هكذا تكلم إدريس.. وهكذا انتفضت جحافل الظلام!

سعيد الخطابي (*)

وأنا أتابع خرجة الأخ إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وما أعقبها من هجمات مسعورة، تحررت من كل قيد أخلاقي أو التزام بقيم الاختلاف واحترام الرأي الآخر، أجد نفسي مدفوعا للوقوف عند هذه العاصفة التي ما فتئت تعصف بكل محاولة جادة لفتح نقاش سياسي صادق ومسؤول.
لقد حمل إدريس لشكر شجاعة الاجتهاد، اجتهاد في الإبداع السياسي بإطلاق هذا اللقاء التواصلي، الذي لم يكن مجرد حدث إعلامي عابر، بل زلزالا فكريا كشف زيف المسكوت عنه وأزاح الغبار عن المشهد السياسي المترهل. اجتهاد في تشغيل جحافل مناوئيه، أولئك الذين يعتقدون أنهم يملكون مفاتيح الحقيقة المطلقة، فراحوا ينصبون المشانق، لا لمناقشة أفكاره أو تحليل مواقفه، بل للنيل منه كشخص، في استهداف مقصود لكل من يرفض الاصطفاف خلف جوقة التبرير والتضليل.
هؤلاء الذين سلطوا أقلامهم الحمراء، لم يلتفتوا إلى حجم القضايا السياسية التي تناولها إدريس لشكر بجرأة نادرة، ولا إلى تحليله العميق للمشهد العام، ولا إلى دفاعه المستميت عن القضية الفلسطينية داخل التكتلات التقدمية العالمية، حيث لا صوت للمغرب سوى صوت الاتحاد الاشتراكي. لم يلتفتوا إلى موقفه المبدئي من التحولات الجيوسياسية بعد نكسة 7 أكتوبر، ولا إلى قراءته للعبة المصالح الكبرى التي جعلت من دماء أطفال غزة وقودًا لرسم خرائط جديدة في الشرق الأوسط.
لقد تحدث إدريس لشكر عن التحالفات الهجينة التي تُحيكها الأغلبية المتغولة، وعن المستقبل الذي يراد له أن يُبقى في غرف مظلمة بعيدا عن أعين الشعب، وعن انقلاب البعض على المنهجية الديمقراطية نفسها التي كانوا يصرخون بها حين كانت في مصلحتهم.
تكلم عن حكومة 2026 التي يراها مشروعا لإعادة الاعتبار لكرامة المواطن، حكومة تحارب الفقر والتهميش، وتضمن التعليم الجيد والصحة الفعالة، لكن البعض أراد اختزال مستقبل المغرب في جلدة منفوخة تتقاذفها الأقدام، كأن كأس العالم هو الغاية وليس وسيلة للتحفيز والإبداع.
لمدة ساعتين ونصف، تحدث إدريس لشكر عن قضايا حيوية، لكن لم يلفت انتباه فرسان الردة السياسية إلا جملة واحدة، التقطوها كالسكاكين المسنونة، ليبنوا عليها محرقة جديدة يستهدفون فيها الرجل لا كسياسي فقط، بل كإنسان أولًا، في مشهد يعكس عطش البعض لإراقة دم الاتحاد كلما سنحت الفرصة، وكأن المطلوب هو أن يبقى الحزب دائما في موقف الدفاع، عاجزا عن قول الحقيقة كما هي.
لست هنا بصدد الدفاع عن إدريس لشكر، فهو رجل نقشت على جبينه ندوب المعارك السياسية، و»يــاما دقَّت على رأسه طبول»، لكنه اختار اليوم أن يسمي الأشياء بمسمياتها، ولو كان يبحث عن بطولات زائفة، لارتدى قناع المزايدات الفارغة التي لا تخدم لا فلسطين، ولا الوطن، ولا الشعب.
حين نطق إدريس… ارتعشت قلاع الزيف!
ليس غريبا أن تهب زوابع الحقد حين يتجرأ صوت حرّ على قول الحقيقة، وليس جديدا أن تنبري جحافل الظلام كلما سطع ضوء الفكرة. هكذا كان المشهد حين تكلّم إدريس لشكر، ليس كفرد، بل كصوت امتداد تاريخي لحزب نذر نفسه لقول الحقيقة، ولو كانت مرة، حزب جعل من النضال شريعة، ومن الصمود عقيدة، ومن الوطن عشقا لا يقبل المساومة.
لم يكن لقاء إدريس لشكر مجرد محطة عابرة في روزنامة التصريحات السياسية، بل كان زلزالا أخلاقيا اهتزت له أركان الصمت المخملي، وكشف عن زيف الشعارات التي يلوّح بها المتاجرون بآلام الشعوب. ففي زمن تهادن فيه كثيرون، اختار أن يكون سيفا مشرعا في وجه التخاذل، وقلبًا نابضا بالانتصار للحق، سواء حين تحدث عن فلسطين، حيث لا صوت للمغرب في المحافل التقدمية سوى صوت الاتحاد الاشتراكي، أو حين عرى التحالفات الهجينة التي تحاك في الغرف المظلمة، أو حين وقف، دون مواربة، ليحذر من العبث بمصير الوطن تحت شعارات زائفة.
إن الذين انقضوا عليه لم يزعجهم منطقه، ولم تؤرقهم قضاياه، بل أرعبهم أن يكون في المغرب من لا يركع لمنطق الصفقات والمجاملات الرخيصة. لم يناقشوا أفكاره، بل استلوا خناجر الاغتيال المعنوي، ليشعلوا محرقة جديدة، وكأن المطلوب أن يبقى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية جريحًا أبديا، لا يملك إلا أن يبرر ويعتذر.
لكن متى كان للحق أن ينكسر؟ ومتى كان لصوت الحرية أن يسكتَه نباح المتربصين؟
لقد خاض الاتحاد، عبر عقود، معارك شرسة ضد من أرادوا أن يختزلوا الوطن في لعبة مصالحهم، وكان في مقدمة الصفوف حين ارتجفت الضمائر، وسيظل كذلك، حزبا لا يهادن في القضايا الكبرى، ولا يتلون مع أمواج المصلحة. فحين كان البعض يبيع المواقف في سوق النخاسة السياسية، كان الاتحاد يكتب تاريخه بمداد الشهداء، وحين ارتضى آخرون أن يكونوا أصداء لغيرهم، كان الاتحاد صوتا مستقلا، حرا، شريفا.
اليوم، يعود الاتحاد ليقول كلمته، غير عابئ بجوقة التبرير أو سهام الافتراء. اليوم، يرفع إدريس لشكر راية الحقيقة، ويقف متحديا من يريدون طمس معالم الوعي في ركام التفاهة. اليوم، يقال ما كان ينبغي أن يقال، ويُسمّى العبث باسمه، لأن الوطن ليس ملكا لفئة دون أخرى، ولا يمكن لمن تعودوا الاستبداد بالحقيقة أن يكمموا الأفواه إلى الأبد.

(*) كاتب إقليمي بالحسيمة وعضو المجلس الوطني للحزب

الكاتب : سعيد الخطابي (*) - بتاريخ : 29/03/2025