التغطية الصحية تتوسع، الخدمات تتراجع… فكيف تعيد منظومة التعاضد التوازن بين الحق في التأمين والحق في العلاج؟
محمد السوعلي*
إذا كانت الحكومة تتباهى بتوسيع التغطية الصحية، فكيف نفسّر انهيار الخدمات؟ وإذا كانت تتحدث عن الدولة الاجتماعية، فكيف تُدار الصحة بمنطق المؤشر الرقمي بدل منطق الحق في العلاج؟ وإذا كانت التوجيهات الملكية واضحة في تقوية المنظومة الصحية والحماية الاجتماعية، فكيف لحكومة ذات نزعة ربحية نيوليبرالية أن تضمن ركائز الدولة الاجتماعية وهي عاجزة حتى عن تنزيل الإصلاحات الأساسية في الصحة والتعليم والسكن والشغل؟ مما يجعل التساؤل مشروعا حول قدرة الحكومة على استيعاب كنه مفهوم الدولة الاجتماعية، وحول مدى توفر أعضاءها عى إرادة حقيقية في اتخاذ كافة التدابير التي من شأنها إفساح المجال لتحققها، علما أن لديهم نزوعات نيوبرالية واضحة، دون إغفال حرص بعضهم على الاستفادة من مواقعهم لتحقيق أرباح في تحد صارخ لمبدا اجتناب تعارض المصالح.
إن ما نعيشه اليوم هو اتساع غير مسبوق في توفير التغطية الصحية على الورق، يقابله تقلّص فعلي في القدرة على العلاج، وتفاقم للاختناق داخل المستشفيات، واستفحال الأعطاب البنيوية في منظومة التعاضد، سواء في صناديق التأمين الاجتماعي أو في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب ارتباك مقلق في تنزيل القانون الإطار 06.22 الذي قُدِّم عل أساس أنه يشكل الانطلاقة نحو إصلاح تاريخي للمنظومة الصحية. بعيدا عن الخطابات االباردة، يكشف الواقع مسافة شاسعة بين الوعود والتطبيق، وبين النصوص المتقدمة والقدرة الفعلية للمنظومة على تقديم خدمات صحية لائقة للمواطنين.
اولا: تغطية صحية تتضخم… وعلاج يختنق
تشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض تجاوز 32 مليون مغربي سنة 2025، أي ما يعادل 88% من السكان. ويُسوّق هذا الرقم بوصفه انتصاراً للدولة الاجتماعية، لكنه في الحقيقة يخفي إحدى أكبر المفارقات الصحية في تاريخ البلاد: تغطية صحية تتوسع على الورق مقابل قدرة علاجية تذبل على الأرض، وسردية حكومية مليئة بالدعاية الرقمية لا علاقة لها بما يعيشه المواطن في المستشفى والمركز الصحي.
فحامل بطاقة التأمين لا يحصل على خدمة، بل على موعد يمتد من ثلاثة أشهر إلى تسعة، وعلى أقسام مستعجلات تغرق تحت الضغط، وعلى غرف جراحة متوقفة بسبب ندرة الأطر والتجهيزات، وعلى منظومة صحية فقدت قدرتها على الاستجابة للحاجيات الأساسية. الطاقة الاستشفائية لا تتجاوز 0.9 سرير لكل ألف نسمة، في بلد يُفترض أن يبلغ الحد الأدنى فيه 3 أسرّة، وعدد الأطباء لا يتعدى 7 لكل عشرة آلاف مواطن، في حين أن الحد الأدنى لضمان الولوج المتوازن هو 15 طبيباً.
والأدهى من ذلك أن 44% من المصاريف الصحية تؤدى مباشرة من جيوب الأسر، في حين أن المستوى المقبول دولياً لا يتجاوز 20%. أي أن المواطن “المؤمَّن” يمول مرضه بنفسه، ويتحمل فاتورة الفشل الحكومي في بناء منظومة علاجية قوية.
وتبلغ المسرحية ذروتها عندما نعلم أن أكثر من 90% من مصاريف التعاضديات تتجه نحو القطاع الخاص، بينما المستشفى العمومي يعمل برئة واحدة وببنية متآكلة، وكأنه خارج أي رؤية إصلاحية. هكذا يتحول التأمين الصحي إلى وثيقة بلا مضمون، وإلى وعد حكومي بلا أثر، وإلى واجهة رقمية تخفي انهياراً عميقاً في قدرة الدولة على ضمان أبسط حقوق المواطن.
ما يحدث اليوم ليس مجرد عجز في تدبير مجال الصحة، بل إفلاس في تدبير الحق الدستوري في العلاج، وانتصار لمنطق السوق على منطق الدولة، وفشل حكومي صارخ في تحويل ورش الحماية الاجتماعية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن حين يطرق باب أي مستشفى عمومي.
ثانياً: إصلاح قانوني طموح… وتنزيل مرتبك يزيد هشاشة المنظومة
القانون الإطار 06.22 صُمّم ليكون العمود الفقري لإصلاح المنظومة الصحية، عبر توحيد التخطيط، وتأطير الخريطة الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية. غير أنّ تنزيله جرى في واقع إداري ومهني مرتبك، ما جعل الورش يفقد بوصلته منذ اللحظة الأولى. وتُجسّد جهة طنجة تطوان الحسيمة اليوم الصورة الأكثر وضوحاً لهذا الارتباك؛ فالأطر الصحية تتحدث عن غياب شبه تام للتواصل المؤسساتي، وتعطل المسارات المهنية، والتأخر في صرف المستحقات، وضبابية تحيط بمستقبل الموارد البشرية، إضافة إلى تجميد المراسيم التنظيمية الخاصة بالمراكز الاستشفائية الجهوية والوضع القانوني للموظف الصحي.
هذا الوضع ليس تفصيلاً عابراً، بل يمثل خللاً بنيوياً في قيادة الورش الإصلاحي. فبدون هيئة عليا للصحة تمارس صلاحياتها كاملة في التخطيط والمراقبة والتقييم، وبدون خريطة صحية إلزامية تُحكم توجيه الموارد، سيظل تنزيل الإصلاح متعثراً، وسيبقى المريض هو الضحية الأولى لقرارات تُتخذ قبل التخطيط لا بناءً عليه. وتجربة تنزيل المجموعات الصحية الترابية في جهة طنجة تطوان الحسيمة—بوصفها جهة تجريبية—تكشف حجم الاختلالات التي رافقت الانطلاقة، وهو ما أكدته النقابة الوطنية للصحة العمومية (ف د ش) في بيانها الذي حذّر من حالة احتقان متصاعدة وغياب رؤية واضحة للورش برمته.
ثالثاً: تقوية التعاضد على الورق… يقابله ضعف المنظومات الاستشفائية في توفير العلاجات الضرورية
تاريخياً شكّلت التعاضديات رافعة أساسية للتضامن الصحي في المغرب، إذ ارتفعت مداخيل التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية من 18 إلى 41 مليار سنتيم خلال أقل من عشر سنوات، بما يعكس حجم الفئات المنخرطة وقوة الإمكانيات المالية الموضوعة نظرياً في خدمة المؤمنين. غير أن هذا الوزن المالي الكبير لم يتحول إلى أثر اجتماعي محسوس، لأن التعاضد لم يعد يلعب دوره الأصلي في حماية المنخرطين وتقوية العرض الصحي العمومي، بل أصبح في كثير من الحالات مجرد قناة مالية تتجه نحو القطاع الخاص الذي يستحوذ اليوم على أكثر من 90 في المائة من نفقات التعاضديات، بينما يظل المستشفى العمومي خارج نطاق الاستفادة، يواجه الخصاص المهول في الأطر والتجهيزات والموارد الاستشفائية.
وتزداد المفارقة مع غياب رؤية واضحة لدور التعاضديات في المنظومة الجديدة. فقد صادقت الحكومة على دمج التعاضديات داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وقدمته كخطوة حاسمة ستُنهي كل الاختلالات، وتوحد التدبير، وتحقق النجاعة المالية والتنظيمية، وترفع جودة الخدمات. غير أن السنوات التي تلت هذا القرار لم تُنتج النتائج الموعودة، بل كشفت غموضاً مؤسسياً أعمق، واستمراراً لنفس الأعطاب السابقة، وتخوفات واسعة من أن يتحول التعاضد إلى هيكل إداري مالي بلا مضمون تضامني، وبلا أي دور حقيقي في دعم العلاج العمومي. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كان الدمج لم يحسّن الخدمات، ولم يرفع الجودة، ولم يساهم في تقوية المستشفيات، فما هي القيمة المضافة التي جلبها؟ وما جدوى إصلاح يتوسع في الشكل بينما يعيد إنتاج الأزمة في الجوهر؟
ولعلّ الخلل الأخطر يتمثل في مؤشر الاستهداف داخل السجل الاجتماعي الموحد، الذي أصبح بمثابة بوابة الدخول والخروج من التغطية الصحية. فكل من تجاوز مؤشّره سقفاً رقمياً معيناً، قد يُقصى من الاستفادة، بغض النظر عن هشاشته الفعلية أو قدرته على تحمل مصاريف العلاج. هذا المؤشر، بصيغته الحالية، لا يعكس حقيقة الوضع الاجتماعي للفرد، بل يختزل حقاً دستورياً مثل الحق في الصحة في معادلة حسابية جامدة يمكن أن تتغير بسبب تملك هاتف نقال أو ارتفاع طفيف في الدخل أو خطأ تقني في التصنيف. وهكذا يتحول الحق في العلاج إلى قرار رقمي بارد، لا يخضع لمعيار الإنصاف، ويحوّل المواطنين من فئات مستفيدة إلى فئات “غير مؤهلة” وفق منطق آلة لا تعترف بالهشاشة الإنسانية ولا بالحق الدستوري في الولوج للخدمات الصحية.
إن هذا التعارض بين فلسفة التعاضد القائمة على التضامن، ومنطق المؤشر القائم على الإقصاء، يكشف بوضوح الأزمة البنيوية التي يعيشها الورش الاجتماعي برمّته. فالتعاضدية تتطور تقنياً لكنها لا تؤثر على الولوج للعلاج، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يُدمج الأنظمة لكن دون تحسين ملموس لجودة الخدمات، والمؤشر الرقمي يُفترض أن يُوجّه الدعم لكنه في الواقع يحرم الفئات الأكثر هشاشة. في المحصلة، يجد المواطن نفسه أمام إصلاحات تتقدم على الورق وتتراجع في الواقع، وأمام منظومة تعاضدية مالية قوية لكنها بلا أثر اجتماعي، وأمام نظام استهداف رقمي يهدد بتحويل العلاج إلى امتياز قابل للسحب بدل أن يكون حقاً مضموناً للجميع.
خلاصة: إصلاح بلا شجاعة هو مجرد تجميل للأزمة
إن الحكومة التي عجزت عن تنزيل التوجيهات الملكية وسمحت للقانون الإطار 06.22 بأن يتحرك بلا بوصلة، واستمرت في صناعة الغموض بدل الوضوح، لا يمكنها—مهما رفعت الشعارات—أن تضع أسس دولة اجتماعية. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد بطاقات التأمين الموزعة، ولا بتضخم لوائح المنخرطين، بل تُقاس بقدرة المواطن على إيجاد سرير، وبجودة الخدمة التي يتلقاها، وبإمكانية حصوله على موعد دون انتظار مهين، وبوجود أطر طبية تشتغل في ظروف مهنية تحفظ كرامتها. وحتى لو توسّع التأمين قانونياً، يبقى السؤال الجوهري: كم مواطناً استفاد فعلياً من العلاج لا كم مواطناً تمت إضافته إلى قاعدة البيانات.
وإذا كانت الحكومة تعتمد نهجاً نيوليبرالياً يدفع المرضى نحو القطاع الخاص، ويحوّل التعاضد إلى مجرد ممول بلا دور تضامني، ويتغاضى عن أعطاب المستشفى العمومي، فكيف لها أن تُشرف على العدالة الصحية؟ وكيف يمكن استساغة أن يصبح الحق في العلاج رهيناً بمؤشر رقمي داخل السجل الاجتماعي؟
إن الأعطاب لا تقف عند المجموعات الصحية الترابية، بل تمتد إلى كل مفاصل المنظومة: وكالة الأدوية ببطئها الذي ينعكس على توفر الدواء، وكالة الدم ومشتقاته بطاقتها المحدودة، الوظيفة الصحية التي تفتقر لنظام أساسي مستقر، والتكوين الذي يعجز عن سد الخصاص الهيكلي في الأطباء والممرضين. أما الرقمنة فتُروَّج في الواجهات، بينما الملفات الطبية غير مؤمّنة، والمسارات العلاجية غير مندمجة، وقواعد البيانات لا تتواصل فيما بينها.
ويتعاظم التناقض حين يقدّم قانون مالية 2026 ميزانية صحية ضعيفة، بعيدة عن السقف الدولي البالغ 10% من الناتج الداخلي الخام، بالكاد تكفي الميزانية المرصودة للصحة لتسيير المرافق المتوفرة، ولا يمكنها السماح بإطلاق إصلاحات أو تأهيل مستشفيات أو سدّ الخصاص في الموارد البشرية.
وتزداد الصورة وضوحاً عند فحص مؤشر فعالية التغطية الصحية، المؤشر الدولي الذي يقيس الولوج وجودة الخدمات. فالمغرب يسجل تراجعاً متواصلا على مستوى جميع مكوناته الأساسية: جودة الخدمات، عدالة الولوج، القدرة الاستشفائية. هذا يعني عمليا أن ورش التغطية يتوسع شكلياً لكنه يتراجع عملياً، وأن المنظومة تكبر من فوق بينما تتآكل من الداخل.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى إصلاح يعيد ترتيب الأولويات ويوازن بين التأمين والعلاج، وبين النص القانوني والواقع اليومي. إصلاح يجعل من الهيئة العليا للصحة سلطة تخطيط فعلية، ويحوّل الخريطة الصحية إلى وثيقة إلزامية، ويعيد الاعتبار للموارد البشرية باعتبارها رافعة المنظومة لا ضحيتها، ويوجه التعاضد نحو دعم المستشفى العمومي بدل تمويل المصحات الخاصة.
ولأن الأزمة هيكلية، فإن تجاوزها يقتضي حلولاً واضحة: ومستعجلة
أولاً، إصلاح التعاضد عبر رقمنة شاملة، وتقوية التعاضديات جهوياً، وتوجيه جزء من مواردها لدعم المستشفى العمومي.
ثانياً، إنجاح تنزيل القانون الإطار 06.22 بخريطة صحية ملزمة، وتسوية الملفات المهنية للأطر، وتوسيع الطاقة الاستشفائية.
ثالثاً، ضبط القطاع الخاص بسقف مرجعي موحد للتسعيرة، وإلزام المصحات بالشفافية، وإدماجها في تدبير العلاجات الأساسية.
رابعاً، إصلاح نظام الاستهداف حتى لا يتحول إلى حاجز رقمي يُقصي الفئات الهشة من حقها في العلاج.
خامساً، تفعيل الهيئة العليا للصحة كجهاز تقييم صارم يقدم تقارير سنوية علنية حول جودة الخدمات ودرجة الالتزام بالخريطة الصحية.
بهذه الإصلاحات وحدها يمكن أن تنتقل البلاد من “تغطية صحية واسعة بلا علاج” إلى “حماية اجتماعية فعلية”، ويستعيد المواطن ثقته في أن الدولة الاجتماعية ليست شعاراً سياسياً، بل التزاماً عملياً يُترجم إلى خدمات متاحة وجودة محترمة وكرامة مصونة، كما أرادتها التوجيهات الملكية السامية.
الكاتب الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتطوان
الكاتب : محمد السوعلي* - بتاريخ : 02/12/2025

