وداعا نعيمة سميح، وداعا الشلال المتدفق

عبد السلام المساوي
وداعا الفنانة الأصيلة الفنانة المغربية، وداعا صاحبة البحة الساحرة،” ياك يا جرحي جريت أو جريت ” ، ” جاري يا جاري ” ،” على غفلة”.
تنساب الكلمات في تلقائية كأنها شلال لا ينضب نميره عن التدفق، يتدفق الصوت رطبا على القلب في تناسق عجيب بين قهقهات الضحك، تناسق يوقظ فيك الفرح الطفولي لتنفتح الأبواب تدريجيا لقلب عانى من اختفاء الحب، قلب الذي عرف النساء ولم يعرف الحب.
نعيمة بصوتها الفاتن وهي تشدو، صوت جميل وقوي، لكنه يفيض أنوثة، صوت فيه الكثير من الصدق بعنوان البساطة والهدوء .
وأنت تستمع لنعيمة، وأنت تنصت لها، تتمنى أن يطول الإنصات والاستماع، تتمنى ألا ينقطع، تستمع إلى نعيمة وأنت تستمع بصوت رخيم جميل ينطق جمالا وفتنة، تستمع إلى نعيمة وكأنك في رحاب سمفونية موسيقية خالدة، وكأنك تصلي في معبد النساك المتعبدين، وعندما يتوقف الإرسال تبقى مهووسا بصوتها، أنغامه تسكنك وتطرد من أذنك كل صوت نشاز، هو صوت تسمعه لأول مرة فتسقط عاشقا مغرما ولهانا، ولا رجلا هو من لا يعشق هذا الصوت الأسطوري الذي ينحني له العشاق راكعين ساجدين، نعيمة صاحبة الصوت النقي الطاهر، وطوبى لكل من اتيحت له فرصة الاستماع والاستمتاع بهذا الصوت، صوت البلبل المغرد بألحان طبيعية بعيدا عن التكلف والتصنع .
والصوت هنا جزء من الكل، نعيمة جميلة صوتا وصورة ، شكلا ومضمونا، ظاهرا وباطنا، سطحا وعمقا، إنها بنية متناسقة ونسق متناغم، وجه ملائكي، يصعب تصنيفه، يستحيل تحديده، فيه ملامح أوروبية، ايطالية وإسبانية تحديدا ، فيه تقاسيم أمريكا اللاتينية، فيه أصالة الجمال الأمازيغي بنكهة أندلسية، وأنت تتأمل وجهها وأنت تقرأ محيا نعيمة، تصاب بالحيرة، وتخرج بخلاصة مفادها؛ جمال الكون كله حاضر في وجه نعيمة، إنها مغربية …
عينان ضاحكتان تعبران بالابتسامة عن الحب والتفاؤل والصدق، عينان ناطقتان تخفيان الكثير من الأسرار،عينان جميلتان رغم مسحة الحزن المزمن التي ترقد فيهما، تستطيع نعيمة أن تقول أشياء كثيرة، لكن نظرة منها تعفيها من كثرة الكلام، في حصرتها تتعطل لغة الكلام وتفسح المجال لعينيها لتخاطب العاشق والحاقد، لغة عينيها أبلغ وأفصح من كل لغات العالم وألسنه .
اليوم تعلو وتسمو، تحلق إلى السماء، تريد أن تتخلص من خسة الأرض وجرائمها وأوساخها البشرية، لتعانق جمال السماء بزرقتها ونجومها، إنها تتحرر من الأسفل لتلتحق بالأعلى ..كانت تحب العلا والعلياء .
أنيقة بامتياز الذوق الرفيع، عصرية ولكنها أصيلة، بعيدا عن العري فهي مغرية وفاتنة، جذابة باستحقاق المرأة التي لا تبدي تضاريس جسدها، وتترك حرية التخيل لكل سابح في بحر جمالها وأنوثتها .
أنيقة، ويحار كل من رآها هل اللباس يستمد حسنه وبهاءه من نعيمة أم أناقة نعيمة من جودة اللباس، وسرعان ما ينفك اللغز فسر الجمال من روح نعيمة…
منذ بداية البدايات عشقت الفن وداعبت الوجود،عز عليها أن تسقط فتستجيب لطيور الظلام،عز عليها أن تخفي وجهها الصبوح بأقنعة قذرة، لم تطق لها سقوطا لهذا اقتحمت قطار الفن مهما غضب السيد والجلاد، أصرت على أن تبقى الراية مرفوعة والوردة مزهرة حتى وإن كان الزمن زمن جهل ورداءة، ولما ادلهمت بنا الآفاق وجدنا فنانة مقتدرة تنبهنا وتهدينا، فان نعيمة التي أطلقت في زمن الصمت صرخة، جعلت الناس يعشقون الورد…
تعطرت بوعي فني مبكر، وضربت في الأرض في مرحلة حرجة من تاريخ المغرب، في سن مبكرة بدأ تشكل الوعي الإبداعي والانخراط في الغناء، انخرطت في العمل الفني وهي فتاة جميلة ومغرية…
عانقت الفن والطرب وهي بالكاد شابة.. شكلت قيمة مضافة للطرب، حاصرتها أسراب البوم كليالي النفاق طالعة من جحور القبيلة فوجدتها معتصمة باختيارها، نعيمة صاحبة قضية، وعلى فنانتنا أن تواجه الأمواج والإعصار، تلك كانت قناعتها وذلك كان واجبها، وتلك كانت مهمتها..وإلا فليرحل من هذا العالم الذي في حاجة إلى العواطف النبيلة والصادقة، هكذا كانت الصبوحة نعيمة ترى الأشياء، وهكذا كانت تتصور العالم الذي نحن فيه …
وقفت نعيمة فوق خشبة الحياة وأعلنت رفضها للذل والمهانة ، إنها صاحبة إشكالية ملحاحة…
آلام المرحلة حاضرة في وعيها، هي نعيمة، إذن، فنانة بامتياز إبداعي، مطربة بقناعاتها، وما أسهل تأقلمها في المجال إذا أرادت بمحض إرادتها، دون أن تخضع لأي أمر أو قرار..لم تسقط سهوا على الفن، هي فنانة إيمانا واختيارا ،اكتسبت شرعية الانتماء بالقوة والفعل، وانتزعت الاعتراف والتقدير بالصوت والإبداع…
ومنذ طفولتها كانت نعيمة وردة ممسكة بزمام مسار حياتها، حملت في صدرها كبرياء القمم وإصرار الأنهار على المضي قدما مهما صعبت المسالك، تشق مجراها بصبر وثبات…
بعد طفولة هادئة باللون الأبيض والأسود، بالجدية وشيء من الشغب، تصطحب ظلها لمواجهة المجهول، لمجابهة المثبطات، لعناق الأمل، ودائما كانت تحمل في كفها صوتا ولحنا، وفي ذهنها عواطف، وعلى كتفها مهام ومسؤوليات، فهي تكره الفراغ..منذ بداية البدايات كشفت عن موهبة تمتلك قدرة النجاح، وظلت دائما ودوما متمسكة بطموح النجاح …
ارتشفت ثدي الفن ونهلت من حليبه، وتشبعت بمبادئه وقيمه…
إن الفن هو فن المراكمة الصبورة وتحضير الطفرات النوعية بالعمل الطويل النفس الخاضع للتقييم الدوري.. ،
إنها مطربة، لا يمكن أن تحشر في زمرة الفنانات الكسولات، فهي ليست منهن، لأنها محصنة، ولكنها كانت تعرف أن الطريق ألغام وكوابيس، وقائع وانفجارات ..دسائس وإشاعات، لهذا كانت تمضي بحكمة وثبات، تفضح الكوابيس وتنبه إلى صخبها، تنبه إلى الإغراءات وتحذر من مخاطرها، وارتفعت إلى مقام الفنانة المقاومة، وليست منهن لأنها رضعت الأنفة والأناقة في معبد الكبار، فاسمحوا لي أن أعلنها صاحبة قضية وصاحبة أجمل صوت…
لنعيمة حضور فني قوي، حضور ينشدها كل يوم ويذكرها ،بل ويغنيها ويتصاعد في تناغم مع مسار جمالي، هي أصلا تربت ضد الصمت ..تربت على كره الرداءة ..وهي طفلة، وهي تنمو، نما فيها كره الاختفاء وراء الأقنعة، مترفعة في لحظات الهرولة، واثقة في زمن التيه، مؤمنة بأن النجاح اجتهاد وعمل، وأن الفن اختيار والتزام…
نعيمة مغربية، رحمك الله عزيزتنا.
الكاتب : عبد السلام المساوي - بتاريخ : 12/03/2025