اليوم العالمي للمرأة: احتفال في زمن الأزمات أم تكريس للواقع المرير؟

محمد السوعلي(*)

يحلّ اليوم العالمي للمرأة هذا العام في المغرب وسط اختناق اقتصادي، اجتماعي، وسياسي غير مسبوق، حيث لم يعد لهذه المناسبة أي نغمة احتفالية، بل باتت أشبه برثاء لأوضاع تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. ففي ظل المديونية المرتفعة، التضخم المتصاعد، البطالة المتفشية، العجز التجاري، تدهور الخدمات الصحية والتعليمية، أزمة السكن، تجميد الأجور، غلاء المعيشة، أزمة المتقاعدين، استمرار أزمة صندوق المقاصة، تفشي الفساد والبيروقراطية، والاحتكار الذي ينهك القدرة الشرائية للمواطنين، يصبح الحديث عن الاحتفال أشبه بفصل من العبث السياسي.
كيف يمكن للمرأة المغربية أن تحتفل بيومها العالمي وهي تواجه تحديات معيشية خانقة؟ ما معنى هذا اليوم في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية بفعل تضخم لا يرحم، والبطالة تضرب الشباب والنساء على حد سواء، والخدمات الصحية والتعليمية تنهار، بينما الأجور مجمدة رغم الارتفاع الجنوني للأسعار؟ هل الاحتفال بيوم المرأة هو تكريم لما تحقق من إنجازات، أم أنه احتفاء بإخفاقات حكومة زادت من معاناة الشعب، رجالا ونساء، عبر سياسات فاشلة تدفع بالطبقة الوسطى إلى التلاشي، وبالفقراء إلى مزيد من الفقر والهشاشة؟

المرأة المغربية في قلب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية

تشير الأرقام إلى أن معدل النشاط الاقتصادي للمرأة انخفض إلى 19% في 2023، وهو من أدنى المعدلات في المنطقة، مما يعني أن أكثر من 80% من النساء خارج سوق الشغل. هذا الرقم لا يعكس فقط ضعف الفرص الاقتصادية المتاحة للمرأة، بل يعكس أيضًا هشاشة السياسات الاقتصادية التي لم تستطع خلق بيئة تسمح بإدماج النساء في سوق العمل.
وفي ظل غياب أي مبادرات جدية لتحفيز تشغيل النساء، أصبح العمل في القطاع غير المهيكل هو الخيار الوحيد المتاح للكثيرات، حيث يعملن في ظروف قاسية، دون ضمانات اجتماعية أو حقوق أساسية. أما النساء اللواتي يشغلن وظائف رسمية، فهن يواجهن فجوة في الأجور مقارنة بالرجال تصل إلى 20%، إضافة إلى تحديات أخرى مثل التحرش، وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والعائلية بسبب غياب سياسات داعمة كإجازة أمومة ملائمة أوحضانات بأسعار معقولة.
وفي ما تتخبط النساء في هذه الأزمة، تواصل الحكومة تقديم وعود دون تطبيق، وسياسات تزيد من الفجوة الاقتصادية بدل معالجتها. فالاحتفال بيوم المرأة اليوم ليس سوى احتفال بحجم الفشل الحكومي في تحسين وضع المرأة المغربية.
أزمات تُفاقم معاناة المرأة والأسرة المغربية
أصبح من المستحيل على الأسر المغربية، وخاصة تلك التي تعيلها النساء، أن تواكب موجة الغلاء التي لا تهدأ. فمع ارتفاع الأسعار بأكثر من 10% في بعض القطاعات الأساسية، ظلت الأجور مجمدة، مما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى وزيادة الفقر. لم يعد تأمين الاحتياجات الأساسية أمرًا يسيرًا، بل تحول إلى معركة يومية تفرض على النساء المعيلات ضغوطًا مضاعفة، وهن يسعين جاهدات للحفاظ على استقرار أسرهن في ظل واقع اقتصادي يزداد قسوة.
وفي موازاة ذلك، أصبحت تكاليف السكن عبئًا إضافيًا يثقل كاهل الأسر، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية، خاصة بعد تقليص دعم السكن الاجتماعي واحتكار العقارات من قبل لوبيات المضاربة. وبينما يعاني الجميع من هذه الأزمة، تبقى النساء المعيلات الأكثر تضررًا، وهن اللواتي يواجهن تحديات يومية في البحث عن مأوى لائق لأطفالهن في ظل أوضاع اقتصادية خانقة، حيث لم يعد امتلاك أو حتى استئجار سكن لائق سوى حلم بعيد المنال.
ولم يكن قطاعا الصحة والتعليم بمنأى عن هذا التدهور، بل على العكس، فقد شهدا انهيارًا ملحوظًا زاد من معاناة الأسر المغربية. ففي الوقت الذي تستثمر فيه الدول المتقدمة في تعزيز أنظمة الرعاية الصحية والتعليم المجاني، يعاني المغاربة، وعلى رأسهم النساء، من نظام صحي يفتقر إلى أبسط المقومات. تعاني النساء الحوامل في المستشفيات العامة من نقص الأطباء والمعدات، ويواجهن ظروفًا طبية غير إنسانية، بينما أصبح التعليم العمومي عاجزًا عن تلبية حاجيات التلاميذ، مما يدفع الأسر إلى اللجوء إلى التعليم الخاص، رغم التكاليف الباهظة التي تستنزف مداخيلهم المحدودة.
ومع تزايد الضغوط المعيشية، تجد النساء المتقاعدات أنفسهن في مواجهة واقع صعب، حيث لم تعد المعاشات قادرة على مواكبة التضخم، مما جعلهن أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية. ورغم أن صندوق المقاصة كان يفترض أن يكون وسيلة لتخفيف العبء عن الأسر المغربية، إلا أنه تحول إلى ملف سياسي معقد لا يحمل أي حلول حقيقية، بل زاد من الضبابية حول مستقبل الفئات الهشة التي تعتمد عليه لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وفي ظل هذا الواقع القاتم، تواجه النساء المقاولات عراقيل أخرى، حيث يجدن أنفسهن محاصرات بالبيروقراطية والفساد، في وقت يحتكر فيه عدد قليل من الشركات الكبرى الأسواق، مما يحدّ من فرص نمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي كان من الممكن أن تشكل مدخلًا حقيقيًا لتمكين المرأة اقتصاديًا. وبينما تسعى بعض النساء إلى ولوج عالم ريادة الأعمال، يجدن أن العقبات الإدارية والرشاوى والمحسوبية تجعل من تأسيس مشروع أو الحصول على تمويل أمرًا شبه مستحيل. ومع احتكار الأسواق من قبل فئة قليلة، تزداد الأسعار بشكل غير مبرر، مما يزيد من تآكل القدرة الشرائية ويجعل أي إصلاح اقتصادي مجرد وهم.
إن كل هذه الأزمات المتراكمة لم تترك للنساء أي مجال للاحتفال، بل جعلت حياتهن اليومية سلسلة لا تنتهي من التحديات التي تتطلب صمودًا مستمرًا. ففي ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن الاحتفال بيوم المرأة أمرًا غير ذي معنى، ما لم يكن مصحوبًا بإجراءات فعلية تضمن لهن حقوقهن الأساسية في العيش بكرامة، بعيدًا عن أعباء لا تنتهي، وسياسات تزيد من تعميق الفجوة بين الواقع والشعارات الرسمية.

من الاحتفال إلى المحاسبة: أي مستقبل للمرأة المغربية؟

إذا كان اليوم العالمي للمرأة مناسبة حقيقية للمراجعة والتقييم، فالسؤال الذي يجب طرحه هو: ماذا قدمت الحكومة للنساء المغربيات في ظل هذه الأزمات؟ هل ساهمت سياساتها في تحسين أوضاعهن، أم أنها زادت من حجم التحديات التي يواجهنها يوميًا؟
لم يعد هناك متسع للخطابات الرنانة والاحتفالات البروتوكولية التي لا تعكس أي تغيير حقيقي في حياة المرأة المغربية. ما تحتاجه النساء اليوم ليس الورود والكلمات المزخرفة، بل سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة المعالم، تحمي حقوقهن، وتوفر لهن فرصًا حقيقية للعيش بكرامة.
إن الاحتفال الحقيقي بالمرأة لا يكون عبر توزيع الهدايا في الثامن من مارس، بل عبر اتخاذ قرارات جريئة تعيد لها حقوقها الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية. فبدل إنفاق الميزانيات على مهرجانات استعراضية، كان الأجدر بالحكومة أن توفر دعمًا مباشرًا للنساء العاملات، وتفتح لهن أبواب سوق الشغل في ظروف عادلة، وتضمن لهن خدمات صحية وتعليمية ذات جودة.
فالنساء لا يحتفلن بيوم واحد، بل هن في حاجة إلى من يحتفل بهن كل يوم، ليس فقط بالكلمات والوعود، بل بإجراءات فعلية تضمن لهن حقوقهن، وتخفف عنهن الأعباء اليومية. في كل يوم، هناك معيلات يكافحن لإطعام أطفالهن، نساء يعملن في ظروف قاسية دون حماية، وأخريات يعشن تحت وطأة العنف الاجتماعي والاقتصادي.
دامت للنساء الأعياد، لا ليوم واحد، بل لكل يوم يعشن فيه بكرامة، حرية، وعدل.

(*)عضو اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات بالحزب

الكاتب : محمد السوعلي(*) - بتاريخ : 11/03/2025