في الحاجة إلى مثقف قلق

بوفتاس فريدة

 

 

وأنا أحضر الملتقى الوطني الاتحادي للمثقفين والمثقفات، تحت شعار «الثقافة دعامة للارتقاء بالمشروع الديمقراطي التنموي «، بالمقر المركزي للحزب،
كان هذا اللقاء بمثابة إعادة قلق التفكير في إشكالية الثقافة ومفهوم المثقف في مجتمعنا المغربي، وإعادة تأملها وطرح بعض الأسئلة والتساؤلات بصددها.
ولعل أول سؤال يمكن البدء به هو :
ماذا نقصد بمفهوم المثقف؟
إنه عين المجتمع التي ترى بشمولية وبعمق فكر، مجريات كل الأحداث، والعلاقة بينه وبين ما يرى هي ما يجعل منه مثقفا في حالة ما إذا قدم أطروحات فكرية وتصورات معينة وحلولا للقضايا التي يعيشها المجتمع، إضافة إلى إملاء خارطة طريق فكرية شمولية، التي من المفروض أن تعتمدها الدولة في سلطتها الثقافية والفكرية مرجعا للفكر وللحلول التي يحتاجها الواقع الذي أفرزه.
المثقف ليس هو العالم أو العارف الباحث عن الحقيقة، أو ذاك الذي يعيش خلوة في برجه العاجي، بل هو مفكر منخرط سواء أكان مثقفا عضويا( غرامشي) (دفاتر السجن )،أو كان الملتزم الملتحم بشكل كامل مع قضايا العصر والمجتمع والعالم وبقضايا الإنسانية جمعاء ( سارتر).
أتساءل: أين هو هذا المثقف عندنا ؟
لماذا ليست لنا حصائل المواقف التي يمكن أن تعتمد وتساهم في حل قضايا المجتمع وأزماته ككل .
هناك غياب !
أين هو المثقف القلق، الجريء، الذي يسكنه قلق الوجود والواقع والتاريخ، المختلف والمتنافر حتما مع «المثقف السعيد « المتماهي مع الحقيقة السائدة؟
دفاتر التاريخ كشفت عن أدوار المثقف في أمم خلت، أو حتى الحاضرة الآن، كشف فيها المثقف عن عمق تفكير وروية وقدرة على إبداع حلول وخرائط طريق، كانت أفقا مفتوحا وعمليا لمن أراد أن يحرك التاريخ في اتجاه خط التقدم .
كما عرف مفهوم المثقف تاريخيا أشكالا متعددة :
مثقف السلطة المتماهي معها، والذي ينظر لها كيفما كان توجهها.
المثقف العضوي
المثقف المحايد الذي يفصل ما بين العلم والمعرفة وبين السياسة .
إن المثقف هو الحامل بامتياز لهموم عصره ومجتمعه، ولمشروع فكري نظري شمولي .
إنه ليس ذاك المهووس بالأضواء، المتربص للاستحواذ على المواقع، حيث تكون المنفعة عملته الرئيسية في كل ما ينتجه وما يحرك عمله الإبداعي، بل هو ذاك المترفع عن كل سلوك نفعي، محاصرا ذاته محصنا لها بمبادئ سامية وقيم نبيلة تنأى به عن الحضيض .
إنه صاحب الجرأة الفكرية لإعلان مواقفه الرائدة، وليس من يدعي الحياد المقنع بحجة أنه موضوعي .
المثقف هو الذي ينحت الصخر ليتصدع، فتنبعث منه الحقائق المتدفقة بلا حواجز ولا معيقات، وليس ذاك الذي يحاول أن يكون من الفئة الناجية، وهو يحزم حقائبه نحو عالم مؤثث «بحقائق» تصاغ على المقاس .
إنه الراصد بعين ثاقبة الخلل الكامن وراء ظواهر الأشياء، في رغبة منه وقصدية الكشف عن أسبابها المادية وعللها الخفية، وليس هو من ينثر خطابات حماسية، تعبوية تمتلئ بها أوداجه وهي تغوص في ماهو ايديولوجي لصالح سلطة من السلط.
المثقف، لا أراه إلا حاملا لرسائل إنسانية سامية، مرافعا عن إنسانية الإنسان وكرامته، يكون الصوت والضمير اليقظ باسم كل المقهورين، سواء في ظل مؤسسة حزبية، جمعوية، فكرية …بعيدا عن سفاسف الأمور التي حتما قد تسقط عنه صفة المثقف وهيبته.

الكاتب : بوفتاس فريدة - بتاريخ : 28/02/2025