شهادة ذ. محمد الاخصاصي(1) في حق المرحوم محمد سبيلا

في يوم 19 يوليوز 2021، قُبضت روح أخينا العزيز، المفكر الرصين، والفيلسوف الضالع، والمربي البارع، الأستاذ محمد سبيلا – مصداقاً لقوله تعالى: «كل نفس ذائقة الموت».
ولئن تجرأت جائحة كوفيد 19 على اختطاف الروح الطاهرة لأخينا العزيز، وهو في أوج عطائه الفكري، وأدائه التربوي، بعد أن غالب العديد من الملمات المرضية، فانتصر عليها بفضل ما كان يتسم به من صبر الثقاة وصمود الدعاة – فإن هذا الاختطاف الماكر قد فاجأ أسرته وأصدقاءه وزملاءه وأذهل طلابه وفُرقاء مسيرته الفكرية والسياسية والفلسفية، فكان لرحيله المفاجئ صدى وطني مدوي، وأحدث فراقه المباغت صدمة قوية في صفوف محبيه، وفي حلقات فكره من طلاب وزملاء ومؤسسات…
وغني عن البيان أن الصدمة القوية التي أحدثها التغييب الوجودي لأخينا العزيز، سي محمد سبيلا، والتي هزت كياننا، وأدمت قلوبنا، ما كانت لتكون بهذه الدرجة من القوة والتأثير، لولا حجم الخسارة الإنسانية والفكرية والأكاديمية الناجمة عن الانتقال المبكر لعزيزنا إلى دار البقاء.
فهي خسارة متعددة الأوجه الإنسانية والفكرية والنضالية، وهي خسارة مختلفة المستويات الجغرافية، الوطنية والإقليمية والدولية… فقد كان للراحل العزيز، كما عرفته، باع طويل في النضال السياسي، وفي المجال التربوي، وفي النظر الفلسفي…
فقد جمعتنا معاً انشغالات الحركة الطلابية، وهموم نضالاتها النقابية والسياسية، في إطار المنظمة الطلابية العتيدة: “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، خلال سنوات الدراسة “بكلية الآداب والعلوم الإنسانية” بالرباط (1964-1966).

I/ فخلال هذه المرحلة الحرجة في مسار الحركة الطلابية جمعتنا مسئولية قيادتها على مستوى فرع الرباط الذي أصبح أهم وأنشط فروع “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” بسبب كثافته الطلابية، وحركيته النضالية، وسهولة تواصله مع القيادة الوطنية للحركة الطلابية: “اللجنة التنفيذية”.
وأستحضر في هذا المقام ما كان لراحلنا العزيز من مؤهلات قيادية، وطاقات نضالية، وقدرات خطابية، تعبوية، جعلت منه قائداً رائداً من قيادات المعارك النقابية والسياسية، لما كان لخطبه الحماسية من تأثير بالغ في الوسط الطلابي.
بيد أن اندفاعاته النضالية سرعان ما أصيبت بنكسة “تنظيمية” في حظيرة المنظمة الطلابية، أصابت حماسته النضالية، الطلابية والحزبية في مقتل، إذ ألقت علاقاته الإنسانية الواسعة و”مخالطاتُه” البشرية المتنوعة بظلال من الريبة حول صدق أدائه النضالي، وذلك في سياق سياسي يطغى عليه الكثير من الحذر والتوجس، من قبل “اللجنة التنفيذية” للمنظمة الطلابية.

II/ و”لربّ ضارة نافعة”، فقد أججت هذه النكسة ميولاته الثقافية، وألهمت مكنوناته الفكرية، فانقطع إلى ما أصبح عليه من دراية علمية، وتبحر فلسفي، وإنتاج أكاديمي.

III/ وقد حظى موضوع “الحداثة”، بما هي مفهوم نقيض صريح لـــِ”المحافظة”، وتوجه فكري-سياسي نحو الأخذ بناصية العقلانية والتقدم والتطور، وتشبع صميمي بمبدأ “الإنسية” ، فقد عكف عزيزنا الراحل على دراسة الموضوع بمختلف أبعاده التاريخية، والفلسفية والإيديولوجية، وأضحى إحدى المرجعيات لطلابه وزملائه في الموضوع من جهة، وإحدى المنصات الفكرية، الوطنية الحاملة للواء “الحداثة”، في مجادلة المدارس الفكرية الأخرى: التراثية والماركسية وغيرها، من جهة أخرى.
وعلى خلفية نضاله الفكري من أجل التحديث والتقدم، في شروط تحولات مجتمعية متسارعة ومتزامنة، ديموغرافية وسياسية واقتصادية وثقافية، على امتداد نصف قرن (1970-2021) من العطاء المتواصل – واصل الراحل العزيز مسيرته الفكرية-النضالية، عبر محاضراته وندواته العامة، وتحليلاته وكتاباته الخاصة، متموقعاً بكل جدارة واقتدار في قلب المشروع الوطني، التحديثي، التقدمي، الديمقراطي.
وقد شاءت الأقدار أن تجمعني وإياه، منذ سنوات قلائل، في إطار “مبادرة مجتمعية” حول إصلاح منظومة التربية والتعليم، حمل لواءها مجموعة من الزملاء المثقفين التقدميين، في سياق ظرفية استثنائية كثر فيها اللغو والتطاول على ثوابت الأمة في مجالات التربية والتعليم والثقافة – فكانت للراحل العزيز مساهمات رشيدة وبناءة في تحرير “المذكرة” الصادرة عن المبادرة المجتمعية السالفة الذكر.
وأذكر أنني فاتحته، على انفراد، في موضوع توسيع دائرة نضاله الثقافي والفكري، لتشمل انخراطه في العمل السياسي، ضمن مشروع يستهدف تغذية النضال السياسي النبيل، ومدّه بأفق فكري، معرفي وثقافي لا يتأنى إلا بانخراط منتظم، مُنتج وبناء للمثقفين في حظيرة الحزب.
لكنه اعتذر بلباقته المعهودة عن الإقدام على هذه الخطوة، بالرغم مما يمكن أن يترتب عنها، إذا عُممت، من ترشيد للعمل السياسي الوطني. ولقد أدركتُ حينها أن أثر النكسة السياسية التي تعرض لها في ريعان شبابه، في سياق نضاله داخل صفوف “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، ما يزال جاثماً على سويداء قلبه، آخذاً بزمام إحساسه.
ونعتقد أن الرجل الذي لم يُنصف في حياته، فلا أقل من أن يُنصف بعد مماته… فإليك منا ومن رفاقك في الحركة الطلابية المغربية كل الثناء والتقدير لدورك النضالي، الميداني والسياسي، في إطار “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”… ونم قرير العين في مثواك الأخير، في حضن ملائكة الرحمان. واعلم أن خلود شخصك، وفكرك واسمك في ذاكرة أحبائك، وزملائك وطلابك لا يضاهيه إلا خلودك في جنة النعيم…
وإنا لله وإنا إليه راجعـــــون.
هامش:

(1) هذه الشهادة مساهمة في كتاب جماعي لتأبين الفقيد محمد سبيلا سوف يُصدر قريباً.
(*) ذ. محمد الاخصاصي
الرباط في 3 شتنبر 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//