مذكرات تترجم التوجهات الحكومية النيوليبرالية

عبد السلام الموساوي

في التقرير السياسي أمام المجلس الوطني، المنعقد يوم السبت 20 نوفمبر، يقول الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر « وعلى ذكر التوترات الاجتماعية، أنتهز الفرصة للحديث قليلا عن المذكرات التي صدرت بشأن تنظيم مباريات ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين ، والتي ضد قانون الوظيفة العمومية، الذي يحدد سن التوظيف في 45 سنة بالنسبة للفئات التي سترتب في السلم العاشر، وضد القوانين الأساسية لأطر الأكاديميات كما تم تعديلها والتي تحدد 40 سنة سقفا للتوظيف، ضد كل هذا، ذهبت هذه المذكرات لحصر السن في 30 سنة دون مبررات معقولة، مما يجعل فئات واسعة من الشابات والشباب الذين كانوا ينتظرون الإعلان عن هذه المباريات مقصيين مما يفاقم حالة الإحباط ، وأغلبهم من خريجي الجامعات ذات الاستقطاب المفتوح الذين ليست لهم فرص كثيرة لولوج سوق الشغل .
لا يمكن أن نعتبر هذا الإجراء سوى ترجمة للتوجهات الحكومية النيوليبرالية، البعيدة كل البعد عن أي توجه نحو الدولة الاجتماعية، وتكشف تهافت ادعاءاتها . «
لا شك أن وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة يحمل تصورا « ما « عن إصلاح التعليم، أو ما يسميه هو « إحداث نهضة حقيقية في المنظومة التربوية «، لكن في غياب شرح مفصل لأبعاد هذا التصور ومداخله وتوجهاته الفلسفية والبيداغوجية والقيمية، سيتحول هذا الإصلاح إلى مشكل، بدل أن يكون حلا .
ففي سياق أوضح كان تخفيض سن الانتقاء لولوج مراكز تكوين الأساتذة سيبدو إجراء عاديا ومقبولا، لأنه يرتبط بتنزيل تصور تربوي وتعليمي شامل متوافق عليه، أما أن يقتطع هذا « الجزء « الاجتماعي بالغ الحساسية، ويرمى « هكذا « خاما إلى الرأي العام الوطني، فهذا اسمه التسرع الذي قد يفسد كل شيء في المستقبل، بما في ذلك الثقة .
لقد أدرك المغاربة، منذ سنوات، قناعة أساسية مفادها أن منظومة التعليم وصلت إلى الباب المسدود، وهو ما عبروا عنه في مسار طويل من المشاورات سبقت إعداد التقرير النهائي للنموذج التنموي الجديد الذي تفاعل مع ذلك، وأورد في صفحته 93 « فبدون تحول عميق للنظام التربوي لا يمكن بلوغ أي هدف من الأهداف التنموية للمغرب، على مستوى ازدهار المواطنين والتماسك الاجتماعي والنمو الاقتصادي والإدماج الترابي «.
فخلاصة هذا «الثقل « والخطورة، كان يلزمها وقت طويل لتحويلها إلى مشروع مجتمعي يعطي معنى لمقولة « التعليم قضية المغاربة الأولى «، ويوفر كل الشروط لإشراكهم في تنزيل الرؤية الجديدة بكل أبعادها مع شرح مفصل لأسسها ودعاماتها ولآلياتها البيداغوجية والتربوية والقانونية والتقنية.
وكي نصل إلى هذا الهدف، كان على الوزارة الوصية أن تختار التوقيت الجيد والمناسب للشروع في تنزيل بعض المقتضيات على نحو تدريجي، مع الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يخلق سوء تفاهم في بداية حكومة سياسية، من المفروض أن تكون ملزمة بإرسال إشارات إيجابية في أول أيامها، لا إغراقها في نقاشات هامشية يمكن تفاديها بقليل من التبصر .
فمع الاتفاق المبدئي على أعطاب منظومة تكوين الأساتذة وطبيعة الفئات التي تلج التعليم والمستوى الثقافي والعلمي والبيداغوجي لعدد منهم، ومع التأكيد على أهمية تخفيض سن الولوج إلى مراكز التكوين، فهذا لا يعطي للوزير الحق في التصرف خارج السياق الوطني والسياسي للبلد، وما يتطلبه من تريث ورزانة واتزان وتداول ونقاش مستفيض، قبل إصدار أي قرارات من هذا النوع .
إن اختزال الإصلاح في إجراء تقني، مهما كانت أهميته، قد تعطى له تأويلات أخرى تشكك في نوايا الحكومة، وتضعها مباشرة أمام الشعب، وتجعل من خطابها ووعودها وبرنامجها موضوع تساؤل لدى الناخبين .
موضوع التعليم لا يقبل القرارات المتسرعة البيروقراطية كما لا يقبل التناول الشعبوي .
التعليم يجب أن ينطلق من أسئلة أساسية: أي تكوين يصلح لمستقبل المغرب ؟ ما هي الأدوات؟ وما هي التقنيات المطلوبة لتحقيق تعليم عصري منتج وفعال ؟
التعليم فيه شق سياسي أي نعم، لكن فيه أيضا شق تقني يجب أن يشرف عليه التقنيون والخبراء والبيداغوجيون .
إن موضوع التعليم يجب تناوله بالشكل السليم، وهو شكل واحد لا ثاني له، وهو فتح نقاش عمومي جريء وصادق يشارك فيه الجميع وتحدد من خلاله المسؤوليات ويتبين فيه ما هو سياسي وما هو تقني وتقوم كل جهة بعملها بمسؤولية لا شعبوية فيها ولا عشوائية أو تسلط .

الكاتب : عبد السلام الموساوي - بتاريخ : 24/11/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//