المغرب بين الصين وأمريكا: ماذا وراء استهداف اتفاق التبادل الحر؟

أيوب اللواق*

 

تشهد الساحة الإعلامية والسياسية الدولية في الآونة الأخيرة حملة منظمة تستهدف اتفاق التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية. هذه الحملة التي تقودها مكاتب دراسات ومؤسسات إعلامية مرموقة، وتدعمها مقالات مدفوعة في عدد من الصحف ذات الصيت العالمي، تحاول تصوير المغرب كبوابة خلفية تستغلها الصين للالتفاف على الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة عليها. وقد ازداد زخم هذه الحملة بشكل ملحوظ منذ إعلان فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية وقبل أشهر من تنصيبه رسميًا، مما يشير إلى وجود أجندة واضحة تسعى للتأثير على توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه المغرب.
المؤسف في الأمر أن بعض وسائل الإعلام المغربية تنساق وراء هذه الحملة وتعيد نشر ما يروج له من أكاذيب وإشاعات، دون تمحيص أو تدقيق في خلفياتها أو أهدافها الحقيقية. وهذا يعكس عمق التأثير الذي تمارسه القوى المصلحية على المشهد الإعلامي، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى استقلالية هذه المنابر وقدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية.
ولنا في التاريخ الحديث أمثلة عديدة على هذه الممارسات، فقد شهدنا في تسعينيات القرن الماضي حملات إعلامية منظمة ضد الصناعات اليابانية، خاصة في قطاع السيارات والإلكترونيات، والتي كانت تهدف إلى تبرير الإجراءات الحمائية الأمريكية ضد المنتجات اليابانية. كذلك الحملات التي استهدفت الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي أدت إلى تراجع كبير في تدفق هذه الاستثمارات وإعادة توجيهها نحو أسواق أخرى. وفي العقد الأول من القرن الحالي، شهدنا حملات مماثلة ضد الاستثمارات الصينية في مجال الاتصالات والبنية التحتية التكنولوجية في الولايات المتحدة وأوروبا، بذريعة المخاوف الأمنية، مما أدى إلى منع شركات صينية كبرى من دخول أسواق غربية مهمة.
وفي السياق المغربي، نذكر الحملات الإعلامية التي استهدفت المنتجات الزراعية المغربية في الأسواق الأوروبية بحجة استخدام مبيدات محظورة، والتي كان الهدف منها حماية المزارعين الأوروبيين من المنافسة المغربية. كما نشهد حاليًا حملات ممنهجة ضد استثمارات دول الخليج في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة في الغرب، بدعوى الهيمنة على قطاعات استراتيجية، في حين أن الهدف الحقيقي هو تقييد قدرة هذه الدول على تنويع اقتصاداتها والتحرر من الاعتماد على النفط.
الحقيقة التي تغفلها هذه الحملة، أو تتعمد إغفالها، هي أن اتفاق التبادل الحر بين المغرب وأمريكا يصب في المقام الأول في مصلحة الاقتصاد الأمريكي وليس المغربي. فالإحصائيات والأرقام توضح أن الميزان التجاري بين البلدين يميل بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة. ومن المنطقي أن نستنتج أن أمريكا لن تراجع اتفاقًا يعود عليها بالنفع، خاصة وأن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال متواضعًا نسبيًا ولا يتوقع أن يتجاوز عتبة الخمسين مليار دولار في العشرية القادمة، وهو ما يجعله بعيدًا عن دائرة الاهتمام الأمريكي من منظور العجز التجاري.
تتركز سياسة إدارة ترامب التجارية على استهداف الدول التي تسجل فائضًا كبيرًا في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة. ويمكن فهم ذلك من خلال استعراض الأرقام: الصين بفائض تجاري يبلغ 361 مليار دولار، المكسيك بـ 172 مليار دولار، الاتحاد الأوروبي بـ 157 مليار يورو، ألمانيا بـ 72 مليار دولار (يرتفع إلى 270 مليار عند إضافة عوائد الاستثمارات)، كندا بـ 63 مليار دولار، واليابان بـ 55 مليار دولار (يصل إلى 192 مليار مع عوائد الاستثمارات). هذه الأرقام الضخمة هي التي تشكل هاجسًا حقيقيًا للسياسة التجارية الأمريكية، وليس التبادل التجاري المتواضع مع المغرب.
الهدف الحقيقي لأصحاب هذه الحملة ليس تحقيق التوازن في الميزان التجاري بين المغرب وأمريكا، وإنما إلغاء الاستثناء الذي يتمتع به المغرب من الرسوم الجمركية المفروضة على صناعة البطاريات الكهربائية. ولأجل ذلك، يتم الترويج لفكرة أن الصين تستغل المغرب كمنصة للالتفاف على الرسوم الجمركية الأمريكية، وهي فكرة تفتقر إلى المصداقية والموضوعية عند التمحيص العميق.
فالاستثمارات الصينية في قطاع البطاريات الكهربائية بالمغرب ليست مجرد عمليات تجميع بسيطة تهدف إلى التحايل على الرسوم الجمركية، وإنما هي استثمارات حقيقية وضخمة تشمل إنشاء سلسلة توريد متكاملة بنسبة إدماج محلي تتجاوز 60%، في الوقت الذي لا يشترط فيه اتفاق التبادل الحر سوى 40% فقط. هذا يعني أن الصين تقوم باستثمارات استراتيجية طويلة المدى تتضمن نقل التكنولوجيا وتوطينها في بلد يعتبر حليفًا تاريخيًا للولايات المتحدة، وهو ما يتطلب منها تحمل مخاطر كبيرة.
من زاوية المصلحة الأمريكية، تشكل هذه الاستثمارات الصينية في المغرب فرصة استراتيجية هامة. فهي تسمح للشركات الأمريكية بالحصول على مكونات وسلع بتكلفة أقل، مع ضمان عدم عودة جميع الأرباح إلى الصين وحدها. والأهم من ذلك، توفر هذه الاستثمارات بديلاً آمنًا لسلاسل التوريد الأمريكية في حال حدوث توتر أو أزمة في العلاقات الأمريكية-الصينية، وهو سيناريو محتمل في ظل التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين القوتين العظميين.
بهذا المعنى، يمكن القول إن المغرب يلعب دورًا محوريًا كنقطة ربط استراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. فالاستثمارات الصينية في المغرب تخدم مصالح الطرفين: الصين التي تسعى إلى تنويع أسواقها وتجاوز الحواجز الجمركية، وأمريكا التي تحصل على إمدادات موثوقة من السلع الضرورية لصناعاتها الاستراتيجية. هذه المعادلة المعقدة تعكس عمق التحولات في الاقتصاد العالمي وطبيعة العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين.
المفارقة التي تستدعي التأمل هي أن هناك قوى إقليمية تعرض نفسها وسيادتها واقتصادها وثرواتها لأمريكا، متوهمة أنها بذلك تساهم في استراتيجية محاصرة الروس والصين، وكأنها تنتقم لنفسها من استبعادها من تجمع البريكس. وفي الوقت نفسه، تسعى هذه القوى جاهدة إلى تشويه صورة جارها المغرب ومنعه من بناء قاعدة صناعية متطورة من شأنها أن تعزز استقلاليته الاقتصادية وتؤثر في التوازن الإقليمي لصالحه، مما يقلل بالضرورة من نفوذها ومكانتها.
إن التجارب التاريخية تعلمنا أن الدول التي تمكنت من النهوض والتقدم هي تلك التي استطاعت أن تبني لنفسها موقعًا استراتيجيًا في خارطة المصالح الدولية، وأن تستثمر في العلاقات المتوازنة مع القوى الكبرى دون الانحياز المطلق لطرف على حساب آخر. والمغرب، من خلال سياسته الخارجية المتوازنة، واستراتيجيته الاقتصادية الطموحة، يسير على هذا النهج، محاولًا الاستفادة من الفرص التي يتيحها التنافس بين القوى العظمى، دون أن يصبح ضحية لهذا التنافس.
في الختام، يمكن القول إن الحملة المنظمة ضد اتفاق التبادل الحر بين المغرب وأمريكا تعكس قلقًا حقيقيًا لدى بعض الأطراف من تنامي الدور الاستراتيجي للمغرب في المنطقة، وقدرته المتزايدة على استقطاب الاستثمارات الدولية وتوظيفها لخدمة تنميته الاقتصادية واستقلاليته السياسية. وهو ما يؤكد أن المغرب يسير على الطريق الصحيح نحو تحقيق طموحاته التنموية والاقتصادية، رغم كل محاولات التشويش والعرقلة.

(*)طالب باحث

الكاتب : أيوب اللواق* - بتاريخ : 21/03/2025