الإعلام الأمازيغي مدخل رئيس لتكريس التنوع اللغوي والثقافي بالمغرب

د. جمال المحافظ (*)

ينفرد المغرب بخاصية التنصيص في دستوره على جعل الأمازيغية إلى جانب العربية اللغة الرسمية للبلاد، وهو ما يعد أهم المكاسب المحققة في مجال الاعتراف بالتعددية اللغوية، ذلك أن المملكة المغربية أصبحت أول بلد عربي يعترف بالأمازيغية كلغة وتراث مشترك لجميع المغاربة.
الفصل الخامس من الدستور المغربي ينص على أن «اللغة العربية تظل اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها. وتعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء». بيد أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية، وإن كان يكتسى أهمية كبرى، فإنه من الملاحظ أن هناك تراكمات متعددة، التي رفع سقفها ما جاء في خطاب الملك محمد السادس، في 17 أكتوبر2001، بأجدير، حيث دعا إلى بذل الجهود للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين باعتبار أن الأمازيغية هي ملك لكافة المغاربة بدون استثناء.
وإثر ذلك توالت العديد من المبادرات والقرارات منها الإعلان عام 2002 عن إحداث» المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية»، وفي عام 2003، جرى إدراج الأمازيغية في مناهج التعليم بحرف «التيفيناغ»، وهي أبجدية استخدمها الأمازيغ بمنطقة شمال إفريقيا في عصور ما قبل الميلاد، لكتابة لغتهم والتعبير عن طقوسهم وشعائرهم الدينية. كذلك تقرر إدماج الأمازيغية في الإعلام العمومي عام 2006، قبل إعطاء انطلاقة القناة الأمازيغية التلفزيونية عام 2010 .

إدماج الأمازيغية في الحياة العامة

وبعد مرور ثماني سنوات على دستور 2011، وافق مجلس النواب المغربي عام 2019 على مشروع القانون التنظيمي، المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، الذي يهدف إلى إدماج هذه اللغة في مجالات التعليم، والتشريع والعمل البرلماني، والإعلام والاتصال، والإبداع الثقافي والفني، وفي الإدارات وسائر المرافق العمومية، والفضاءات العمومية وبمجال التقاضي.
وإذا كانت» دسترة « الأمازيغية ترجع إلى عام 2011، فإن تجربة الإعلام الأمازيغي بالمغرب تعود الى أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، يومذاك أسست أول إذاعة أمازيغية عام 1938 التي وإن كانت قد ساهمت إلى حد كبير في التعريف بالأغنية الأمازيغية، لكن أداءها ظل محدودا بالنظر إلى الإمكانيات المتواضعة جدا التي رصدت لها وضعف الموارد البشرية التي خصصت لها. هذا الواقع « جعل ملف الأمازيغية يراوح مكانه منذ عقد الخمسينيات رغم سنوات النضال الذي خاضته الجمعيات الأمازيغية بمختلف مشاربها وتوجهاتها»، محمد الغيداني، الباحث والإعلامي المغربي للشرق الأوسط .

قناة لخدمة التنوع
الثقافي واللغوي

ويضيف الغيداني شارحا «بعد حصول المغرب على الاستقلال في عام 1956، عرف البث الإذاعي بالمغرب تحولا مهما. إذ في حين أصبحت البرامج باللغتين العربية والفرنسية، تقدم على مدار الساعة، تدرجت فترات بث برامج الإذاعة الأمازيغية من تسع ساعات إلى 12 ساعة لتصل إلى 16 ساعة يومياعام 2005. وراهنا باتت ساعات البث 24 ساعة يوميا.
لكن» بعد سنوات من النضال «، جاءت الانطلاقة الرسمية لقناة تلفزيونية ناطقة بالأمازيغية في مارس عام 2010، بهدف « خدمة التنوع الثقافي واللغوي بالمغرب، وإبراز الثراء المادي والمعنوي للثقافة المغربية، والمساهمة في تطوير اللغة الأمازيغية، وتثمين الثقافة الأمازيغية ونشرها، بشكل أوسع داخل الأوساط المختلفة للمجتمع المغربي» .غير أن محمد مماد، مدير قناة « تمازيغت» التلفزيونية العمومية، يرى أنه على الرغم من ترسيم الأمازيغية وفتح أوراش كبرى في التعليم والإعلام، فإن العديد من القرارات « لازالت حبيسة الرفوف في بعض الوزارات المعنية مباشرة بالموضوع». إلا أنه استدرك قائلا « و مع ذلك وبكل موضوعية، يمكن تقييم هذا الملف والمراحل التي مر منها من خلال زاويتين مختلفتين. أو بصيغة أخرى، يمكن التعامل معه بمنطق الكأس الممتلئة أو الفارغة «، موضحا : « أن أشياء كثيرة أنجزت فعلا ولايمكن تجاهلها، بدءا بالإعلام المسموع المرئي الأمازيغي»، ومن ثم حمل مماد المسؤولية في هذا الوضع إلى كل من « الحكومة والبرلمان بغرفتيه وكذا الأحزاب الوطنية بمختلف مشاربها التي تجمع في خطاباتها على ضرورة الدفع بهذا الملف إلى الأمام».
وحسب مماد فإن قناة» تامزيغت»استطاعت منذ إحداثها « أن تنتج العشرات من الأفلام التلفزيونية والمسلسلات والبرامج الوثائقية. ومكنت المئات من الفنانين الأمازيغ بمختلف روافدهم من المشاركة في البرامج الفنية  للقناة. وكذلك آلاف الفاعلين السياسيين والجمعويين من التعبيرعن مواقفهم بمنتهى الحرية في جميع البرامج التي تنتجها وتبثها القناة» .

ورش الأمازيغية أولوية

وأوضح مدير قناة «تمازيغت»أنه حين يشدد جلالة الملك، وبصريح العبارة، على ضرورة النهوض بالأمازيغية لغة وثقافة بجميع الوسائل المتاحة والممكنة، ولاتحرك الجهات المعنية مباشرة ساكنا، فهناك من دون شك مشكل ما، ينبغي تحديد مصدره، وإيجاد حل نهائي له. إن الأمازيغية لغة المغاربة جميعا وليس الناطقين بها بصفة حصرية. وأعرب مماد عن اعتقاده بأن»ملف الأمازيغية بمختلف أوراشه في حاجة ماسة اليوم إلى عملية تنزيل حقيقي لمقتضيات الدستور ومضامين خطابات الملك محمد السادس التي تدعو إلى جعل ورش الأمازيغية من بين الأولويات الكبرى للمغرب».
من جهته يعتبر محمد الغيداني أن الإعلام الأمازيغي « عرف تطـورا وتنوعـا على مستـوى البـرامج المقدمـة والتـي تحتــوي عليــها المخططــات الإذاعيــة والتلفزيونية، من خلال بــرامج ذات طبيعــة ثقافيــة، وترفيهيــة، واجتماعيــة، ورياضيــة وتربويــة «، وربط ذلك بـ « الديناميكيـة التي يشهـدها المجـال السياســي والاقتصــادي الوطنــي والدولــي، التي فــرضت على الإعلام الأمازيغي مواكبــة الأحــداث والتطــورات عن قــرب… وذلك لإبـــراز المــوروث الثقافــي والتنــوع الطبيعـي والتــراث الحضــاري الأمازيغي والدفـع به إلى الأمــام حتى يحقــق ما يطمح إليه المستمع والمشاهد الأمازيغــي، وهو الاهتمــام بقضايــاه وانشغالاتــه ومثلــه وحضارتــه المتجــذرة في عمق التاريخ» .

مجال لتبليغ رسالة
الفاعلين الأمازيغيين

وفي هذا السياق تقول الفاعلة الجمعوية خديجة عزيز « إذا كانت الأمازيغية في حقل الإعلام « قد ظلت لأمد طويل تعاني من التهميش بسبب اختيارات الدولة الوطنية، غداة الاستقلال وما بعده»، فإن الفاعلين والمنتجين بالأمازيغية وجدوا في الإعلام، خاصة السمعي البصري، مجالا واسعا، يسمح لهم بإسماع صوتهم والتعريف بمطالبهم لدوره في تبليغ الرسالة الإعلامية بالصوت والصورة والكلمة، ولما يقوم به في التعريف بثقافات الشعوب، ومدّ جسور التواصل في ما بينها، أما في مجال الصحافة المكتوبة، فأشارت خديجة عزيز إلى أن بعض النشطاء الأمازيغيين في الحقل الثقافي شرعوا في نشر كتاباتهم حول الثقافة واللغة الأمازيغيتين في عدد من المنابر الصادرة باللغتين العربية والفرنسية، بينما بادر بعضهم إلى»إنشاء منابر إعلامية مناضلة»، سعت إلى إبراز وتطوير الخطاب الأمازيغي، حيث كانت مرآة تعكس القضايا والإشكالات المتعلقة بالأمازيغية لغة وحضارة في المغرب خاصة وبشمال إفريقيا عامة. وأردفت «إلا أنه مع ظهور الصحافة الإلكترونية جرى إنشاء عدد كبير من المواقع الأمازيغية ومواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت الفرصة بشكل أكبر للشباب الناطق بالأمازيغية، للتواصل في ما بينهم، كما مكنت التقارب بين أمازيغ المغرب وغيرهم من الأمازيغ في البلدان المغاربية ومختلف مناطق العالم». على حد قول المتحدثة.

تعزيز قدرات
إعلاميي الأمازيغية

يذكر أن القانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ينص على» إدماج الأمازيغية في مجال الإعلام والاتصال، بما يتناسب بها كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. وتعمل الدولة على تأهيل القنوات التلفزيونية والإذاعية الأمازيغية العمومية لتأمين خدمة بث متواصلة ومتنوعة، تغطي كافة التراب الوطني، مع تيسير استقبال هذه القنوات خارج المغرب «.وبالنسبة لدور وسائل الإعلام في التفعيل الأمثل للأمازيغية، تعتقد خديجة عزيز أن ذلك « يتطلب اتخاذ عدة إجراءات في مقدمتها تكوين الإعلاميين، والرفع من عدد المترجمين من وإلى الأمازيغية». أخيرا، إذا كان ينبغي الاعتراف بأن الوضعية الراهنة للأمازيغية في الإعلام المغربي، أفضل بكثير مما كانت عليه قبل إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فإن ذلك يقتضى تثمينا للمكاسب التي تمخضت عنها السياسة الإعلامية الجديدة، خاصة وأن مستقبل الإعلام الأمازيغي يبدو واعدا بعد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية الذي من شأنه خلق دينامية جديدة خاصة في التعليم والإعلام، وهو ما قد يشكل مدخلا رئيسيا لتكريس التنوع اللغوي والثقافي بشكل أفضل.

(*) مقال عن صحيفة
«الشرق الأوسط» اللندنية

الكاتب : د. جمال المحافظ (*) - بتاريخ : 10/01/2022

التعليقات مغلقة.

//