فضيحة مدوية بالبرلمان التونسي !

اسماعيل الحلوتي

 

بكثير من الاشمئزاز والاستنكار تابع رواد الفضاء الأزرق والمهتمون بالشأن السياسي خاصة في مختلف بقاع الأرض وأصقاعها، مقاطع فيديو توثق بالصورة والصوت تفاصيل حادث الاعتداء الجسدي الشنيع، الذي وقعت ضحيته النائبة المثيرة للجدل رئيسة الحزب الدستوري الحر المعارض عبير موسي، أثناء الجلسة العامة المنعقدة بالبرلمان، يوم الأربعاء 30 يونيو 2021، من طرف النائبين المحسوبين على «ائتلاف الكرامة» الذراع العنيف للإسلام السياسي: الصحبي سمارة وسيف الدين مخلوف، اللذين أبيا إلا أن يفشيا غلهما فيها بالصفع والركل والشتم أمام مرأى ومسمع من زملائها، تحت أضواء كاميرات التلفزيون والهواتف الذكية.
إذ مهما يكن هناك من خلاف بين موسي وحركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي، الذي هو في ذات الوقت رئيس البرلمان، التي تتهمها بالتبعية المباشرة للإخوان المسلمين، وتدعو إلى تخليص البلاد والعباد من «دكتاتوريتها» والعودة إلى حظر أنشطتها وفق ما كان عليه الأمر في السابق قبل عام 2011، معتبرة أنها تهدد الأمن والاستقرار. وما يؤاخذ عليها من تشويش وتعطيل ممنهج للسير الطبيعي للبرلمان بالاعتصامات وترديد الشعارات المعادية للإخوان عبر مكبرات الصوت، منذ بداية المدة النيابية الحالية، فإن ذلك لا يشفع لأي كان بالتهجم عليها والإساءة إلى صورة المؤسسة التشريعية وإثارة البلبلة، خاصة أن البلاد تمر بأزمات خانقة على عدة مستويات اقتصادية واجتماعية وسياسية وصحية…
فالعنف من الأساليب السلبية التي تمقتها كل الأنظمة الديمقراطية والشرائع السماوية والوضعية، ولا يمكنه أن يؤدي إلا إلى العنف المضاد والمزيد من تأزم الأوضاع، تعزيز العداء والتوتر وإشاعة الرغبة في الانتقام. إذ حتى الحيوان نفسه لا يكون عدوانيا إلا لضرورة بيولوجية عند الشعور المفرط بالجوع أو في لحظة مواجهة أخطار خارجية، فكيف للإنسان، الذي ميزه الله على سائر مخلوقاته بنور العقل ويفترض فيه الاتصاف بالنبل والقيم الأخلاقية الفاضلة، اللجوء إلى العنف ضد أخيه الإنسان؟ ويتعاظم الخطب عندما يمارس العنف على المرأة ونحن في القرن الواحد والعشرين، وداخل بلد يعد مهدا لثورات «الربيع العربي»، التي اندلعت عام 2011 من أجل إحداث التغيير نحو الأفضل وصون كرامة الإنسان وحماية حقوقه وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية…
ثم إنه وحتى إذا ما افترضنا جدلا أن النائبين «المحترمين» تربيا في تنظيمات تقوم على العنف، ويعتبران أن ضرب المرأة يندرج في صميم تقويم اعوجاجها وتأديبها، وليس انتهاكا لحقوق الإنسان وتعطيل تحقيق المساواة وأهداف التنمية، ويجهلان ما ذهبت إليه الأمم المتحدة في تعريفها له بأنه: «أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس، ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث في الحياة العامة أو الخاصة».
فلا يحق لهما تحت أي مبرر ومهما اختلفت معهما في الرأي، إغفال تحذير الإسلام من العنف ضد المرأة، لاسيما أن الشريعة الإسلامية تكرمها وتمنحها كافة حقوقها المشروعة، وأن سيد الخلق والرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام أوصى بحسن معاملتها في أكثر من موضع. إذ قال: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك» وقال أيضا: «رفقا بالقوارير». وأن كبار علماء الدين ما انفكوا يدعون في عديد المناسبات إلى ضرورة تضافر جهود المؤسسات والهيئات المعنية من أجل وضعها في مكانها الحضاري الصحيح واللائق. ثم إن الإسلام عارض كافة أشكال العنف ضدها من عنف جسدي أو نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي، وحفظ لها حقوقها المادية والمعنوية منذ بداية الرسالة المحمدية، رافضا سائر مظاهر التمييز والإهانات التي كانت تتعرض لها في الجاهلية؟
من هنا كان طبيعيا أن يثير الاعتداء الذي تعرضت له النائبة عبير موسي موجة من السخط العارم، وتتسع دائرة الإدانة في الأوساط المدنية والحقوقية والسياسية والثقافية، حيث أنه إلى جانب ما أعربت عليه الحكومة في بيان لها من إدانة للاعتداء السافر، معتبرة أنه تعد على المرأة التونسية وما تحقق لها من مكتسبات، داعية إلى الابتعاد عن مثل هذه الممارسات التي باتت تتفاقم باستمرار، والاحتكام إلى الرصانة والتعقل في التفاعل مع اختلاف الرؤى ووجهات النظر، سارع مجلس النواب إلى عقد اجتماع استثنائي، يوم الاثنين 5 يوليوز 2021، مجددا رفضه لهذه التصرفات الرعناء، المتعارضة مع تشريعات المؤسسة الدستورية التي تجرم العنف ضد المرأة، وقرر إيقاع أقصى العقوبة المسموح بها في النظام الداخلي على المعتديين، كما ندد بما دأبت عليه كتلة الدستوري الحر وزعيمتها من استفزازات…
وهكذا أجمعت فعاليات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية على أن الاعتداء يمثل تهديدا للديمقراطية ومشاركة المرأة في الحياة العامة، داعية السلطات إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بردع هذه السلوكات غير المقبولة التي لم تعد معزولة، بعدما أصبحت حالات العنف ضد النساء وخاصة الناشطات في المشهد السياسي تتنامى بشكل لافت، مطالبة النيابة العامة والقضاء بالتدخل العاجل للنظر في الجريمة المثبتة بالحجج والقرائن القانونية، وداعية القضاء إلى إثبات استقلاليته عن التجاذبات السياسية ومن قبضة حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية.
إن النائب البرلماني في تونس أو في المغرب وغيرهما من الأقطار العربية، مطالب أكثر من غيره بأن يكون نموذجا يحتذى، من حيث دماثة الأخلاق والاستقامة والارتقاء بمستوى الخطاب السياسي، والحرص الشديد على التحكم في أعصابه والتفاعل مع خصومه السياسيين في إطار من الاحترام المتبادل. إذ من العبث أن يستمر الإسلامويون في سوريالتهم وممارسة «الاغتصاب» و»الإرهاب» ضد المرأة داخل المؤسسات الوطنية، دون استحضار حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين…

الكاتب : اسماعيل الحلوتي - بتاريخ : 12/07/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//