على هامش تجديد مجالس المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين: مجالس تدبيرية أم مجالس للتصديق؟

رضوان لمسودي *

مع كل استحقاق انتخابي لتجديد مجالس المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، يعود النقاش حول فاعلية هذه المجالس، مؤطَّرًا بسؤالين رئيسيين:
هل تقوم هذه المجالس بالأدوار التي حددها لها المشرع في مرسوم الإحداث؟ وهل تجسد فعلا آلية للتدبير التشاركي داخل المراكز؟
تنص المادة 17 من مرسوم الإحداث 2.11.672 على أن مجلس المركز يتكون من أعضاء بحكم القانون، وأعضاء منتخبين عن الأساتذة والموظفين الإداريين والتقنيين والطلبة، إضافة إلى شخصيات من خارج المركز. وبالتالي فإن المجلس ذو طابع تمثيلي يفترض أن يتبنى صوت الفاعلين التربويين المنتمين للمركز. كما تمنح المادة 18 المجلس صلاحيات مجالس المؤسسات الجامعية كما هي منصوص عليها في القانون 00-01 والمادة 35 منه، بما فيها صلاحيات تنظيمية، وبيداغوجية، ومالية.
وفق هذه النصوص، وبالقياس مع المؤسسات الجامعية، فإن مجلس المركز جهاز تقريري يمتلك صلاحيات صياغة توجهات المركز في التكوين والبحث، قصد الرفع من جودة التكوين الأساس والمستمر وكذا البحث العلمي، وليس كما يحاول البعض تقديمه باعتباره هيئة استشارية لإدارة المركز أو للمصالح المركزية للوزارة. من خلال ذلك يبدو أن المشرع كان يرغب في مجلس قوي ومبادر، يعتمد على لجان موضوعاتية فاعلة، تعزز مفهوم التدبير التشاركي داخل المركز.
غير أن واقع الحال في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين يُظهر أن كل ما سبق ظل مجرد نوايا حسنة. ففي السنوات الأخيرة سُلبت من المجالس عدد من الصلاحيات، خصوصًا المرتبطة باقتراح البرامج أو توجيهها أو تعديل التنظيمات البيداغوجية. وتحولت بعض المجالس إلى هيئات لإبداء الرأي في مشاريع معدّة سلفًا على المستوى المركزي، بعيدًا عن الإكراهات والحاجيات اليومية للتكوين. وهكذا اختُزلت الوظيفة الرئيسية للمجلس في التصديق على مشاريع مركزية لإضفاء شرعية شكلية على التدبير التشاركي لمنظومة التكوين.
ويبدو حال بعض اللجان المنبثقة عن المجلس أسوأ، خاصة اللجان المعنية بالبحث العلمي والتكوين المستمر. فهل يمكن الحديث عن البحث في غياب المختبرات والمعدات والميزانيات؟ وكيف يمكن تفعيل التكوين المستمر في ظل غياب آليات تنسيق مؤسساتية مؤطرة قانونيًا بين المراكز وباقي المتدخلين في منظومة التربية والتكوين؟
بعيدا عن ذلك، تبدو اللجنة البيداغوجية استثناءً، فهي الأكثر نشاطًا داخل المجلس، لا لأنها تتوفر على ظروف مثالية، بل لأنها مضطرة للاجتهاد لإيجاد حلول تُوفّق بين القرار المركزي الجامد والإكراهات المحلية المتحركة. كان يفترض في هذه اللجنة أن تبدع وتقترح نماذج للتكوين تراعي الخصوصيات الجهوية والحاجيات المتجددة للطلبة، لكنها أصبحت أداة لتخفيف الآثار السلبية للقرارات المركزية على الطلبة والأساتذة.
لا يمكن للمجالس أن تضطلع بأدوارها الحقيقية إلا بشرطين أساسيين: استقلالية القرار البيداغوجي وتوفير الموارد الكافية. ورغم ما تعانيه من تحجيم، أصبح من الضروري على أعضائها المرافعة من داخلها دفاعًا عن هذين المطلبين، وجعل المجالس فضاءً للحكامة التربوية وفق مقاربة نضالية، من خلال اتخاذ قرارات ملائمة للوضع المحلي، ورفع تقارير وتوصيات معلّلة للمصالح المركزية. وينبغي أن يتم ذلك في تنسيق تام مع هياكل النقابة الوطنية للتعليم العالي، في إطار معركتها من أجل ترسيخ هوية واضحة للمراكز، منسجمة مع وظيفتها التكوينية والبحثية، أسوة بمؤسسات تكوين الأطر العليا أو عبر إدماجها في الجامعة.
إن اضطلاع المراكز الجهوية بمهامها الأساسية في تجويد التكوين والمساهمة في تطوير المنظومة عبر التكوين المستمر والبحث العلمي، لن يتحقق إلا باستقلالية القرار البيداغوجي والمالي، وإرساء آليات الحكامة التدبيرية. وهو مطلب يقتضي تغييرًا جوهريًا في هوية هذه المراكز داخل منظومة التربية والتكوين. فمنطق الأشياء يؤكد أن المراكز مؤسسات للتعليم العالي، تتوفر على كفاءات راكمت خبرة كافية لتأطير التكوين الأساس والمستمر، وعلى قدرات بحثية تُسهم حاليًا في المختبرات الجامعية عبر انتساب أساتذتها لبنيات البحث.
إن الدفاع عن هذا المطلب اليوم ليس فئويًا، بل ضرورة إصلاحية لضمان جودة التكوين، وحكامة المنظومة، واستقلالية القرار التربوي الجهوي، وإعادة الاعتبار لمهن التكوين والبحث التربوي باعتبارها رافعة لإصلاح المدرسة المغربية. وبهذه الخطوة وحدها يمكن للمراكز أن تتحول من فضاءات لتدبير اليومي إلى مؤسسات فاعلة في إنتاج المعرفة التربوية وتكوين الأطر، مثل مثيلاتها في القطاعات الحكومية الأخرى.

* أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الفرع الإقليمي الجديدة

الكاتب : رضوان لمسودي * - بتاريخ : 28/11/2025