إحسان أم ارشاء انتخابي؟ كيف تستغل الأحزاب حاجة المغاربة

محمد أمين السملالي

 

 

هل نحتاج إلى أحزاب توزع القفة أم إلى أحزاب تبلور سياسات تنموية تضمن العيش الكريم ؟
كالعادة، ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي، تتحول السياسة في المغرب إلى موسم “التبرعات الوطنية”، حيث تتسابق الأحزاب في حملة إحسانية غير معلنة، شعارها: “صوتك مقابل كيس دقيق وقنينة زيت”. لا برامج، لا رؤى، لا حلول، فقط مساعدات غذائية مغلفة بورق “التضامن”، لكنها في الحقيقة ليست سوى حملة انتخابية سابقة لأوانها.
“جود” و”القفة”… حين تصبح الأحزاب وكالات إغاثة!
في وقت سابق، أثارت مؤسسة “جود”، الذراع الإحساني لحزب التجمع الوطني للأحرار، جدلاً واسعاً بسبب استغلالها الواضح لحاجات المغاربة كوسيلة لجلب الأصوات. واليوم جاء الدور على حزب الاستقلال، الذي قرر دخول المزاد الإحساني بشعاره الجديد: “2025 سنة التطوع”، وكأن السياسة تحولت إلى نشاط خيري صرف!
في الواقع، يبدو أن أحزاب الأغلبية الحكومية عجزت تماماً عن تسطير سياسات تنموية مواطنة، وقررت أن تستثمر بدلاً من ذلك في سوق الفقر والهشاشة، حيث تكون المساعدات الغذائية هي العملة المتداولة لشراء الولاءات.
نعم، لقد اكتشفوا أن أفضل طريقة لحكم المغاربة هي إبقاؤهم في حاجة دائمة، بحيث لا يطالبون بالحقوق، بل يركضون وراء أكياس الدقيق والعدس والسكر.
“مبروك عليك القفة… العيطة عليك نهار الانتخابات!”
في هذه المعادلة العجيبة، ليس على المواطن سوى أن يصبر قليلاً حتى يحين موعد الحملات الانتخابية، عندها ستجد هذه الأحزاب وقد تحولت إلى “منظمات للإغاثة”، تجوب الأحياء الشعبية والمناطق القروية، محملة بالقفف والمساعدات الغذائية، في انتظار ذلك “التصويت المبارك” الذي سيعيدهم إلى مناصبهم المريحة لخمس سنوات أخرى.
والمفارقة أن هذه الأحزاب نفسها هي التي تحكم وتدير شؤون البلاد!
أي أن نفس الأشخاص الذين يقودون الحكومة والبرلمان والجهات والجماعات، يخرجون علينا بمبادرات خيرية لتوزيع القفف، وكأنهم مجرد “فاعلي خير”، لا علاقة لهم بتصميم السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة التي جعلت المواطنين في حاجة إلى تلك القفة أصلاً!
يا سادة، المغاربة يريدون سياسة تحترمهم… لا دقيقاً يذلهم!
المغاربة لا يحتاجون إلى هذه الصدقات المهينة، بل إلى سياسات وبرامج حكومية عادلة، تضمن لهم تعليماً عمومياً جيداً، وفرص عمل تحفظ كرامتهم، ونظاماً صحياً عمومياً لا يحولهم إلى متسولين أمام أبواب المستشفيات.
لكن للأسف، يبدو أن حكومتنا تعتقد أن الحل ليس في السياسات، بل في الإحسان، وكأننا نعيش في تجمع خيري لا في بلد تدبره حكومة مسؤولة.
الوسائل العمومية… رهن إشارة الحملات الانتخابية!
الأمر لا يتوقف عند توزيع القفف واستغلال الحاجة، بل يتعداه إلى تسخير الوسائل العمومية لخدمة أجندات انتخابية ضيقة. الوزارات، الجماعات، المؤسسات العمومية…
كلها تتحرك فجأة قبل الانتخابات، وكأنها خرجت من سبات طويل. مشاريع متعثرة تُدشَّن على عجل، طرق تُعبَّد في آخر لحظة، دعم مالي يُوزَّع بكرم غير مسبوق، وحتى بعض الإدارات تنخرط في تسهيل المساطر بشكل استثنائي!
التوظيف كذلك لا يخلو من أن يكون آلية مفضلة لاستمالة الناخبين، حيث تُفتح بعض المناصب بشكل انتقائي، وتُوزع التعيينات على المقاس، في حين يظل عشرات الآلاف من الشباب المعطلين عالقين في طوابير الانتظار.
بل وحتى بعض برامج الدعم والمساعدات الاجتماعية، التي يُفترض أن تكون محايدة ومستقلة عن الحسابات السياسية، تتحول إلى أوراق انتخابية تُستخدم بذكاء لكسب الولاءات.
ماذا عن دور السلطات الرقابية؟ أم أن “الإحسان الانتخابي” مباح فقط لأحزاب الحكومة؟
والمفارقة الكبرى أن نفس السلطات التي تمنع أي نشاط خيري غير مرخص، وتفرض قوانين صارمة على الإحسان العمومي، تغض الطرف تماماً عندما يكون هذا الإحسان صادراً عن أحزاب الأغلبية. بمعنى آخر:
•إذا كنت جمعية مستقلة تريد توزيع مساعدات، ستجد السلطات عندك قبل أن تفتح الأكياس.
•أما إذا كنت من أحزاب الحكومة ولديك انتخابات تقترب، فالقفف مبروكة!
وهنا يطرح السؤال: هل الدولة غير قادرة على ضبط هذا العبث؟
أم أن بعض الأحزاب تمتلك رخصة خاصة لتحويل الفقر إلى رأسمال انتخابي؟
الإحسان مكانه الجمعيات… وليس الحملات الانتخابية!
حتى من المنظور الشرعي والإنساني، فالإحسان كسلوك سام يجب أن يكون متحرراً من شوائب المصلحة.
فتعاليم ديننا الإسلامي تؤكد على أهمية العطاء لوجه الله، حفاظاً على طهارته الروحية وضماناً لخلوه من أي شبهة أو استغلال مقيت.
وبما أن بلادنا تتوفر على مؤسسة ذات نفع عام لها مصداقية ومكانة رمزية عند عموم المغاربة، وهي مؤسسة محمد الخامس للتضامن، التي تقدم خدمات اجتماعية وإحسانية للفئات المحتاجة دون انتظار أي مردود أو نفع سياسي أو انتخابي، فمن الأجدر أن تُحوَّل كل المساعدات والأموال ذات الطبيعة الإحسانية إلى هذه المؤسسة العمومية، لتتولى توزيعها بمنأى عن كل الحسابات السياسية والأغراض الانتخابية.
المغاربة ليسوا سلعة انتخابية!
الحقيقة أن ما يحدث اليوم هو أكبر إهانة لعقل المواطن المغربي، فبدلاً من أن يُعامل كفرد له حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية، يُعامل كـ”رقم انتخابي”، لا تحس به الحكومة إلا عندما يحين وقت استمالته بالارتشاء الانتخابي.
لكن المغاربة ليسوا بحاجة إلى عطايا توزع عليهم في المناسبات، بل إلى سياسة اجتماعية عادلة تغنيهم عن الحاجة إليها.
وإلى الأحزاب التي اختارت أن تتحول إلى “جمعيات خيرية انتخابية”، وتعتبر المغاربة مجرد أصوات تُشترى ببضعة كيلوغرامات من الدقيق والسكر، نقول:
ربما نجحتم في خداع البعض بالقفة، لكن تذكروا أن الجوع ليس دائماً، وأن ذاكرة المغاربة أطول مما تظنون…
فقد ينسى المواطن طعم الزيت والسكر، لكنه لن ينسى من خدعه باسمهما!

الكاتب : محمد أمين السملالي - بتاريخ : 21/03/2025