جدلية الهدم والتعويض في ميزان مبدأ سيادة القانون: إقليم بركان نموذجا

عبد المنعم محسيني (*)
تشهد مدينة بركان برنامجا مهما يتعلق بالتأهيل الحضري للمدينة الذي، من جهة أولى استغرق حوالي سبع سنوات، ومن جهة ثانية، رغم أهميته وارتباطه بالمصلحة العامة، أفرز عدة مشاكل اجتماعية ذات روافد متنوعة، منها ما هو ناتج عن مخلفات الماضي التي تعود أساسا إلى غياب برمجة مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الٱفاق المستقبلية، ومنها ما تنتجه الارتباك في حل بعض المشاكل الاجتماعية الحالية، وتصفية مخلفات الإرث السالف ذكره.
وإذا كانت تركة الماضي، المتعلقة بغياب برمجة مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الٱفاق المستقبلية وعقلنة تدبير المال العمومي، تتجسد أساسا في الترخيص بتشييد وبناء تجمعات سكنية قبل توفير التجهيزات الأساسية، كقنوات للصرف الصحي، ودون الأخذ بعين الاعتبار ملاءمة الوعاء العقاري المقامة فيه تلك المجمعات، فإن الارتباك الذي يحصل في التدبير الحالي لبرنامج التأهيل الحضري للمدينة يتجسد ليس في تكوين التوافق بين المدبر العمومي المحلي وبين سكان المدينة، ذلك أن الإجماع المطلق حاصل بين الطرفين، وانصهرت الإرادتين معا وانخرطتا في روح المصلحة العامة لبرنامج التأهيل الحضري مصلحة عامة؛ وهذه مسألة إيجابية قد تشكل نموذجا تستأنس به باقي مدن المملكة المغربية.
حالة الارتباك تظهر أساسا في تنفيذ هذا التوافق والإجماع الحاصل بشأن أجرأة برنامج التأهيل الحضري؛ كما هو الشأن بالنسبة للتوافق الحاصل بشأن هدم حوالي ثلاثة وستين منزلا بحي وادي الذهب المحاذي لدوار جابر لإقامة شارع عام ستكون له دون أهمية كبيرة في استكمال برنامج التأهيل الحضري.
هذا الارتباك الذي يمكن ملامسته أساسا في التحقيق السمعي البصري الذي أنجزته الجريدة الإلكترونية صباح الشرق، والذي قاربت من خلاله مواقف المواطنات والمواطنين ملاكي المنازل موضوع عمليه الهدم؛ إذ هذه الفئة على أنها مستعدة للانخراط في إرادة المصلحة العامة، ولا تنازع من حيث المبدأ عملية الهدم مقابل التعويض بقدر ما تنازع في منهجية تنفيذ هذا الهدم المقرون بالتعويض.
فعند التمعن في هذا التحقيق الصحفي المنجز باحترافية عالية من طرف جريدة صباح الشرق، والاستمتاع لتصريحات الساكنة المعنية بعملية الهدم، يتضح من جهة أولى أن هذا التجمع السكني الذي تعود نشأته لحوالي نصف قرن، حيث هناك من الساكنة المعنية التي قطنته لأكثر من أربعين سنة؛ ومن جهة ثانية يتضح كذلك أنه لئن كانت هذه الساكنة موافقة من حيث المبدأ هدم منازلها مقابل حصولها على تعويض مادي وافق المدبر العمومي المحلي على أدائه وفقا لمخرجات ونتائج تقرير الخبرة المنجز من الخبير المعين من طرف هذا الأخير، فإنها تقرن إخلاءها وإفراغها لمنازلها بضرورة تنفيذ المدبر العمومي المحلي لالتزاماته بأداء التعويضات المستحقة قبل أي إفراغ أو إخلاء.
وفي مقابل هذا الشرط الواقف الذي وضعته الساكنة المعنية بالإفراغ، يشترط المدبر العمومي المحلي، وكما هو وارد في تصريحات الساكنة المعنية خلال التحقيق الصحفي، أن تقوم هذه الأخيرة بإفراغ مساكنها ومنازلها في انتظار رصد الاعتمادات المالية المخصصة للتعويضات؛ وهو الأمر الذي رفضته ولم توافق عليه الساكنة المعنية، ولو اقتضى الأمر هدم مساكنهم على أجسادهم كما صرحوا بذلك خلال التحقيق الصحفي، بدعوى أنها لا تتوفر على بديل، وأن لجوءها للكراء كحل مقترح من طرف المدبر العمومي المحلي يظل عديم الجدوى، خاصة وأن الحالات السابقة تورطت في الكراء وظلت في مواجهة المجهول.
وبناء على ما سبق، فإن تمثلات هذا المشكل البنيوي الذي يعرقل تصريف الإرادة المشتركة بين الطرفين، والذي يساهم في تأخير الجدولة الزمنية لبرنامج التأهيل الحضري واستكماله، تتجسد في الطرف الذي يشرع في تنفيذ التزاماته، هل تقوم الساكنة بالإفراغ أولا ثم تنتظر بعد ذلك تنفيذ المدبر العمومي المحلي لالتزاماته بأداء التعويضات المستحقة؛ أم يقوم هذا الأخير أولا بتنفيذ التزاماته ثم بعد ذلك تقوم الساكنة بعد حصولها على التعويضات بإفراغ مساكنها لأجرأة عملية الهدم؟
إن الجواب القانوني على هذه الإشكالية في تنفيذ التوافق، لن يحصل إلا بتحديد الطبيعة القانونية لهذا الاتفاق، فهل هذا الاتفاق ومن خلالها المركز القانوني لكل طرف، خاصة المدبر العمومي المحلي؛ وعلى ضوء هذا التحديد يتبين حينئذ القانون الواجب التطبيق، هل القانون الإداري الذي يمتلك فيه المدبر العمومي المحلي السلطان والسيادة، أم القانون الخاص الذي تخلى من خلاله المدبر العمومي على هاتين الصفتين؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة الفرعية التي يتطلبها الجواب القانوني عن إشكالية تنفيذ التوافق، لن يكون متأتيا إلا بالرجوع لمحل التوافق (العقد المبرم بين المدبر العمومي المحلي وبين ملاكي المنازل موضوع الهدم)؛ إذ يتضح من خلال هذا الرجوع أن محل العقد هو قبول الساكنة بتفويت ملكية مساكنهم لفائدة المدبر العمومي بمقابل أطلق عليه تسمية ” التعويض”.
وانطلاقا من هذا التشخيص المرتبط بمحل التوافق بين المدبر العمومي وبين الساكنة، يتضح أن الغرض من ذلك التوافق تملك الأول ملكية الثاني. هذا التملك، ونظرا لعمومية المدبر المحلي، فإن المشرع حدد طريقتين لتحقيقه، فالطريقة الأولى هي لجوء المدبر العمومي المحلي لمسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة؛ حيث كما تدل تسميتها فإن تملك المدبر العمومي المحلي لملكية منازل الساكنة تكون لو بدون إرادة وموافقة هذه الأخيرة، حيث تنتزع الملكية بالإجبار والسلطة العمومية وذلك مقابل تعويض مادي، وسمي تعويض مادي وليس بثمن لأن ذلك لا يقتضي موافقة المالك الأصلي عليه، وهذه الطريقة حدد القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة إجراءاتها ومساطرها، والتي يتعين على المدبر العمومي احترامها تحت طائلة اعتباره معتديا وغاصبا لملكية المواطنين، وهو الوصف الذي أطلقه وسيط المملكة في تقريره برسم سنة 2013 على الجهات الإدارية التي لا تحترم مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة.
في حين أن الطريقة الثانية التي منحها المشرع للمدبر العمومي في تملك ملكية الخواص هو لجوؤه لتقنيات التعاقد الرضائي، والتي يتخلى فيها عن السلطان والسيادة؛ إذ يلجأ فيها إلى تقديم عرض لمالك العقار ويحاول الحصول على قبوله، وهو الأمر الذي يجعل مركزه القانوني متساويا مع المركز القانوني لمالك العقار المراد تملكه عن طريق الاقتناء بمقابل يأخذ شكل الثمن، وليس التعويض، اعتبارا لكون المالك الأصلي يحق له قبوله أو رفضه؛ ولا يمكن للمدبر العمومي فرضه على المالك الأصلي، كما لا يحق عند رفض هذا الأخير، انتزاع ملكية هذا الأخير بالقوة، وإلا كان غاصبا معتديا وساقطا في حالة الاعتداء المادي كما جاء في تقرير وسيط المملكة السالف ذكره.
وتبعا لذلك، فإن جوهر الاختلاف بين الطريقتين هو أن الملكية تنتقل مقابل الثمن في مسطرة الاقتناء بالتراضي وفقا لأركان مبدأ سلطان الإرادة وخصوصا ركن حرية التعاقد، ويتم فيه الاحتكام لمقتضيات قانون الالتزامات والعقود؛ في حين أنه في مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة تنتقل فيه الملكية بالإجبار والفرض مقابل تعويض، ويكون القانون المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة هو القانون الواجب التطبيق.
وتأسيسا على ما سبق ذكره بشأن قضية هدم منازل حي وادي الذهب بمدينة بركان، يتضح أن المدبر العمومي المحلي تخلى عن مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وتبعا لذلك تخلى عن سلطانه في انتزاع ملكية الساكنة بالإجبار، واختار بدلا منها، من أجل تملك منازل الساكنة المعنية، مسطرة الاقتناء بالتراضي؛ ومن تمت فإن القانون الواجب التطبيق ليس هو قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة وإنما هو قانون الالتزامات والعقود بجميع أحكامه ومقتضياته والذي يجعل المدبر العمومي المحلي في نفس مستوى الساكنة، متجردا من امتيازه المتمثل في السيادة والسلطان.؛ وهو الأمر الذي يتضح من خلال المنهجية التي اتبعها المدبر العمومي المحلي حيث، إن صح التعبير، قدم عرضا للساكنة وعرض عليها ثمنا، وليس تعويضا، حدده خبير معين من طرفه مقابل تملكه لمساكنهم قصد هدمها وإنشاء محلها شارعا عاما.
ومن بين المقتضيات الناظمة لطريقة الاقتناء بالتراضي التي اختارها المدبر العمومي المحلي، تجدر الإشارة لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 235 من قانون الالتزامات والعقود التي تنص على ما يلي: ” في العقود الملزمة للطرفين، يجوز لكل متعاقد منهما أن يمتنع عن تنفيذ التزامه، إلى أن يؤدي المتعاقد الآخر التزامه، وذلك ما لم يكن أحدهما مملتزما حسب الاتفاق أو العرف أن يؤدي نصيبه من الالتزام أولا.”
وتنزيلا لهذه المقتضيات، وطالما لم يحصل الاتفاق بين المدبر العمومي المحلي وبين ساكنة حي وادي الذهب بمدينة بركان حول من ينفذ التزامه أولا، فإن اللجوء لقواعد العرف هي الواجبة التطبيق
فاستنادا لقواعد العرف الناظمة لملكية اقتناء العقار بالتراضي، فإن المقتني هو الملزم أولا بأداء الثمن على أن ينفذ بعده البائع التزامه بتسليم العين المقتناة لفائدة المشتري،.
وتبعا لهذه القاعدة العرفية المرتكزة على الفصل 235 من قانون الالتزامات والعقود، وفي ظل رفض ساكنة حي وادي الذهب التخلي عن مساكنهم وتسليمها لفائدة المدبر العمومي المحلي فإن المدبر هذا الأخير هو الملزم أولا بأداء الثمن الساكنة، على تقوم بعد ذلك هذه الأخيرة بتسليم ملكية مساكنهم لفائدة المدبر العمومي المحلي الذي يحق له عندئذ هدمها وتشييد محلها طريقا عاما.
هذا العرف الذي امتثل إلى أحكامه المدبر العمومي المحلي، حيث وافق على شرط الساكنة بعدم إفراغها لمساكنها إلا بعد حصولها على ثمن الاقتناء المتجزئ إلى بقعة سكنية ومبلغ مالي…
(*)عضو المكتب السياسي
لحزب الاتحاد الاشتراكي
للقوات الشعبية
الكاتب : عبد المنعم محسيني (*) - بتاريخ : 12/03/2025