اليوم العالمي للفلسفة.. الفلسفة في مواجهة الرأسمالية
فاطمة حلمي
ماذا لو نتذكر؛ على سبيل محاكاة متخيلة فقط لشكل من أشكال الاحتفاء بالفلسفة في يومها العالمي؛ بعضا مما قيل في حقها وهي التي بين أحضانها يدرك المرء أن المعرفة محض تذكر!
أعتقد، والعهدة على ما ظل عالقا بذهني من ذات نبش في كتاب «ما الفلسفة؟» للفيلسوف جيل دولوز بأن الفلسفة هي المادة التي نقبض على خصوصيتها في كونها اجتراح متدفق للمفاهيم.. كيف ذلك؟ كيف يتم اجتراح المفهوم الفلسفي؟
لم يكن أمام جيل دولوز بالطبع خيارأهم سوى سبر غور بعض النماذج من كتابات الفلاسفة لان اتباع غير هذه المنهجية أمر من دون جدوى في رحاب فكر لا يختلف اثنان حول طبيعته المنفلتة لكل حصر أو اختزال، وحيث سيبين دولوز بأن انتاج المفهوم الفلسفي يكمن في القدرة على تحرير المصطلح من كل خصوصية ذات حساسية تربطه بمعطى معيش يومي ورتيب إلى أبعد حد؛ فالارتقاء بالمفهوم في سماء التجريد المفارق لمدركات الناس. ثم لا يفتأ دولوز يطرح تساؤله في صورة محايثة لنفس الفكرة عن إمكانيات حضور المثالف في الفلسفة. ذلك لكون المثال بمثابة جسر يتم عبره العود الشقي إلى المعيش والخصوصية اللذين بالكاد يتمكن من التعالي عليهما عبر جعل المصطلح المألوف الذي يتم تداوله بين الناس بنفس الحمولة الذهنية موضوعا للتفكير في أعقد الصيغ؛ أي حينما يتم تجريده من كل حساسية تشده لفرد أو لجماعة بشرية معينة دون سواها.. أليس هذا ضرب صارخ من المفارقات التي تبعث على التقزز؟
يقف جيل دولوز هاهنا ليعلن بأنه لو سلمنا بأحد وجوه هذه المفارقات ظنا منا بأن التجريد، وهو خاصية ترسم الفروق بين الفلسفة وباقي أنماط الفكر الأخرى التي أنتجتها البشرية، هو رفض صريح للمثال بما هو إحالة على تلك الخصوصية وعلى ذلك المعيش في بعدهما المادي الصرف. اذن، كيف لنا أن نفهم رجوع جميع الفلاسفة للمثال بما فيهم أولئك الذين يتمتعون بصيت واسع بكونهم منهجيين وأكثر دقة في استعمال المفاهيم أكثر من غيرهم مثل الفيلسوف باروخ اسبينوزا؟
قد يتساءل القارئ هنا عن وجه العلاقة في هذا المقال فيما بين منطوقه والمناسبة المعلن عنها في البداية؟
ربما لا جواب يكون مبينا لطبيعة العلاقة بين الأمرين غير ما تخبرنا به الفلسفة إذ تشد انتباهنا إلى أن آلية اجتراح المفاهيم هي النقد. وأنا أقول بأنه لما كانت المناسبة شرط فإني أتساءل بمعية القارئ عما إذا كانت هذه الآلية ما تزال بنفس الحضور وبنفس الفاعلية؟ بل إن واقع الحال يقول غير ذلك؛ فنحن نشهد اغتيال النقد في السنوات الأخيرة بشكل جلي في شتى مجالات الفكر. وقد بتنا نلاحظ في هذا الصدد، مثالا عن تغييب النقد في المحافل الثقافية غدات تصير المقاربة النقدية لمنجز نظري ما مجرد حديث مستفيض عن الكاتب وليس عن محتوى الكتاب، ولو حدث أن تحدث أحدهم عن الكتاب فلا يكون ذلك إلا من باب المدح والثناء المبالغ فيهما. والمقصود هو القراءة التي يراد بها سبر خبايا الكتاب كلما كانت تروم تحليل مضامينه بموضوعية يستوجبها السعي لتطوير الفكر وجعله في مساراته الصحيحة بكل نبل من شأنه الرفع من منسوب الانسانية في كل انسان.
يعتبر النقد أحد أهم أبعاد فعل التفلسف، فهو المعول الذي بواسطته يتم تحريك كل ساكن او ما يبدو كذلك، وخلخلة أسقف وأسوار الحياة الاجتماعية للحيلولة دون أن تصبح شكلا واحدا يغيب فيه التعدد وتنمحي فيه المغايرة. وإن في تاريخ الفلسفة ما يفيد في توضيح ذلك. نجد مثلا، المشروع النقدي للفيلسوف كانط، وهو مشروع بلغ مداه نقد العقل حدا وقدرة وموضوعا للمعرفة، ثم هنالك المشروع النقدي الذي أسسه هابرماس في منحى انتقاده للرؤى السياسية التي تبدل جهودا في تملك احتكار المعرفة إذ تتجه بها نحوالإبقاء على نفس الحالة الاجتماعية؛ بل والادهى من هذا هو الإصرار على توسيع دائرتها لتشمل البشر جميعهم. وإننا نلاحظ أنه من صلب النقد تنبثق الحدود البديلة، وإنه للأمر الذي مكن هابرماس من التجسير لما يسمح بالمضي قدما بالتفكير في العلم والتقنية باعتبارهما دعامتين لإنتاج حياة اجتماعية مربط الفرس فيها وعي قمين بتعقل ما يمكن أن يعتريها من نقص او اختلال في واحدة من بنيتيها أو فيهما معا، والعمل بعد ذلك على تقويض الأطر والقوالب الرسمية التي صنعتها الرأسمالية من خلال تبضيع الرغبة في أنماط سلوكية تستهدف الربح المادي أولا، وشيوع التشابه ثانيا، ثم تكريس الرضاء ديماغوجيا حتى ليغدو هو الوجه المألوف للوعي السائد.
في ثنايا هذا الاستلاب يتم إقبار المثال الذي يشكل محكا فعالا للتمييز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فقد شكل المثال دوما جذوة الأمل في التحرر من هيمنة البراديغمات المعطاة سلفا. وبهذا تتكشف ديكتاتورية الفكر عندما يسير نحو تغيير المسار الأصيل حيث يمكن تشييد الوعي الحقيقي والذي لا تتقوم إيقاعاته إلا بمعول النقد.
لكل ذلك ينبغي أن يكون الاحتفاء بالفلسفة اليوم وغدا عود على التذكير بما هي مهمة الفلسفة وتجنب كل تمجيد لها من شأنه أن يضعها في محراب صنمية وتقديس بليد. إن مهمة الفلسفة كانت منذ البدء هي حض الناس على الاندهاش والشك والنقد، بما يفيد في خلخلة الجاهز المعطى قبليا أيا تكن الجهة التي ترابط وراء عملية انتاج ورعاية كيفيات الإبقاء عليه كما هو، ورفض الاحكام المعيارية، مما يحمل المرء على اتخاذ مسافة منه. والعمل بالتالي على تقويض كل طمأنينة يكون من شأن تجاوزها أو تجاهلها طمس الترابط الوظيفي الكامن بين تصور الحالة الاجتماعية للابقاء عليها كما هي وبين تصورها بغرض تغييرها.
من جهة أخرى، إن الاحتفاء بالفلسفة اليوم أمر لابد منه لا لإقامة قداس لها للنحيب والتأسي وكأننا إزاء أفول فكر كان له مجد الحضور إلى حدود الأمس القريب؛ بل إن الحالة الاجتماعية الراهنة في جميع أبعادها لتمنح للذوات مجالا خصبا لممارسة النقد باعتباره آلية يتزمن عبرها فعل التفلسف بشكل أكثر عمقا وفاعلية. فنحن حيثما ولينا نظرنا تساقط علينا التساؤلات. ثم أي جهة يمكن أن تنبثق منها الطمأنينة المشتهاة في ظل الرأسمالية التي نراها قطعت أشواطا في مسار ترسيخ الهيمنة والتنميط الاجتماعي من خلال سلط تتغذى مما يسميه إدغار موران السيرورة الدائرية للعلاقة بين التقنية والعلم والدولة.
أليس هذا مدعاة لحضور الفلسفة باعتبارها الفكر القادر على ممارسة النقد؟ ألم يكن النقد الفلسفي وسيلة ضرورية تمكن من تقويض نظريات بائدة وهدم بنيات بما يحقق الانعتاق كلية أو تدريجيا من توابث تجذرت في الأذهان بفعل الاستكانة إليها وبفعل تقديسها؟ أليس النقد سبيلا لتشييد وعي أصيل يمكن الناس من إعادة النظر بعين العقل في الصيغ والأنماط المحنطة لكيفية وطبيعة ارتباطهم بمنظومتهم الاجتماعية؟
بكل تأكيد يجب الاحتفاء بالفلسفة.. فالفلسفة وحدها تستطيع أن تكشف سر انبثاق الانسان في كامل النقص؛ فهي التي بينت لهذا الكائن ذات يوم أن استكمال ما ينقص يتأتى عبر التقنية باعتبارها حمالة قوة سحرية تضع الكوسموس تحت تصرفه. كما ان الفلسفة هي نفسها الملاذ الوحيد للانسان للانعتاق من تجبر التقنية عليه وتحكمها المفرط فيه. ودون ان يعني ذلك بأن الفلسفة أصل الداء؛ بل هو الجشع الثاوي خلف الربح الذي منحته الرأسمالية المتوحشة الشرعية الى الحد الذي صار فيه هو بحد ذاته المبضع الذي بواسطته تم استئصال حد الانسانية من الانسان.
الكاتب : فاطمة حلمي - بتاريخ : 24/11/2025

