وتتواصل جرجرة قانون الإضراب !

اسماعيل الحلوتي

تتلاحق الأيام والشهور بنفس الرتابة المعهودة. ويتضح أكثر أن الحكومة باتت تستعجل انقضاء ولايتها وعين مكوناتها على الانتخابات القادمة، وتعمل بكل ما لديها من «دهاء» على تمرير أكبر عدد ممكن من مشاريع القوانين التي تتعارض في معظمها مع مصالح الشعب عامة والطبقة العاملة خاصة. إذ بعد أن حاولت يائسة تمرير مشروع القانون المشؤوم رقم: 22-20 المتعلق بتقنين استعمال وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح، المصادق عليه في المجلس الحكومي المنعقد في 19 مارس 2020 ليلة الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية، والذي أثار موجة من الغضب الشعبي العارم، باعتباره قانونا يهدف إلى الحد من الحريات ولجم الأفواه.
تعود اليوم تحت ضغط المركزيات النقابية لتأجيل البتّ في مشروع القانون التنظيمي رقم: 15-97 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، دون تحديد تاريخ لاحق وفق ما جاء في بلاغ لجنة القطاعات الاجتماعية الصادر يوم الثلاثاء 15 شتنبر 2020، وهو مشروع القانون الذي بغير إشراك النقابات في صياغته وإبداء رأيها حوله، تم تقديمه إلى مجلس النواب لمدارسته يوم الأربعاء 16 شتنبر 2020 أمام اللجنة بحضور وزير الشغل والإدماج المهني محمد أمكراز الشهير بفضيحة عدم التصريح بمستخدميه لدى الصندوق المغربي للضمان الاجتماعي…
فكان طبيعيا أن يأتي رد فعل النقابات قويا، سيما أنها ترى في انفراد الحكومة بالقرار خرقا سافرا لما سبق أن التزم به رئيسها والأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني من تشاور وتفاوض حول «قانون الإضراب» المثير للجدل قبل إحالته على البرلمان، معتبرة أن الاستبداد بالرأي والإصرار على تمريره بأعطابه يكشف بوضوح عن نيتها في المزيد من الهجوم على حقوق الشغيلة، ورغبتها في استكمال ما بدأته الحكومة السابقة من قرارات لا شعبية وإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية، ومواصلة خدمة مصالح الاتحاد العام لمقاولات المغرب على حساب العمال وعموم الأجراء.
وجدير بالذكر أن مشروع القانون التنظيمي للإضراب ليس وليد اليوم، بل هو من إعداد حكومة عبد الإله ابن كيران الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، حيث تمت المصادقة عليه في مجلس حكومي انعقد في شتنبر 2016 برئاسة الملك محمد السادس. ولا غرو في أن يزكيه خلفه سعد الدين العثماني ويعمل بكل ما أوتي من قوة على إخراجه كما فعل سلفه في مشروع قانون التقاعد الكارثي، رغم ما يلاقيه من معارضة شديدة ليس فقط من طرف المركزيات النقابية وحسب، وإنما حتى من بعض الفرق البرلمانية في الأغلبية والمعارضة التي ترفض بدورها منهجية الحكومة في التعاطي مع مشروع القانون. إذ هناك مطالبة بعدم إقحام المؤسسة التشريعية في هذا الصراع وتوظيفها كأداة ضغط، والدعوة إلى ضرورة إقامة حوار ثلاثي جاد ومسؤول بين الحكومة والنقابات و»الباطرونا» والتوافق حول صيغة متوازنة تضمن حقوق الجميع قبل إحالته على البرلمان. وهناك كذلك مطالبة الحكومة في شخص وزير الشغل والإدماج المهني بتوضيح أسباب التماطل المتواصل والهروب إلى الأمام، لاسيما أن رئيسة اللجنة سعيدة آيت بوعلي وجهت عدة مراسلات للحكومة قصد التعجيل بإخراجه عوض التمادي في تقاذفه لما يزيد عن أربع سنوات.
فالعثماني يريد على ما يبدو أن يبصم على ولايته بتمرير مثل هذا النوع من مشاريع قوانين تكميم الأفواه وتكبيل لنيل رضى «الكبار»، حيث يرى أن إقراره سيكون أول مشروع قانون من شأنه الإسهام في تأطير الإضراب، بعد أن عجزت عشرات الحكومات على إخراجه، وإنهاء الجدل القائم حول مدى مشروعية الاقتطاعات من أجور المضربين التي فرضها سلفه، والحيلولة دون استمرار تناسل التنسيقيات التي أصبحت تزعج الحكومة بتنظيم إضرابات تتواصل لأسابيع وتحقق العديد من المطالب.
وليس هذا أول قانون الإضراب يستفز النقابات، فقد تكرر الأمر عدة مرات. ونذكر هنا انفراد وزارة التشغيل في شتنبر 2000 بصياغة مشروع قانون تنظيمي للإضراب، يهم القطاع الخاص والإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العامة، معتمدة فقط على موقف الباطرونا وحده دون الأخذ بعين الاعتبار تصور النقابات حوله. وبعد سلسلة من مشاريع القوانين التي تم إقبارها بسبب تعنت الحكومات المتعاقبة، يعود النقاش اليوم ليحتدم مجددا حول مشروع القانون الحالي الذي يتضمن 49 مادة، وينص في المادة الخامسة على أن: «كل دعوة للإضراب خلافا لأحكام هذا القانون التنظيمي تعتبر باطلة، كما يعتبر كل إضراب لأهداف سياسية ممنوعا» وحسب المادة 26 فيمكن «لصاحب العمل حال ممارسة الإضراب أن يطالب بالتعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالمقاولة»
وبصرف النظر عن موقف النقابات الداعي إلى طرح مشروع القانون على طاولة الحوار للنقاش، والرافض لتجريدها من سلاحها الوحيد الذي اعتادت استخدامه في الدفاع عن حقوق الشغيلة والترافع عن ملفاتها المطلبية، ومنعها من ممارسة حقها الدستوري والكوني الذي ناضل من أجله شرفاء الوطن إلى جانب أحرار العالم، فإننا نستنكر بشدة استغلال الحكومة لهذه الظروف العصيبة التي تمر منها بلادنا ومحاولة تمرير مجموعة من القوانين الجائرة دون إشراك الجهات المعنية وخاصة المنظمات النقابية، مما يؤكد فشلها الذريع في تدبير الأزمة الصحية والحد من تفشي جائحة «كوفيد -19» وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، هاجسها الأكبر هو العمل على خنق الحريات وتكميم الأفواه. ألم يكن حريا بها التفكير أولا في إصدار قانون ينظم عمل النقابات طبقا لأحكام الدستور؟

الكاتب : اسماعيل الحلوتي - بتاريخ : 19/09/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//