمشاريع العمومية، بالنظر لصلاحياتها في التدخل في جميع مراحل إعداد وتنفيذ وتقييم هذه المشاريع والقرارات العمومية.
إن تمديد مجال تطبيق ربط المسؤولية بالمحاسبة حتى بالنسبة لجمعيات المجتمع المدني، على الأقل في جانب المسؤولية المعنوية، يزداد تأكيدا سواء من الناحية القانونية أو الواقعية؛ ذلك أنه من الناحية القانونية، فإنه باستقراء معمق لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور يتضح أن مبدأ الديمقراطية التشاركية لم يأت بشكل منعزل عن باقي المبادئ الدستورية، كما هو الحال بالنسبة لمبدأ سيادة القانون الذي تم التنصيص عليه في الفصل السادس من الدستور، وإنما جاء في مقتضيات جامعة للعديد من المبادئ الدستورية، حيث جاء متبوعا بمبدأي الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ الأمر الذي يؤكد بشكل مطلق أن هناك علاقة وطيدة بين هذه المبادئ؛ وهي العلاقة التي تخضع في إطارها الجمعيات المدنية لربط المسؤولية بالمحاسبة، مادامت تعتبر جوهر الديمقراطية التشاركية.
أما من الناحية الواقعية، فإن الحاجة إلى إثارة مسؤولية جمعيات المجتمع المدني وإخضاعها للمحاسبة، تزداد أهمية عند استحضار الارتفاع المهول في عدد تأسيس جمعيات المجتمع المدني؛ كما هو الشأن بالنسبة لإقليم بركان حيث لوحظ في السنوات السبع الأخيرة “تسونامي” من الجمعيات التي تم تأسيسها؛ حيث يتجاوز عددها المائتي جمعية مهتمة بالشأن العام في جميع مجالاته، الاجتماعية والسكنية والخيرية والرياضية …؛ هو الأمر الذي يفترض معه أن يكون هذا “التسونامي” من الجمعيات المدنية مساهما بشكل فعال وناجع في إعداد وتنفيذ وتقييم المشاريع والقرارات المتعلقة بالشأن العام الإقليمي.
فما هي حصيلة “تسونامي” جمعيات المجتمع المدني في إقليم بركان؟ وما هي منجزاتها على مستوى المساهمة في إعداد المشاريع والقرارات العمومية وتفعيلها وتقييمها؟ أليس من واجب هذا “التسونامي” من الجمعيات التي أسست في السنوات السبع الأخيرة نشر حصيلتها على مستوى صلاحياتها الدستورية؟ أم أن هذه الحصيلة لا تندرج ضمن المعلومات العمومية التي يمكن أن تخضع للنشر الاستباقي، أو على الأقل، الحصول عليها في إطار تطبيق مقتضيات القانون رقم 31.13 المتعلق بالحصول على المعلومات؟
فبماذا ساهم هذا “التسونامي” من الجمعيات في تجويد الشأن العام المحلي بإقليم بركان؟ خاصة في الجانب المتعلق بتأهيل العنصر البشري؟ هل ساهم في إعداد وتنفيذ وتقييم مشاريع برنامج التأهيل الحضري؟ وهل ساهم في اقتراح برامج للقضاء على معاناة الشباب من معضلتي العدمية والبطالة، كما هو الشأن بالنسبة لبعض الجمعيات الرائدة في بعض أقاليم المملكة المغربية، مثل جمعية “قافلة النور للتنمية الاجتماعية” بفاس، التي كانت فاعلة رئيسية في تكوين الشباب وتعليمهم حرف متنوعة؟ وهل…..؟ وهل…..؟ طويلة هي قائمة الأسئلة التي يمكن إثارتها في إطار تقييم حصيلة جمعيات المجتمع المدني من طرف الرأي العام المحلي بإقليم بركان؛ خاصة وأنه حسب بعض الإحصائيات فإن هذه الجمعيات تشهد صراعات ونزاعات حادة يرجع السبب فيها لعدة عوامل، إذ تحتل الحسابات الضيقة والمصالح الذاتية نسبة 42 في المائة؛ كما يحتل نقص الوعي نسبة 28 في المائة، وغياب التنسيق بنسبة 21 في المائة؛ وهي الأسباب التي تؤكد أن تأسيس هذه الجمعيات بإقليم بركان جاء منحرفا عن غايات مبدأ الديمقراطية التشاركية المنصوص عليه في الفصلين الأول والثاني من دستور المملكة المغربية؛ ولذلك لا غرابة في ما إذا كانت مساهمة هذه الجمعيات في إعداد وتنفيذ وتقييم المشاريع والقرارات العمومية، منحرفة؛ هذا الانحراف الذي يجد مؤشرات قياسه في المشاكل المتنوعة التي نعيشها ساكنة الإقليم، ارتفاع نسبة البطالة وتفشي عدمية الشباب وكثرة حالات الانتحار وموت الطفلة يسرى بسبب سقوطها في بالوعة صرف المياه العادمة والتكلفة الاجتماعية ثقيلة؛ وتبعا لذلك تبقى حصيلتها منعدمة.

(*) عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

الكاتب : عبد المنعم محسيني(*) - بتاريخ : 14/03/2025