المحامين الشباب بين ذكاءين
إعداد: الأستاذ محمد الأزرق *
يشكل الذكاء الاصطناعي ذروة الثورة التكنولوجية الرقمية التي تشهدها الحضارة الإنسانية. إذ أصبح يكرس لحضارة جديدة تهدد الحضارة الإنسانية بفعل قدرته على انجاز عمليات ذهنية ومعرفية يحاكي من خلالها السلوك البشري في شتى المجالات حتى تلك التي كان يعتقد أنها ستظل حكرا على الانسان. وذلك باعتباره نظام آلي قادر على تقديم توقعات وتوصيات أو اتخاذ قرارات تؤثر على البيئة المحيطة، باستخدام المعطيات والمدخلات التي تولدها الآلة و/أو يقدمها الانسان من أجل إدراك بيئات حقيقية و/أو افتراضية (تعريف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE).
ويرى الباحثين أن الذكاء الاصطناعي خاصة والتطورات التكنولوجية والرقمية عامة أفضت إلى إضافة فضاءات وأبعاد جديدة للحضارة الإنسانية، مما ساهم في نشأة جيل جديد من الشباب انغمس في هذه الفضاءات والأبعاد أكثر من تفاعله في الحياة التقليدية.
ومهنة المحاماة باعتبارها مهنة ضاربة في عمق المجتمع الانساني، بدورها عرفت توافد جيل جديد من الشباب المنغمس في تلك الفضاءات والأبعاد الرقمية المحدثة على مستوى الحضارة الإنسانية بفعل الزخم التكنولوجي والرقمي.
هؤلاء المحامين الشباب، الذين لم يظلوا بمعزل عن توجهات شباب جيلهم، فأصبحوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في عملهم، سواء كأداة للبحث وتقصي المعلومات في إعدادهم للمذكرات وصياغتهم للمرافعات وتقديمهم للاستشارات. بل وأحيانا كوسيلة تحل محلهم في الكثير في إنجاز الأعمال المذكورة، وهذا راجع كما أشرنا إلى الطبيعة التكنولوجية والرقمية التي وسمت فكر هذا الجيل.
وحسب رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (رأي بخصوص الذكاء الاصطناعي بالمغرب صادر بناء على الإحالة الذاتية رقم 78/2024) هناك مقاربتان في فهم هذه التحولات الذي أحدثها الذكاء الاصطناعي على الحضارة الإنسانية، مقاربة ترى بأن الذكاء الاصطناعي سيقوي من القدرات الإنسانية، على غرار ما حدث خلال الثورات الصناعية والعلمية السابقة؛ ومقاربة أخرى أكثر راديكالية، تتوقع أن يعوض الذكاء الاصطناعي البشر بشكل كامل في جميع الأعمال.
وعلى نفس المنوال، انقسمت الآراء حول اعتماد المحامين بشكل عام وخاصة الشباب منهم على الذكاء الاصطناعي في عملهم. فهناك من يرى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة حتمية، يقول المحامي الأمريكي توماس جيراردي:» قد يعتبر عدم استخدام الذكاء الاصطناعي يوما ما سوء تصرف قانوني.. سيكون مشابها لمحامي في أواخر القرن العشرين لا يزال يفعل كل شيء يدويا على الرغم من إمكانية استخدام الكمبيوتر».
وهناك من يرى بكل تحفظ أن اعتماد المحامين على الذكاء الاصطناعي في عملهم يؤسس على نظرية علاقة الانسان بمكتسباته. هذه النظرية التي مفادها، حسب عالم الاجتماع والانثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستراوس، أن الانسان يفقد من ذاته مقابل ما يتحقق له من مصنوعاته، فعلى سبيل المثال الإنسان الذي طور الأسلحة قد قلت قدراته البدنية لأن تطويره للآلة يكفيه عن عناء التدريب… وعليه بمقدار ما تتحقق مكاسب تقنية للإنسان تتردى إمكاناته وذكاؤه في تناسب عكسي بين تراجع قدرات الإنسان وتقدم صناعاته. وبالتبع فإن اعتماد المحامي على الذكاء الاصطناعي وإن كان سيساعده ويختصر عليه الوقت والجهد، إلا أنه سيأخذ من ذاته ومن تكوينه ومن مهاراته.
ذلك أن الاعتماد بشكل دوري ومفرط على الذكاء الاصطناعي قد يساهم في إضعاف التكوين القانوني وتدني ملكة التحليل والحس القانونيين لدى المحامي، هذه المميزات التي تكتسب من خلال التعامل المباشر مع النصوص القانونية والمقررات القضائية والكتب الفقهية. كما قد يتجرد المحامي من البعد الإنساني الذي يعتبر من المكونات الرئيسة التي يجب أن تطبع عمله، هذا على المستوى الخاص.
أما على المستوى العام، إن توسع رقعة المحامين الشباب المفرطين في استخدام الذكاء الاصطناعي قد ينتج جيلا جديدا من المحامين لا يجسدون الدور المحوري الذي تلعبه مهنة المحاماة في تطوير وتجويد المنظومة القانونية، عبر تطبيق النصوص وتفسيرها وكشف مكامن ضعفها، وكذا المساهمة في تكريس قواعد واجتهادات قضائية على ضوئها. باعتبار المحامي وسيلة فعالة داخل سلسلة انتاج التشريع وليس مجرد أداة مستهلكة له، وطرفا رئيسيا وفعالا في صنع المقرر القضائي، وليس ذو حضور شكلي في ديباجته.
كما قد يساهم التوسع المذكور بشكل حتمي وتلقائي في توحيد وتنميط عمل المحامين، إذ لا غرابة إن أصبحت المذكرات متطابقة والمرافعات متشابهة، بفعل الاجهاز على عنصري الابداع والتنوع اللذان لطالما كانا من المميزات التي تطبع عمل وشخصية كل محام على حدة. ولا غرابة أيضا، في ظل هذا الوضع، إن تراجع منسوب الثقة في جدية المهنة.
وإن أخطر ما في اعتماد المحامين الشباب على الذكاء الاصطناعي، ليس الافراط في ذلك فقط، إنما الاعتماد عليه كبديل عنهم يعفيهم من مشقة البحث واستسقاء المعلومة عبر استخدام ما ينتجه لهم من مذكرات ومرافعات واستشارات دون عناء التأكد من صحة ووجاهة المعلومات المقدمة ومدى تكيفها مع وقائع القضايا التي يعرضونها عليه. وهذا ليس من باب الزيادة في القول إنما هو واقع معاين داخل الوسط المهني.
ويجب أن نستحضر هنا أهم الأخطار التي يطرحها استخدام الذكاء الاصطناعي، ألا وهو عدم دقة المعلومات القانونية التي يقدمها، هذه الملاحظة التي اكتشفتها أول مرة حينما طلب أحد موكلي المكتب، حيث أتمرن، استشارة في قضية تتعلق بمنازعة بين شركاء في شركة، وبعد تكليفي من قبل الأستاذ صاحب مكتب التمرين باستقباله والاطلاع على وقائع القضية. من بين الوثائق التي مكنني منها محادثة له مع تطبيق chat GPT، تحمل مجموعة من المعلومات والتوجيهات المدعمة بنصوص قانونية، إلا أنه وبعد تصفحي للمعلومات والنصوص المقدمة من قبل التطبيق، وإن كنت قد لامست صحة جزء منها، إلا أن جزء كبيرا من هذه المعلومات غير صحيحة، وما أثار دهشتي هو اكتشافي أن النصوص القانونية المقدمة هي من صنع التطبيق ولا وجود لها إطلاقا بالمنظومة القانونية المغربية المؤطرة للنزاع.
إن هذا المنحى، لا يشكل «هلوسة الذكاء الاصطناعي» كما يصفها البعض، إنما يمكن وصفه «بالغباء الاصطناعي القانوني» نظرا لجهل هذه التقنية بالقوانين، ولعدم إمكانية مسايرتها للقاعدة القانونية باعتبارها قاعدة متطورة تتسم بسرعة التغيير والتتميم والنسخ، هذا التطور الذي لا يمكن للتقنية المذكورة تداركه إلا من خلال ما يقدمه لها المستخدمين من معلومات، علما أنها لا تتوفر على إمكانية الولوج الى المواقع الحكومية للاطلاع على القوانين والمقررات القضائية المحالة عليها. وهذا المفهوم « الغباء الاصطناعي القانوني» كفيل بردع المحامين الشباب بالاعتماد الكلي على هذه التقنية.
وعلاوة على ما سبق، إن هذا الاعتماد المتزايد والمفرط على الذكاء الاصطناعي في الوسط المهني، أصبح يطرح إشكالات قانونية عصية نابعة من صلب القانون المنظم للمهنة، أهمها مدى تعارض هذا الاستخدام مع واجب التحفظ والسر المهني. لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في صياغة المرافعات والمذكرات وتقديم الاستشارات يستلزم تقديم عرض مفصل لوقائع قضايا الموكلين بل تحميل بعض الوثائق أحيانا. والمتفق عليه علميا كما هو مستشف من التعريف المقدم أعلاه، أن المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي إما أن تكون ناتجة عن ذكاء الآلة أو أن تكون نتاج لإعادة استعمال المعلومات المقدمة من قبل المستخدمين السابقين، وبالتبع فكل معلومة أو وثيقة تم تقديمها للذكاء الاصطناعي من قبل مستخدم ما، سيتم استخدامها لخدمة مستخدم آخر مهتم بنفس المجال دون الحاجة إلى موافقة المستخدم الأول. ناهيك عن إمكانية اختراق أنظمة الذكاء الاصطناعي والحصول على جميع المعلومات والوثائق المخزنة لديه. وهو ما يثار معه التساؤل حول مدى احترام مستخدمي الذكاء الاصطناعي من المحامين للالتزامات المفروضة عليهم قانونا والمتمثلة أساسا في واجب التحفظ والسر المهني.
في الختام، لا يسعنا إلا القول أن عقلنة استخدام المحامين الشباب للذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة ملحة أمام تزايد الاقبال المفرط عليه من لدنهم. هذه العقلنة التي لن تتأتى إلا بوعي ذاتي من قبلهم بالمخاطر التي تحدق بتكوينهم وشخصيتهم ومسارهم المهني جراء الاستعمال المفرط والعشوائي لهذه التقنية. كما لن يتأتى ذلك إلا بوعي جماعي من قبل الوسط المهني، يدفع أجهزة مختلف هيئات المحامين بالمغرب إلى فتح نقاشات علمية وعملية، سواء عبر ندوات التمرين أو بواسطة الأنشطة المهنية المختلفة التي تدخل ضمن التكوين المستمر للمحامين، قصد توجيه وتيسير ولوج المحامين الشباب بشكل معقلن الى الذكاء الاصطناعي، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، جعل هذه التقنية وسيلة لتطوير المهنة، قبل أن تصبح خطرا يهددها. لأنه لا محيد لمهنة المحاماة عن العقل البشري، واستحضر هنا مقولة عميد كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في ايفرين سونغ ريتشاردسن:» لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الحاجة إلى التفكير النقدي».
* محام م بهيئة طنجة
عضو المجلس الوطني للشبيبة الاتحادية
الكاتب : إعداد: الأستاذ محمد الأزرق * - بتاريخ : 24/11/2025

