ميناء الداخلة الأطلسي.. حين يروض المغرب الأمواج ليرسم حدوداً جديدة للعالم
بقلم: نعيم كمال تـ:المقدمي المهدي
من على الشرفة المطلة على ورش “ميناء الداخلة الأطلسي” المستقبلي، يكشف المغرب عن طموح يتجاوز مجرد التحول العمراني. هنا، وسط رياح المحيط وغبار الصحراء، يروي الكاتب نعيم كمال قصة ما يحدث على الأرض: اندفاعة قوية نحو أفق اقتصادي، لوجيستي، وجيوسياسي يعاد ابتكاره بالكامل. وفي قلب هذه الدينامية، تبرز شخصيات مثل نسرين إيوزي، لتجسد صورة مملكة تبني بنيتها التحتية وتشيد صرح ثقتها بنفسها في آن واحد.
الحقيقة أبعد مما تراه العين..
بتاريخ السبت 16 نونبر 2025، ومن أعلى المنصة المشرفة على ورش ميناء الداخلة، يبدو المشهد رائعاً. في الوقت الذي كانت فيه الشمس تنحدر ببطء نحو مرقدها، لم تكن ملامح “مشروع القرن” تتطابق للوهلة الأولى مع الصورة المتخيلة عنه في الأذهان.
ورغم أن نسرين إيوزي، “سيدة الورش” و مهندسة الدولة في الهيدروليكا والجيوتقنية، تؤكد أن قرابة نصف الأشغال قد أُنجزت بالفعل، إلا أن مسحة من خيبة الأمل تسرّبت إليّ في تلك اللحظة. لكن، كان علي الانتظار قليلا لأصحح صورة “الميناء المتخيل” في ذهني، وأدرك أن انطباعي الأول لم يكن سوى خداع بصري.
جاءت زيارة الورش، كختام يومين من النقاشات المكثفة خلال الدورة الخامسة لمنتدى “MD الصحراء”، الذي يعود الفضل فيه لثنائي “ماروك ديبلوماتيك”: سعاد مكاوي وحسن علوي. كانت دورة ناجحة امتزجت فيها نقاشات العمق ببهجة اللقاءات ؛ حيث التقينا بالوزير الأول الأسبق إدريس جطو، الذي ظل وفياً لنهجه الكتوم منذ مغادرته المجلس الأعلى للحسابات، ومحمد مرجي الذي لا يكل – “مصور الملوك الثلاثة” – الذي أضفت خبرته في التدبير الترابي ثقلاً حقيقياً للنقاش.
كما حضرت نائلة التازي، رئيسة لجنة الخارجية والدفاع الوطني بمجلس المستشارين، وبالطبع، الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، الذي كان النجم بلا منازع ؛ تتخاطفه الهواتف لصور “السيلفي” والأيادي للمصافحة، لدرجة أن الصديق معنينو، رغم شعبيته الكبيرة، بالكاد استطاع منافسة سطوة هلال.
**مرافعة من أجل المستقبل.. وقيادة بصيغة المؤنث
لم يكتفِ الوزراء الحاضرون بحصتهم من الصور التذكارية، بل واجهوا سيلاً من الاستفسارات والانتظارات. نزار بركة (التجهيز والماء)، أمال الفلاح السغروشني (الانتقال الرقمي)، وليلى بنعلي (الطاقة والتنمية المستدامة) ؛ عرض كل منهم خارطة طريقه الخاصة بالصحراء، حيث قدمت النخبة التكنوقراطية مرافعة مهيكلة لنموذج تنموي يرتكز على الاستثمار، الابتكار، والاستدامة.
وفي خضم هذه الجلسة، برزت نسرين إيوزي، خريجة المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، كمنتج مغربي خالص للكفاءة. تخلت عن بذلة الورش لترتدي طقماً أبيضا أنيقا وأخذت تشرح أسس مشروع يمزج بين الاقتصاد، السيادة، والجيوسياسة. تحت إدارتها، يعمل جيش من 1400 شخص – جلهم من الرجال – على مساحة 1600 هكتار.. إن تمكنها من الملف وتدفق حديثها الواثق يشيان الكثير عن المغرب الذي يبنى اليوم: بلد تُشرف فيه كفاءات محلية، نساء ورجالا، على أوراش كبرى تحركها رؤية شمولية. في تلك اللحظة الدقيقة، وأمام ذلك الديكور الواقعي، قدمت نسرين إيوزي بحد ذاتها ملخصا لمغرب محمد السادس.
رؤية ترسو على اليابسة
كان لا بد من مغادرة المنصة والنزول للتجول عن كثب بين آلاف المكعبات الخرسانية الضخمة ذات النتوءات الهرمية، المكدسة في صفوف طويلة، لإدراك ضخامة ما ينجز.. هذه المكعبات، التي يتجاوز طولها الأربعة أمتار، صُنعت كل قطعة منها محليا في الموقع، لتشكل جزءاً من حاجز الأمواج الذي ستتكسر عليه غضبة الأطلسي.
في هذا الطرف من الصحراء، بين الممرات والمتاهات الإسمنتية، يبدو المشهد مهيباً: تفريغ للمعادن، رقصة ميكانيكية للآليات، ورافعات عملاقة تتحدى الرياح التي تسعد عشاق “الكايت سورف”. أطر وعمال يسابقون الزمن على مدار الساعة، طوال أيام الأسبوع، ليمنحوا هذا الصرح جسده النهائي.
لم يصمم ميناء الداخلة الأطلسي لاستقبال السفن فحسب، بل ليرسي “رؤية” ملكية مستقبلية تهدف لترويض اضطرابات المحيط وتحويل قوته الهائلة إلى دينامية اقتصادية. بمجرد اكتماله، لن تكون الداخلة مجرد محطة أخيرة قبل الكويرة والحدود الموريتانية، أو مجرد منتجع لعشاق الرياضات البحرية، بل ستغدو نقطة وصل بين إفريقيا وأوروبا وما وراء الأطلسي، وستشكل ممرا يربط المصانع بالمناطق اللوجستية ومنصات التحويل، وفضاء حيويا للمبادلات التجارية لدول الساحل.
الداخلة.. مدينة عالمية قيد التشكل
تشرح نسرين إيوزي أن المنطقة المحيطة بالميناء تشهد بالفعل تشييد “منطقة صناعية تضم قطبا لأنشطة الميناء وآخر صناعيا مقسما إلى أشطر لاستقبال الاستثمارات الصناعية، اللوجستية والتجارية”، كما أن المدينة التي تحب السهر ليلا، بدأت تنخرط في هذا المستقبل أيضا.
والحق يقال، أن الداخلة لم تعد تلك التي تسكن ذاكرتي، حيث يعود آخر عهد لي بها إلى نهاية التسعينيات. حول محور شارع “الولاء” – بما يحمله الاسم من دلالات البيعة والإخلاص – والذي يمتد على طول أربعة كيلومترات بعد تجديده وتوسعته، امتدت المدينة وتواصل التمدد، مروضة في طريقها قسوة الأرض وجفاف التربة، وعلى أن أسعار العقار والأراضي تترجم هذه الثقة في المستقبل دون أي عقد.
لقد تحول الشريط الساحلي بأسره إلى ورش مفتوح، حيث هنا وهناك تنبت فنادق إيكولوجية من قلب الصحراء لتلبي طلبا متزايدا على السياحة والزيارة. في الميناء، يدرك المهندسون أن عملهم يتجاوز وظيفته التقنية ؛ إنه يضع المنطقة والمدينة ضمن مقياس جديد تماما، يوجهها لتصبح “مدينة عالمية” وملتقى طرق ضخم، ليس لـ “سفن الصحراء” التقليدية، بل لسفن الشحن العملاقة والصناعات التي ستجرفها في تيارها.
الكاتب : بقلم: نعيم كمال تـ:المقدمي المهدي - بتاريخ : 24/11/2025

