الاقتصاد غير المهيكل في المغرب: أربع سنوات من اتساع الفوضى وتراجع الدولة تحت حكومة التغوّل
محمد السوعلي*
شهد المغرب خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024 توسعًا غير مسبوق للاقتصاد غير المهيكل، في وقت تمتلك فيه الحكومة أغلبية مريحة وأدوات مؤسساتية ومالية كان من المفترض أن تُوظَّف في اتجاه تعزيز الدولة الاجتماعية وتقوية الاقتصاد المهيكل. غير أن المعطيات المتاحة ترسم صورة مغايرة؛ إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن الاقتصاد غير المهيكل، بمفهومه الواسع، يمثل ما بين 28% و33% من الناتج الداخلي الخام بحسب قاعدة بيانات البنك الدولي حول الاقتصاد غير المهيكل، وما أوردته دراسة حول القطاع الخاص بالمغرب ، فيما يؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، استنادًا إلى معطيات بنك المغرب لسنة 2018، أن هذا الاقتصاد يمكن أن يصل إلى 30% من الناتج الداخلي الخام في بعض التقديرات الوطنية
وعلى مستوى التشغيل، تشير تقارير وطنية إلى أن الاقتصاد غير المهيكل يشغّل أكثر من 40% من الساكنة النشيطة، بل إن بعض الآراء التقييمية تتحدث عن نطاق يتراوح بين 60% و80% من الساكنة النشيطة حسب المقاربات المعتمدة لتعريف “الاقتصاد غير المهيكل». أما من حيث الخسائر المباشرة، فتُقدَّر الخسائر الجبائية الناجمة عن انتشار المعاملات غير المصرح بها بحوالي 34 مليار درهم سنويًا، وفق مراجعة صحفية مبنية على معطيات منشورة في اليوميات الاقتصادية الوطنية
في المقابل، تُظهر المعطيات الكلاسيكية للمندوبية السامية للتخطيط، استنادًا إلى “البحث الوطني حول القطاع غير المهيكل 2013–2014”، أن الوحدات الإنتاجية غير المهيكلة، وفق تعريف إحصائي أكثر ضيقًا، ساهمت بنحو 11% من الناتج الداخلي الخام وقرابة 28.7% من مناصب الشغل المحدثة خلال تلك الفترة يوضح هذا التفاوت أن حجم الاقتصاد غير المهيكل يتغير باختلاف مقاربات القياس، لكنه يظل في جميع الحالات كتلة وازنة داخل البنية الاقتصادية الوطنية.
تُطرح، بناءً على ذلك، إشكالية مركزية:كيف تحوّل الاقتصاد غير المهيكل من ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالهشاشة إلى بنية اقتصادية موازية تُضعف قاعدة الجباية، وتُقوِّض موقع الاقتصاد المهيكل، وتكشف عن تراجع واضح في الوظيفة التنظيمية للدولة خلال السنوات الأخيرة؟
يقوم الاقتصاد المهيكل، في أبسط تعريفاته، على ثلاث ركائز:الامتثال الضريبي، واحترام قواعد الشغل، والخضوع لآليات المحاسبة والرقابة.غير أن الأداء الحكومي خلال الفترة 2021–2024 أظهر تراجعًا متدرجًا في هذه الركائز، سواء من حيث كثافة المراقبة الميدانية، أو من حيث قدرة الإدارة الجبائية والرقابية على تتبع مسارات الإنتاج والتوزيع.
انكماش حضور الدولة في الأسواق، وتراجع وتيرة الفحص الضريبي والمراقبة التجارية، وغياب أدوات فعالة لتتبع مسالك القيمة المضافة، كلها عوامل جعلت الكلفة المتوقعة لمخالفة التدابير التي ينبغي التقيد بها شبه منعدمة، في حين ظلت كلفة الامتثال — من ضرائب ورسوم وإجراءات وتكاليف اجتماعية — مرتفعة بالنسبة للوحدات المنظمة. بهذه الطريقة تشكل تدريجيًا “ميزان مقلوب”:من يلتزم بالقانون يتحمل كامل الأعباء، ومن يشتغل خارج المنظومة القانونية يفلت من جزء كبير من الكلفة، بما فيها تلك المرتبطة بالجباية وبالحماية الاجتماعية.
في هذا السياق، تصبح الأرقام المتعلقة بالخسائر الجبائية (حوالي 34 مليار درهم سنويًا) ليست مجرد معطى مالي، بل مؤشرًا على ضعف فعلي في قدرة الدولة على تحصيل حقوقها الجبائية من جزء واسع من الدورة الاقتصادية. وهنا يتجاوز الأمر بعده المالي ليطرح سؤالًا حول مدى قدرة الدولة على فرض قاعدة “الجميع أمام القانون سواء” في المجال الاقتصادي.
تزامن تمدد الاقتصاد غير المهيكل مع ارتفاع ملموس في معدل البطالة، الذي تجاوز في بعض الفترات 13% على المستوى الوطني، مع نسب أعلى في صفوف الشباب الحضري قاربت أو تجاوزت 35%، وفق تقارير وطنية ودولية حول سوق الشغل بالمغرب.
في غياب مسارات حقيقية للإدماج المهني، خصوصًا للشباب وحاملي الشهادات، ومع محدودية وقع برامج دعم المقاولة الصغيرة والمتوسطة و”المقاول الذاتي” — حيث لم تصل نسبة مهمة من القروض المعلن عنها إلى الفئات المستهدفة فعلًا — أصبح الالتحاق بأنشطة غير مهيكلة خيارًا شبه قسري لفئات واسعة.
تُضاف إلى ذلك الضغوط المرتبطة بتدهور القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، ما جعل السلوك الاقتصادي للأسر يميل إلى البحث عن السلع والخدمات الأقل ثمنًا، حتى لو كانت تأتي من قنوات غير منظمة. وبهذا الشكل، يتحول الاقتصاد غير المهيكل إلى حلٍّ اجتماعي مؤقت بالنسبة للمستهلك (باعتباره يبحث عن الأسعار المنخفضة)، وإلى حلٍّ ظرفي للبقاء بالنسبة للعامل أو الوحدات الإنتاجية الصغيرة (باعتبارها تهرب من كلفة الامتثال)، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر على المدى المتوسط والبعيد.
لا يمكن قراءة توسع الاقتصاد غير المهيكل بمعزل عن منسوب الثقة في الدولة ومؤسساتها.
فالتقارير الوطنية والدولية حول سوق الشغل والجباية بالمغرب تُجمِع على أن حجم الاقتصاد غير المهيكل يقوِّض الإنتاجية ويُضعف القاعدة الجبائية ويترك فئات واسعة خارج أي حماية اجتماعية
من جهة الفاعلين الاقتصاديين، العديد من المقاولات الصغيرة والمتوسطة تعتبر أن عبء الامتثال مرتفع مقارنةً بما تحصل عليه من خدمات عمومية أو مواكبة، وبالتالي يتولد لديها إحساس بعدم التوازن بين “ما تدفعه للدولة” و“ما تحصل عليه منها”.
ومن جهة الأفراد، يساهم تكرار إجراءات استثنائية من قبيل عمليات العفو الضريبي أو التسوية الطوعية في تكريس تصور مفاده أن “الانتظار وعدم التصريح قد يكونان أكثر فائدة من الالتزام المبكر”، كما أظهرت ذلك عملية العفو الجبائي لسنة 2024، التي كشفت عن حجم مهول من الثروات غير المصرح بها تم تقديره بحوالي 100 مليار درهم من الأصول المخبأة
هذه الممارسات تخلق ديناميكية معقدة:
المقاولة الملتزمة تشعر بأنها “تُعاقَب” مقارنة بغير الملتزمة؛
الفاعل غير المهيكل يراكم شعورًا بأن المخاطرة ضعيفة
والمواطن العادي يتردد في الثقة في جدوى الامتثال الطوعي.
ونتيجة لذلك، يتحول الاقتصاد غير المهيكل إلى تجسيد ملموس لتآكل العقد الجبائي والاجتماعي الذي يفترض أن يربط المواطن والدولة ضمن أفق من العدالة والإنصاف.
على مستوى الخطاب، قدّمت الحكومة برامج متعددة: إدماج الحرفيين، تبسيط مساطر المقاولة، الرقمنة الشاملة، إصلاح النظام الجبائي في اتجاه العدالة، وتثمين سلاسل القيمة في مجالات التجارة والخدمات والصناعة التقليدية.
لكن التقييم الموضوعي يظهر أن الانتقال من مستوى الإعلان إلى مستوى التنفيذ ظل محدودًا؛ إذ لم تُواكَب هذه البرامج بإصلاحات عملية في ضبط مسالك التوزيع، وتخفيض كلفة الامتثال، وتوجيه الحوافز نحو الاقتصاد المهيكل.
وتبرز هنا أهمية المعطيات التي يقدمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والذي ينبه في تقاريره إلى أن الاقتصاد غير المهيكل، بالمعنى الواسع، “ظاهرة مستدامة ومقلقة”يمكن أن يصل وزنها، كما سبقت الإشارة، إلى حوالي 30% من الناتج الداخلي الخام، مع ما يترتب عن ذلك من أثر على العدالة الجبائية وعلى تمويل الخدمات العمومية
هذا التباين بين قوة الخطاب وحدود التنفيذ يجعل من الاقتصاد غير المهيكل نتاجًا بنيويًا لا مجرد عرض جانبي؛ فهو يتغذى من اختلالات الحكامة، ومن بطء الإصلاح، ومن غياب رؤية مندمجة تعالج جذوره الاقتصادية والاجتماعية والقانونية في آن واحد.
عند تجميع هذه العناصر، يتضح أن الاقتصاد غير المهيكل لم يعد “هامشًا” يمكن إصلاحه بتدابير ظرفية، بل أصبح بنية اقتصادية موازية تتقاطع مع مجالات الإنتاج والتوزيع والتشغيل والتمويل.ولذلك، فإن تأثيره يتسبب في ضياع أزيد من 34 مليار درهم من المداخيل الجبائية سنويًا إلى:
إضعاف المنافسة الشريفة، إذ يعمل جزء من الفاعلين بكلفة اجتماعية وضريبية كاملة، بينما يفلت جزء آخر من معظم هذه الالتزامات؛
عرقلة الاستثمار المنتج، لأن غموض قواعد اللعبة وتشوش السوق يقللان من جاذبية الاستثمار طويل الأمد؛
تقويض منظومة الحماية الاجتماعية، التي تقوم بالأساس على التصريح بالمداخيل والانخراط في أنظمة التغطية؛
تشويه مؤشرات النمو والإنتاجية، لأن جزءًا معتبرًا من النشاط الاقتصادي لا يدخل في القياس المحاسبي الكامل؛
وتوسيع الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والمجتمع، حيث تتشكل عوالم اقتصادية يومية لا تمر عبر القنوات المؤسساتية المعروفة.
بهذا المعنى، يصبح التحكم في الاقتصاد غير المهيكل شرطًا لبناء الدولة الاجتماعية وليس نتيجةً لها؛ فالدولة التي لا تملك القدرة على تنظيم اقتصادها وإحكام قواعده لن تستطيع ضمان ديمومة تمويل سياساتها الاجتماعية ولا حماية فئاتها الهشة.
تكشف التجربة المغربية خلال الفترة 2021–2024 أن تمدد الاقتصاد غير المهيكل ليس ظاهرة تقنية قابلة للمعالجة الجزئية، بل هو مؤشر مركب على هشاشة الدولة التنظيمية، وتراجع الثقة، وضبابية العلاقة بين الخطاب الإصلاحي والفعل العمومي.
والأرقام المتعلقة بحجم هذا الاقتصاد — ما بين ربع وثلث الناتج الداخلي الخام، وخسائر جبائية تقارب 34 مليار درهم سنويًا، ونسب تشغيل مرتفعة في أنشطة غير مهيكلة — توضح أن الأمر يتعلق بتحول بنيوي يمس أسس النموذج التنموي ذاته
من هذا المنظور، تصبح إعادة التوازن رهينة باعتماد مقاربة مندمجة تقوم على:
تخفيض عقلاني ومدروس لكلفة الامتثال،رفع ملموس لكلفة مخالفة التدابير التي ينبغي التقيد بها،ربط الإصلاح الجبائي بالعدالة الاجتماعية،إدماجٍ تدريجي ومواكَب للوحدات غير المهيكلة،واستعادة الدولة لدورها كفاعل منظم، لا كمتفرج على مسار لا يتحكم فيه.
فالاقتصاد غير المهيكل، كما تكشف الأرقام، ليس مجرد “اقتصاد للفقراء”، بل اقتصاد لفراغ التنظيم، ومرآة لحدود الفعل العمومي.والتعامل معه يظل، في جوهره، اختيارًا سياسيًا قبل أن يكون وصفة تقنية.
الكاتب الإقليمي للحزب – تطوان وعضو المجلس الوطني
الكاتب : محمد السوعلي* - بتاريخ : 01/12/2025

