الاجتهاد الدستوري المغربي في ضوء مشروعَي الدفع بعدم الدستورية وتعديل القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية
ذ. كمال الهشومي*
الحديث عن مشروع القانون التنظيمي 35.24 المتعلق بالدفع بعدم دستورية قانون، ومشروع تعديل القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية 36.24،
لا يمكن أن يكون نقاشًا مسطريًا فقط.
إنه نقاش حول بنية الاجتهاد القضائي المغربي نفسه… حول منهجه، معاييره، حدوده، وإمكانات تطويره ليصبح رافعة حقيقية لحماية الدستور.
وهنا، سأقف عند بعض المحاور الكبرى التي تُظهر بشكل علمي كيف أنّ مستقبل العدالة الدستورية في المغرب يتوقف على نوع الاجتهاد الذي ستنتجه المحكمة لا فقط على النصوص القانونية.
المحور الأول: مشكلة المنهج القضائي- غياب «نظرية للتفسير الدستوري»
منذ 2011، يعمل الاجتهاد المغربي وفق منهج نصي حرفي (Interprétation littérale) ، يتجنب التأويل الغائي (interprétation téléologique) أو الحقوقي.
مثال علمي واقعي:
في قرار المحكمة الدستورية 70/18 (6 مارس 2018) المتعلق بالقانون التنظيمي لمجلس المستشارين، اعتمدت المحكمة على تفسير حرفي للفصول دون إدماج أي معيار لوزن الحقوق السياسية.
• تطابق حرفي بين النص الدستوري والنص القانوني،
ولم تبحث في: مدى تأثير هذه القيود على التمثيلية، ولا على حرية المشاركة السياسية، ولا على تكافؤ الفرص بين الأحزاب.
هذا المنهج جعل القرار سطحيًا من الناحية الدستورية رغم قوته الشكلية.
الإشكال في المشروعين الجديدين:
لا مشروع 35.24 ولا 36.24 ينصّ على «منهجية» للتفسير، ولا يعزّز دور المحكمة كحامية للحقوق وفق مبدأ التناسب كما في فرنسا وألمانيا.
المحور الثاني: غياب رقابة التناسب= اجتهاد بلا حماية للحقوق الأساسية
كل تجارب العدالة الدستورية الناضجة- فرنسا، ألمانيا، كندا، جنوب إفريقيا- تعتمد على معيار التناسب (Test de proportionnalité) أما في المغرب، فلا وجود لهذا المعيار لا في:
• القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية،
• مشروع تعديله،
• القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية.
مثال:
إذا قدّم مواطن دفعًا بعدم دستورية قانون يقيّد حرية الصحافة أو حرية الجمعيات، لا يوجد أي إلزام على المحكمة لفحص:
1. هل القيد ضروري؟
2. هل ملائم؟
3. هل متناسب؟
4. هل هناك بدائل أقل تقييدًا؟
النتيجة: اجتهاد دستوري لا يستطيع حماية الحريات، ولو وصل الدفع إلى المحكمة.
المحور الثالث: الأزمة المؤسساتية – قدرة القضاء المغربي على استيعاب آلية الدفع
الوضع الحالي للمحاكم المغربية يكشف هشاشة بنيوية:
• معدل الملفات لكل قاضٍ يفوق المعايير الدولية بـ 3 إلى 5 مرات.
• ضعف التكوين الدستوري للقضاة والمحامين.
• ضعف وحدات للمساعدة القانونية.
مثال:
المادة 5 من مشروع القانون 35.24 تنص على 8 أيام لفحص الدفع و4 أيام لتصحيح المسطرة – وهذه آجال مستحيلة في محاكم تتأخر فيها التبليغات لأسبوعين.
الانعكاس على الاجتهاد:
القاضي سيضطر لرفض دفوع «جدّية» لأسباب شكلية، فينتج اجتهادًا دفاعيًا (jurisprudence défensive) يضحي بالحق من أجل المسطرة.
المحور الرابع: المادة 27 – كيف نُنتج اجتهادًا دستوريًا بلا أثر قانوني؟
المادة 27 من مشروع تعديل قانون المحكمة الدستورية أخطر من ظاهرها: فهي تمنح الدولة حصانة كاملة ضد أي مطالبة بالتعويض عند تطبيق قانون غير دستوري.
مثال:
شخصٌ يُمنع من الترشح بسبب مقتضى قانوني غير دستوري، وبعد عامين تُصرّح المحكمة بعدم دستوريته.
النتيجة:
• لا تعويض، ولا جبر للضرر، ولا أثر بأثر رجعي، ولا إعادة الاعتبار.
فالدستور لا ينظم «المسؤولية عن الخطأ التشريعي».
الفصل 134 فقط ينص على أن قرارات المحكمة الدستورية غير ذات أثر رجعي، لكنه لا يمنع التعويض.
• الفصل 120: يكفل الحق في الإنصاف وجبر الضرر.
• الفصل 154: يربط المسؤولية بالمحاسبة.
• الفصل 6: الجميع، بما في ذلك الدولة، سواسية أمام القانون.
لكن لا توجد ترجمة تشريعية لهذه المبادئ في مجال الخطأ التشريعي.
مقارنة علمية:
• في فرنسا: → QPC 2010 الدولة مسؤولة عن «الخطأ التشريعي».
• في ألمانيا: BVerfG تسمح بالتعويض في «الضرر الجسيم».
أما في المغرب: اجتهاد بلا أثر، وقضاء دستوري بلا إنصاف.
المحور الخامس: غياب نظرية للربط بين الدستور والالتزامات الدولية
مشروع 36.24 يضيف إشارة خجولة إلى «مراعاة الالتزامات الدولية»، لكنه لا ينص على قواعد واضحة لحلّ النزاعات بين القانون الوطني والمعاهدات.
مثال:
إذا تعارض قانون وطني مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فالقاضي الدستوري المغربي غير ملزم بتطبيق اختبار الضرورة أو التناسب الذي تعتمده لجنة حقوق الإنسان.
• الفصل 55 يربط المعاهدات بالمصادقة البرلمانية.
• الديباجة ذات قيمة دستورية.
• الفصل 23، 25، 26، 28، 29، 120 كلها فصول «حقوقية» متناغمة مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
لكن:
لا القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية
ولا مشروع تعديله
ولا مشروع الدفع بعدم الدستورية
يضع إطارًا قانونيًا يسمح للمحكمة الدستورية بأن:
1. تُراقب احترام القوانين للمعاهدات (Contrôle de conventionnalité).
2. تبني اجتهادًا يدمج المعايير الدولية في التفسير الدستوري.
3. تُفرّق بين المعاهدات ذات السموّ والمعاهدات العادية.
4. تُقيم التناسب وفق معايير الأمم المتحدة أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
خلاصة المداخلة – كيف ننتج اجتهادًا دستوريًا حقيقيًا/ديمقراطيا؟
إننا لسنا أمام مجرد قوانين، بل أمام مستقبل الاجتهاد الدستوري في المغرب.
ولكي يصبح الاجتهاد الدستوري رافعة للديمقراطية، يجب:
1. تبني منهج التفسير الغائي والحقوقي بدل القراءة الحرفية.
2. إدماج مبدأ التناسب دستوريًا وقانونيًا.
3. إصلاح بنية القضاء قبل تفعيل الدفع بعدم الدستورية.
4. إدراج حق التعويض عند المساس بالحقوق الأساسية.
5. فرض إلزامية نشر المذكرات والأحكام والآراء المخالفة ((Opinion dissidente
6. تكوين جيل من القضاة والمحامين في القانون الدستوري القضائي.
وهنا السؤال الأكبر:
– هل المغرب مستعد للانتقال من دولة «نصّ الدستور» إلى دولة «اجتهاد الدستور»؟
– هل نملك الشروط الموضوعية لإنتاج Jurisprudence Constitutionnelle مغربية حقيقية؟
أم سنعيد إنتاج نموذج «المحكمة الحارسة للنص» بدل «المحكمة الحامية للحقوق»؟
* استاذ القانون الدستوري والفكر السياسي
الكاتب : ذ. كمال الهشومي* - بتاريخ : 28/11/2025

