لملحمةِ الأسرى بقيةٌ والأيامُ دولٌ والحربُ سجالٌ

مصطفى يوسف اللداوي

لن تنتهي حكاية أسرى سجن جلبوع الستة الذين انتزعوا بأظافرهم من جوف الأرض حريتهم، وتمكنوا لعدة أيامٍ من تنسم أنسام الحرية، والتجوال ولو حذراً في شعاب الوطن، والتنقل بصعوبةٍ في أرجائه، وإن عاد بعضهم إلى السجن والأسر من جديدٍ، وبقي آخران يقاومان باختفائهما، ويقاتلان بتعذر اعتقالهما، ويربكان العدو بالبحث عنهما والانشغال بمطاردتهما.
لم تنتهِ قصتهم بعد ولم تطو صفحاتها أبداً، بل ستكتمل فصولها، وستتوالى أحداثها، وستكتب بعزةٍ وكرامةٍ خواتيمها، التي ستكون بإذن الله العلي القدير حريةً كاملةً، وعودةً إلى الأهل دائمةً، تتم فوق الأرض وفي وضح النهار، ورغماً عن العدو الذي سيفتح لهم الأبواب بيديه، وسيراهم بأم عينيه يخرجون من سجونهم ورؤوسهم عالية، وقاماتهم ممشوقة، وجباههم شامخة، وعيونهم إلى النصر القريب شاخصة، ونحو العلياء ناظرة، يحمدون الله عز وجل على الحرية، ويشكرون المقاومة على وفائها، والشعب على صبره وعناده، وتضامنه وإصراره.

لا شك أنه قد أصابنا حزنٌ شديدٌ لاعتقال أربعةٍ من أبطالنا الشجعان، وشعرنا بالكثير من الغصة والألم، وفقدنا بعضاً من السعادة التي عشناها، وغابت عنا أجواء الفرح التي فرضناها، ومظاهر الابتهاج التي جابت شوارعنا وعمت مدننا ومخيماتنا، إلا أن اعتقالهم الذي لن يفت في عضدهم، ولن يوهن عزائمهم، ولن يضعف إرادتهم، إذ كانوا يتوقعونه والشهادة، تماماً كما كانوا يرجون النجاة والسلامة، فقد وطنوا أنفسهم منذ ما قبل التفكير بالفرار والإعداد له، واليقين بالفشل أو النجاح فيه، أنهم إن قدر الله عز وجل لهم الفرار، فإنهم سيكونون بين احتمالاتٍ ثلاثة لا رابعة لها، الإفلات من ملاحقة العدو واللجوء إلى خارج الوطن، أو الاشتباك مع قواته والشهادة، أو الأخيرة وهي الوقوع في الأسر من جديدٍ.
أما وقد نجح العدو في الوصول إلى بعضهم، فإننا نسأل الله عز وجل السلامة لمن بقي منهم، ونجاتهم من العدو وعيونه، والإفلات من ملاحقته ومطاردته، ففي ذلك بعض التسرية والكثير من الفرحة، وإن كنا نعتقد أن المعركة معه لم تنته بهذه الجولة، ولن يكتب له الفوز بهذه النتيجة، فالحرب بيننا وبينه قائمة، وسجل المواجهة الحافل بصمود شعبنا وعناده شاهدٌ، فما ألقى شعبنا السلاح يوماً، ولا رفع الراية واستسلم، ولا خنع أمام البطش وخضع، بل صمد وثبت، وقاوم وقاتل، وهي حربٌ سجالٌ بيننا وبينه، وقد بتنا ننتصر عليه ونفشل مخططاته أكثر، ولعل قادم الأيام تفرحنا وتسعدنا وتعوضنا، وتنصرنا عليه وتغلبه، وتسوؤه وتؤلمه وتبكيه وتوجعه أكثر مما نأملُ ونتوقع.
يخففُ حزننا ويسري عنا كثيراً، ويشعرنا بالنصر والغلبة والفوز أكثر، أن معركة فرار الأسرى كانت معركة فلسطين كلها، بل معركة الأمةِ بأسرها، ضد العدو الصهيوني كله، وضد حلفائه والمتعاونين معه، وضد المراهنين عليه والمتأملين فيه، فقد خاض الفلسطينيون جميعاً على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، معركة الفرار ونصرة الأسرى، فكانوا صفاً واحداً وجبهةً مشتركة، ما تخلف منهم أحدٌ، ولا قصر عن الواجب طرفٌ، وعملوا من خلال فعالياتهم المبتكرة وأنشطتهم الشعبية، بالقدر الذي يستطيعون والمكان الذي إليه يصلون، على تمكين أبنائهم المحررين وتطمينهم، ومنحهم الوقت والفرصة.
هي تجربةٌ رائدةٌ ومعركةٌ جديدةٌ، قد حققنا فيها الكثير وأنجزنا ما لم نكن نتوقع ونحتسب، فمما لا شك فيه أن العدو الإسرائيلي قد خسر فيها وضعف، وخاب فيها وانتكس، فهي ضربةٌ أمنيةٌ موجعةٌ له، وقد ساءه أن يظهر أمنه ضعيفاً وظهره مكشوفاً، وأن تخترق تحصيناته وتنهار حصونه، وأن يبدو أمام شعبه مرتبكاً خائفاً، قلقاً غير واثقٍ، وقد سقطت هالته الأمنية وادعاءاته الكاذبة، وفضحت اجراءاته وكشفت عيوبه، وعلم يقيناً أن هزيمة الشعب الفلسطيني مستحيلة، وتركيعه غير ممكن، وتيئيسه غاية لا تدرك وأملاً لن يتحقق، فهذا الشعب الذي حفر الصخر بمعلقة، وشق الأرض بأظافره، لن يعجز عن مواجهة عدوٍ يخاف، ومستوطنين يخشون الموت ويبحثون عن الحياة.
ألفُ تحيةٍ لكم أسرانا الأبطال ورجالنا الأماجد، شموسنا الساطعة ونجومنا اللامعة، أسودنا الهادرة وصقورنا الباسلة، أيها المرابضون خلف القضبان والمتوثبون خلف الجدران، فأنتم والله سادتنا وأمراؤنا، فخرنا وعزنا، وشرفنا وسؤددنا، وكرامتنا ومجدنا، وشكراً لكم أيتها الكتيبة المتقدمة والسرية الشجاعة، أيها المقاتلون في الأولى والمقاومون في الثانية، فقد والله رفعتم رؤوسنا، وسطرتم صفحات مجدٍ جديدة في سجلنا، وكشفتم للعدو والصديق أصالة معدننا، ونبل مقاومتنا، وشرف قضيتنا، فلن ننسى أيامكم المجيدة وتجربتكم الرائدة، وصوركم الرائعة، وقاماتكم الممشوقة، وبسماتكم الواثقة، ووقفاتكم العزيزة، فقد قهرتم رغم التعب والمعاناة، والألم والاعتداء، ببسمتكم جبروت الاحتلال، وحطمتم بثباتكم كبرياءه، وكسرتم بعزتكم أنفه، وعما قريب ستسيؤون بإذن الله عز وجل بحريتكم المجللة وجهه، وستركلونه بعزتكم على قفاه مرةً تلو مرةٍ.

الكاتب : مصطفى يوسف اللداوي - بتاريخ : 14/09/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//