الانخراط في عملية التغيير والمشاركة الاجتماعية وبث الأمل، في ذكرى محمد الحيحي

n د. جمال المحافظ

تحل في 11 شتنبر 2021 الذكرى 22 لرحيل السي محمد الحيحي، (1928-1998) أحد رواد الحركة التطوعية والتربوية والحقوقية، الذي مع مرور السنوات، تؤكد الأحداث التحولات المجتمعية، رجاحة طروحاته التربوية والحقوقية، والحاجة الماسة في الطرف الراهن الى استعادة تجاربه الرائده واستلهام القيم التي ناضل قيد حياته من أجل غرسها في شباب وأطفال مرحلة صعبة.
ليست الغاية فقط هنا استرجاع الماضي، للوقوف عنده، والاكتفاء بالتأمل الديكارتى عن فرص ضائعة، بل جعل هذه الذاكرة الوطنية، ذاكرة حية، لاستحضار معانى الوفاء والاعتراف، تتجاوب مع أسئلة الراهن بقلقها كن بعنفوانها أيضا،بخصوصيات قضاياها التي أثرت على توجهات واهتمامات الرأي العام ومن ضمنه فئات الشباب، سيما إذا كانت تختلف جذريا عما كان سائدا ما بين ستينيات وتسعينات القرن الماضي، إلا أن التجارب المشرقة في تاريخنا، يمكن أن تسعف في أن تكون نبراسا من أجل بناء المغرب الجديد، وحفظ ذاكرته ، لأن « من لم ينظر لماضيه ، لا مستقبل له»، كما ظل يردد ونستون تشرشل الوزير الأول البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية.

فمن هو محمد الحيحي إذن؟

لربما لا يعرف الجيل الجديد، الكثير عنه، كما هو شأن بالنسبة لرموز وطنية أخرى، بيد أنه من الصعب إيجاد جواب واحد عن هذا الرجل في محمد الحيحي، بحكم تنوع مجالات انشغالاته في المجالات السياسية والتربوية والحقوقية والجمعوية، لكنها، تتفق على انه كان المفرد بصيغة الجمع، فهذا مثلا الفاعل الحقوقي والتربوي الأستاذ محمد سكتاوي، يقول في شهادة خاصة بالمناسبة، أنه حينما يفتح الباحث سجل تاريخ المغرب الحديث لمعرفة مساراته وأحداثه ورجالاته، لابد أن يصادف حالة إنسانية فريدة من نوعها ، متميزة في روحها، متفردة في هويتها، هذه الحالة اسمها محمد الحيحي كانت لها بصمة خاصة وسمت حياتنا السياسية والثقافية بطابع خاص لا يزول، عرف المغرب رجالات كبارا قادوا حركة التحرر الوطني وبرزوا كزعماء على المستوى الوطني والإقليمي والدولي وصاروا رموزا في القارات الثلاثة التي عرفت نير الاستعمار والاضطهاد وطمس الهوية أمثال الملك محمد الخامس وعلال الفاسي والمهدي بنبركة.

غرس شتائل ثقافة المواطنة من خلال تربية الإنسان ضمن منظور إنساني كوني

وإذا كان هؤلاء استغرقهم النضال السياسي والتحرري وبناء الدولة الوطنية المستقلة، يوضح السكتاوي الفاعل الحقوقي والتربوي، فإن محمد الحيحي اختار هدفا نبيلا آخر سعى إليه وركز عليه وأفنى حياته من أجل تحقيقه وهو بناء القاعدة التي يجب أن يقوم عليها المعمار الوطني المستقل،وهو الإنسان ،فاتجه مبكرا إلى غرس شتائل وبذور ثقافة المواطنة والتضامن من خلال تربية الإنسان ضمن منظور إنساني كوني رحب، يشمل قيم ومبادئ حقوق الإنسان والإحساس بوجود الآخرين واحترام  كرامتهم واحتياجاتهم.
ذلك هو الدرس الكبير الذي تعلمه وهو يشارك بكل عنفوانه وحماسه في شق طريق الوحدة عام 1957 إلى جانب الشهيد المهدي بنبركة وهو ورش شكل أول مدرسة وطنية لتربية الشباب على المواطنة والتطوع خدمة للناس والوطن ،هذا الدرس الذي سيعمل الحيحي على ترجمته على الأرض بحشد الجهود  لتطوير العمل الشبابي التطوعي الذي انبثق في أتون مواجهة الحماية وتأسيس الجمعية المغربية لتربية الشبيبة في ماي 1956.
قاد محمد الحيحي هذا الورش التربوي والتطوعي باقتدار كبير وتفان قل نظيره ، وبرزت ملكاته التعليمية الفريدة، واكتملت فيه شخصية المربي المُلهم، ما يجعلنا نطلق عليه بدون غلو «المعلم الأول» تخرج من مدرسته خيرة رجالات الدولة وأطر كبيرة في مختلف المجالات، أعطى بسلوكه وهدوئه وعفة لسانه وإحساسه الإنساني المرهف، القدوة والمثال لرجل الحكمة والأخلاق والتوافق، يوضح الأستاذ السكتاوى.

«المعلم الأول» والقدوة والمثال لرجل الحكمة والأخلاق والتوافق

أما الأستاذ العيادى الحنبالى القيادي السابق بجمعية لاميج والذي جاور الحيحي بالمكتب المركزي بهذه المنظمة التي أسسها الشهيد المهدي بن بركة، يقول بدوره في بوح خاص، إن الراحل محمد الحيحي كان يتحلى بالعديد من الخصال، جعلته يحظى  باحترام الجميع بما فيهم الخصوم. وقال «يمكن أن نلخص هذه الصفات الإنسانية لدى الفقيد في مبادئ النزاهة والصدق والتطوع والعمل البناء لفائدة الآخرين، وخاصة منهم شباب وأطفال، فضلا عن التسامح مع حريصه الشديد على المراجعة والنقد الذاتي.
ويعدد العيادى الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي الأسبق، خصال الفقيد، منها على الخصوص حرصه الشديد على الوضوح والتفاني فى العمل، ترجمه عمليا خلال قيادته لجمعية لاميج، علاوة على التحلي بالشجاعة، وممارسته للسياسة لكن بأخلاق وهي المبادئ التي لم يتزعوع عنها حتى إبان الفترات الصعبة التي مرت بها البلاد، فضلا عن قدرته الاستثنائية، يعترف بها من جايلوه من مختلف التوجهات والمواقع ، على قراءة وتحليل القضايا الكبرى للبلاد بطريقة أكثر علمية، بعيدًا عن الخطب المتغطرسة والاستفزازية.

تطوير ملكات الحوار الهادئ والرصين، والحرص على العمل الجماعي

كما كان يتحلى خلال بسطه لهذه القراءات، بكثير من الهدوء والرصانة الفكرية، علما أنه لم يكن هادئا في دواخله، وذلك حرصا منه على تطوير ملكات الحوار الهادئ والرصين، علاوة على حرصه على العمل الجماعي بلورها خلال قيادته لجميعة لاميج، حينما جعلها منظمة شبابية مفتوحة ، بغض النظر عن الانتماء السياسي، أو الأيديولوجي أو أي انتماء آخر للأعضاء، مع قدرة ناذرة على  الاستماع وتشجيع العمل الجماعي (التفكير في المشروع والمشاركة في إنجازه) ، … ؛ دفاعه المستمر لكي تظل
وجه آخر يكشف عنه الأستاذ الحنبالي يتمثل في تشبعه بحس وحدوي، توجهه بتأسيس اتحاد المنظمات المغربية التربوية سنة 1991، بهدف تنفيذ برامج عمل تربوية كبرى مشتركة، والترافع على قضايا الكفولة والشباب، فهذا الحس الوحدوي ساهم مساهمة فعالة، على تجميع وتوحيد الجمعيات القريبة نسبيًا من لاميج، ومن خلالها جميع المكونات الديمقراطية في البلاد.
ولم يتردد الحنبالي في القول: «بدون مبالغة يمكنني أن أعتبر محمد الحيحي مناضلا – مربيا ومربيا مناضلا، لقد كان معلما صوفيا، ومعارضا نبيلا في السياسة، كما في نضاله في الميدان الحقوقي والتربوي، لم يكن حاقدا أبدا على خصومه، كان متمسكا بالأمل، لم يمل من استنهاض همم الشباب المغربي حتى آخر يوم في حياته، كان محترما من طرف الجميع لأنه كان مناضلا وحدويا حتى النخاع».

الحاجة الى الصدق ونظافة تفكير وأيد حتى لا ينهار صرح العمل التطوعي

وتحت عنوان «حتى لا ينهار صرح العمل التطوعي» اختار الفاعل المدني والحقوقي بوشعيب دو الكيفل أن يدبج شهادته المهداة إلى» روح الراحل محمد الحيحي وأمثاله ممن أسسوا وأطروا العمل الجمعوي التطوعي في البلاد بصدق ونظافة تفكير وأيدٍ موضحا أن العمل الجمعوي التطوعي ممارسة ذات أبعاد تأطيرية تربوية اجتماعية وذات حمولات مختلفة، وإن كان الهدف المرتجى منها أساسا خدمة قضية أو قيم أو اختيارات تروم تحقيق أهداف جماعية لفائدة الفئات المستهدفة أو المنخرطة في العملية برمتها.
وأضاف دو الكيفل في شهادته التي اختار ان يربطها براهن العمل الجمعوي بين زمنين، وأفاقه، انه دون الدخول في مسألة التحديد الكمي لعدد الجمعيات في بلادنا والقيمة النوعية المُضافة في هذا الإطار ، فإن هذه الممارسة ليست جديدة، وعدد الواقفين خلفها ومحتضنوها كانوا قلة في بداية الاستقلال بلادن،ا حيث خلد التاريخ المغربي ذكرى أشخاص (ذكورا وإناثا) ممن قادوا التجربة واحتضنوها ورعوها ومنحوها من وقتهم وجهدهم الشيء الكثير، لاحتضان ولرعاية تجارب جمعوية رائدة احتضنت وأطرت المئات، بل الآلاف، ممن ترعرعوا أطفالا في كنف جمعيات وتحولوا إلى طاقات جمعوية ساهمت في بناء أجيال، ويحفظ تاريخ المغرب (الرسمي منه وغير الرسمي) ذكراهم، بل يخلدها دوريا ويخلق مناسبات لاستذكار ممارسات فضلى وإبداع صادق العرفان لأفراد قادوا تجارب نوعية تركت آثارها في نفوس أجيال وتراكمات فئات. ومن هؤلاء الراحل محمد الحيحي، أحد رواد الحركة الجمعوية، التربوية والحقوقية.

الأمل في استحضار القيم النبيلة والروح الوطنية

ويرى أن الأمل معلقُ على استحضار القيم النبيلة التي قادت نساء ورجالا مفعمين بالروح الوطنية وبالقيم النبيلة لرئاسة وتدبير شؤون جمعيات مواطِنة، ناضلت وتناضل حقيقة في المجالات التي تشتغل فيها وتصمد أمام المضايقات والإغراءات والانحرافات، متشبثة بقيم العمل الجمعوي الصرف وفلسفته ومراميه الراقية والنبيلة، التي حمتها تضحيات مناضلات ومناضلين شرفاء على مر الأزمان والعقود، جمعيات تحترم الممارسة الديمقراطية وتؤسس لها بإصرار وصمود ونكران ذات، ومن ضمنهم الراحل «محمد الحيحي» .

محمد الحيحي أيقونة العمل الجمعوي والنضال التربوي

لم تذهب مجهودات الراحل الحيحي قيد حياته سدى، لأن الأجيال التي أطرها، ما زالت تقاوم، في ظل وضع صعب، من أجل حفظ ذاكرته حية، حيث تمكنت هذه الفعاليات من أجيال متعددة من تأسيس «حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي،» سنة 2010، كما يؤكد عثمان مخون رئيس هذه الاطار المدني، والذي أشار الى أن حلقة الوفاء باستمراريتها لهذه الفترة، تؤسس في الحقيقة لتجربة فريدة ونوعية ولتقليد محمود في الممارسة الجمعوية، ديدنها وأن تأصيل قيمة الوفاء والاعتراف والإخلاص للرواد الأوائل من القيادات التاريخية لحركة الشباب الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل نهضة الأمة المغربية  ومن أجل انعتاق شبابها وأطفالها من براثين التخلف والجمود الفكري، وعلى رأس هؤلاء المربيين الاستثنائيين والقادة التاريخين الراحل محمد الحيحي أيقونة العمل الجمعوي والنضال التربوي خلال النصف الثاني من القرن الماضي.
ويوضح مخون أن الذين فكروا في حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي جلهم من تلاميذ الراحل حتى لا أقول كلهم من مريديه الأوفياء الذين خبروا المعدن الأصيل للرجل وخبروا المحن التي عانى منها والمعاناة التي تجشمها دفاعا عن حق الشباب والأطفال في التربية والحق في المخيمات الصيفية، وعن حقهم في تعليم عمومي جيد، هو الذي أدى ضريبة نضاله من أجل ذلك.

الحاجة لحفظ ذاكرة محمد الحيحي حية
في الألفية الثالثة

وتكريسا لثقافة الاعتراف، عملت «حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي»، منذ تأسسيها في تسليط الضوء على محطات من تاريخ محمد الحيحي خاصة في مجال الحركة التطوعية وميدان التربية والمشاريع الاجتماعية الكبرى فضلا نضاله الحقوقي، وعلاقاته الانسانية ،التي عايشنا جزء منها – يقول عبد المغيت المحافظ الكاتب العام للحلقة – خصوصا داخل الجمعية المغربية لتربية الشبيبة.
ويتفق كلا من العيادى الحنبالى ومحمد السكتاوى وعثمان مخون بوشعيب دو الكيفل وعبد المغيت المحافظ المحافظ ، على أن الحاجة ماسة في الألفية الثالثة، إلى حفظ ذاكرة محمد الحيحي حية، منها قول الأستاذ الحنبالى، « الان ، كم نحن في حاجة لخصال الراحل محمد الحيحي الذي فهم بشكل مبكر أن  الإشكالية الأساسية لمجتمعنا ولنظام الحكم، تتجلى في مشاكل التعليم والتكوين والحماية الاجتماعية والعمل التربوي وهو ما جعله يكرس كل حياته لمكافحة  الفيروس العالمي المسمى فيروس الجهل.

تفعيل قرار اطلاق اسم الحيحي على إحدى المؤسسات التربوية
أو الثقافية

وإذا كان مخون قد أكد بأن لحلقة جاءت لتكرس قيم الوفاء والعرفان والاعتراف بالمكانة التي كان ولايزال الفقيد محمد الحيحي يحظى بها داخل الوسط الجمعوي والحقوقي، فإن الحفاظ على عمل جمعوي تطوعي نقيٍ وهادفٍ لخدمة الصالح العام لكافة المواطنات والمواطنين وللوطن، لن يتأتي – وفق دو الكيفل – إلا عبر إعمال القانون في وضع حدٍ لهذا الريع السرطاني الذي لا ينخر مقومات العمل الجمعوي فحسب، بل ينخر قيم المجتمع ويهدمها ويسمم إحدى أهم خلاياها التي هي الجمعيات، مثلما يلتهم السرطان خلايا الجسم البشري ويقوده إلى لقاء حتفه. ولن يتحقق ذلك إلا إذا تم إعمال مسألة المحاسبة وبكافة آلياتها.
إن حلقة حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي، مازلت تطالب باعطاء هذه الشخصية المتفردة المكانة التي تستحقها وابراز نضالاتها على المستويات السابقة الذكر. وتنفيد الوعود بإطلاق اسم الفقيد على إحدى المؤسسات التربوية او الثقافية الكبرى. وأن اخد العبر من اعماله، مع مواصلة الطريق الذي آمنا به معه والتي مازالت هي الكفيلة بتكوين شبابنا وتطوير وطننا، يختتم المحافظ كلامه.
ربما الحيحي هو الآن في عليائه يرقبنا ماذا سنفعل، وكما كان في حياته لا يحب المديح وأناقة الكلام ورنين الخطابة ،فإنه بالتاكيد لاينتظر منا أن نرمي عليه الورود  فهو في غنى عن ذلك فقد كان بستانيا يزرع  الشجرْ والورود أينما حل وارتحل ، سيسألنا :الآن والمغرب يمر بظروف صعبة ماذا تفعلون؟، إن أحسن ما يرضيه  في إحياء ذكرى غيابه
أن ننخرط بكل قوانا في عملية البناء والتغيير والمشاركة الاجتماعية وبث الأمل في صفوف الشباب، يختتم بها الأساذ السكتاوى شهادته المفعمة بقيم الاعتراف والوفاء.

الكاتب : n د. جمال المحافظ - بتاريخ : 13/09/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//