الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: من زمن التناوب إلى أفق التعاقد الوطني لبناء الدولة الاجتماعية

سعيد الخطابي*

يشكل المسار السياسي للمغرب منذ اواخر التسعينات الى اليوم رحلة تحول عميقة، تداخل فيها التاريخ بالإرادة الوطنية، وتقاطعت خلالها اختيارات الدولة مع نضالات القوى الديمقراطية، وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فمنذ تجربة التناوب التوافقي التي دشنت مرحلة انتقال سياسي رصين، الى زمن التعاقد الوطني من اجل الدولة الاجتماعية والنموذج التنموي الجديد كما اراده جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ظل الاتحاد الاشتراكي رقما صعبا في صناعة الافكار الكبرى وفاعلا محوريا في هندسة التحولات التي اعادت تعريف الدولة وادوارها ووظائفها.
كانت لحظة التناوب التوافقي سنة 1998 أكثر من مجرد انتقال حكومي؛ فقد كانت بداية صفحة جديدة في تاريخ المغرب، اعيد فيها ترتيب العلاقة بين الدولة والمعارضة الوطنية الديمقراطية التي تحمل الاتحاد الاشتراكي مشعلها لعقود. وبعد سنوات من النضال المرير، دخل الحزب تجربة التدبير بروح وطنية صادقة، واضعا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ومؤمنا بان الانتقال نحو الديمقراطية لا يبنى بالصراع وحده، بل ايضا بالتوافق والتعاقد والتدرج. لقد كان التناوب انتصارا للحكمة السياسية المغربية، وانعطافة تاريخية مكنت البلاد من تفادي صدمات كثيرة عرفتها دول مجاورة، ووفرت ارضية صلبة للإصلاحات الكبرى التي سيقودها الملك محمد السادس في مرحلة لاحقة.
ومع اعتلاء جلالة الملك العرش، انطلقت مرحلة اصلاحية واسعة بجرأة غير مسبوقة، تحولت معها الدولة من فاعل تقليدي الى قوة استراتيجية تضع الانسان في قلب المشروع التنموي. وقد نجح المغرب في ظرف سنوات قليلة في بناء اوراش مجتمعية واقتصادية ضخمة: الانصاف والمصالحة كتجربة رائدة قاريا، إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مشاريع الطاقة والطرق والموانئ والمطارات، وتحرير عدد من القطاعات الحيوية. ولان الاتحاد الاشتراكي كان دائما حزبا ذا مرجعية اجتماعية واضحة، فقد وجد في هذه الايقاعات الاصلاحية انسجاما فكريا وسياسيا، واسهم فيها بمواقفه والاجتهادات التي تراكمت عبر تاريخه النضالي الطويل.
وفي قلب هذا المسار، يبرز الدور الوطني للأستاذ ادريس لشكر الذي اضطلع، بمهمة الكاتب الوطني للحزب، بمهمة توجيه الراي العام الوطني داخليا وخارجيا، والدفاع الشرس عن الثوابت الوطنية، وتحصين المكتسبات الديمقراطية، وتقوية موقع المغرب في المشهد الاقليمي والدولي. فقد مثل صوتا اتحاديا وازنا في لحظات دقيقة، وجسد مدرسة في التعبئة الوطنية وفي الدفاع عن الوحدة الترابية وفي ترسيخ خيار الدولة الاجتماعية الملكية القائمة على الانصاف والكرامة والعدالة. مساهماته الفكرية والسياسية شكلت امتدادا طبيعيا لمسار الحزب وتاريخه، وجعلت منه أحد اقوى المدافعين عن المشروع المجتمعي المغربي في صورته الحداثية والوطنية. وحين دعا جلالة الملك الى بلورة نموذج تنموي جديد، لم يكن هذا النداء موجها لتقنيين وخبراء فقط، بل كان دعوة لإعادة تأسيس الدولة على تعاقد اجتماعي جديد، يعيد ترتيب الاولويات ويضع العدالة الاجتماعية في مركز كل السياسات العمومية.
فالنموذج التنموي الجديد لم يأت ليرصد اعطاب الماضي فقط، بل ليحدد بوضوح شكل الدولة التي يتطلع اليها المغرب: دولة عادلة، منصفة، دامجة، فعالة، قادرة على حماية المواطن، وضمان كرامته، وتأمين حاجياته الاساسية دون تردد او بطء. وهنا برز الدور الطبيعي للاتحاد الاشتراكي باعتباره القوة الفكرية والسياسية التي رفعت منذ عقود شعار الدولة الاجتماعية، ودافعت عن المدرسة العمومية والصحة العمومية وحقوق الشغل ومحاربة الفوارق والانصاف المجالي. وفي هذا السياق الوطني، يظل مسار المصالحة مع الريف احد اهم التعبيرات عن ارادة الدولة في طي صفحات التوتر التاريخي وفتح افق تنموي جديد يقوم على العدالة المجالية واحترام الخصوصية الثقافية والحضارية للمنطقة. فالريف، بتاريخ نضاله الوطني ومساهماته في بناء الدولة الحديثة، يستحق اليوم المزيد من الاستثمار في البنيات الصحية والتعليمية والطرقية ودعم المشاريع الاقتصادية المهيكلة وتثمين الرأسمال البشري للشباب. وهي فلسفة انسجمت مع روح تقرير هيئة الانصاف والمصالحة ومع الخطب الملكية التي دعت الى مصالحة حقيقية مع الذاكرة والارض والانسان. وعلى النهج نفسه، يقدم الاتحاد الاشتراكي تصورا واضحا يعتبر الريف جزءا من عمق الهوية الوطنية ومجالا استراتيجيا في بناء الدولة الاجتماعية القائمة على الانصاف واحترام كرامة المواطنين. وبموازاة ذلك، تبرز العناية الملكية الخاصة بالأقاليم الجنوبية باعتبارها ورشا استراتيجيا يجسد التزام الدولة الراسخ بتثبيت الوحدة الترابية وتعزيز التنمية الشاملة.
فقد حقق المغرب في هذه الاقاليم نجاحات كبيرة بفضل النموذج التنموي الخاص بها، والذي حولها في ظرف سنوات الى فضاء للتنمية والاستثمار والربط الافريقي. ولان الاتحاد الاشتراكي حزب وطني في عمق هويته، فقد ظل منخرطا في الدفاع عن مغربية الصحراء وفي دعم الاوراش الاجتماعية والاقتصادية بالأقاليم الجنوبية، ايمانا بان الدولة الاجتماعية لا تكتمل الا بتقليص الفوارق بين شمال البلاد وجنوبها وبين مراكزها واطرافها وبضمان عدالة توزيع المشاريع والفرص داخل وحدة ترابية راسخة لا تقبل التجزئة. واليوم، حين نتحدث عن الدولة الاجتماعية في صيغتها الملكية الجديدة، فإننا لا نتحدث عن برنامج حكومي محدود في الزمان، بل عن توجه استراتيجي شامل يعيد تعريف وظيفة الدولة المعاصرة.
إن الدولة الاجتماعية كما يريدها جلالة الملك هي دولة مسؤولة امام المواطنين، تضمن لهم التغطية الصحية الشاملة والتقاعد والدعم الاجتماعي، وتؤهل المدرسة العمومية، وتعيد الاعتبار للطبقة المتوسطة، وتحارب الهشاشة من جذورها. وهي دولة تربط بين التنمية والكرامة وبين الاستثمار والعدالة وبين النمو الاقتصادي وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وهذا بالضبط من صميم الهوية الفكرية للاتحاد الاشتراكي منذ تأسيسه. لكن التحدي الاكبر اليوم لا يكمن في التشخيص ولا في وضوح الرؤية، بل في أجرأة السياسات العمومية وتحويل الاختيارات الكبرى الى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وهنا يبرز دور الاحزاب السياسية الحقيقية، القادرة لا على التعبئة فقط، بل ايضا على اقتراح البدائل وتقييم السياسات ومساءلة الحكومة وخلق تراكم ديمقراطي مستدام.
إن الدولة الاجتماعية تحتاج الى مؤسسات قوية وحكامة ناجعة ونخب فاعلة وبرلمان يمارس وظيفته كاملة واحزاب تمتلك مشروعا مجتمعيا واضحا. وفي مقدمة هذه القوى يوجد الاتحاد الاشتراكي، الذي راكم خبرة حكومية وتشريعية ورقابية تؤهله ليكون قوة اقتراحية فاعلة في تنزيل التوجيهات الملكية السامية. واذا كان المغرب اليوم مقبلا على منعطف جديد، تتغير فيه التحديات الدولية والاقتصادية والاجتماعية، فان الحاجة ملحة لاستعادة وهج الفعل السياسي الجاد، وتجديد النخب، وتقوية موقع الاحزاب التاريخية التي تمتلك العمق الفكري والقدرة على انتاج مشروع وطني تقدمي متكامل.
‘ن الدولة الاجتماعية ليست شعارا انتخابيا، بل هي عمل يومي ورؤية استراتيجية ومشروع جماعي يحتاج الى احزاب لها ذاكرة وتاريخ وجرأة واخلاص لقيم العدالة والحرية والمساواة. والاتحاد الاشتراكي، بما يحمله من ارث فكري ونضالي عابر للأجيال، مؤهل ليكون شريكا أساسيا في هذا التعاقد الوطني الجديد. ان المغرب يقف اليوم على اعتاب مرحلة ثانية من تحولاته الكبرى بقيادة جلالة الملك، عنوانها تفعيل النموذج التنموي الجديد وتأسيس الدولة الاجتماعية واعادة توجيه السياسات العمومية نحو الفعالية والانصاف. وهذا التحول يحتاج الى قوى سياسية تقدمية مسؤولة تستوعب عمق التحولات العالمية وتدرك حساسية اللحظة الوطنية وتؤمن بان مستقبل المغرب يتطلب شجاعة فكرية وجرأة سياسية ووفاء لقيم النضال الديمقراطي. والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بما يحمله من تاريخ مشرف وبما راكمه من تجربة وتضحيات، مدعو اليوم الى استعادة المبادرة والانخراط القوي في مواكبة هذا التحول الوطني الاستراتيجي الذي يرسمه جلالة الملك من أجل مغرب أكثر عدلا وإنصافا وازدهارا.
بهذه الروح، يظل المسار الممتد من زمن التناوب إلى أفق التعاقد الوطني لبناء الدولة الاجتماعية ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو قصة وطن يسير بثبات نحو المستقبل، وقصة حزب ظل دائما في قلب المعارك الاجتماعية والديمقراطية، وقصة تعاقد جديد يعيد تعريف معنى الدولة ومعنى السياسة ومعنى العدالة. وبقدر ما نجح المغرب في بناء نموذج استثنائي في الاستقرار والإصلاح، بقدر ما يملك اليوم فرصة لصياغة نموذج اجتماعي متقدم يضع الانسان في صلب التنمية وينسجم تماما مع الرؤية الملكية السامية ومع المشروع الاتحادي الذي لم يفقد بوصلة النضال ولا روحه الإصلاحية.

*عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

الكاتب : سعيد الخطابي* - بتاريخ : 28/11/2025