قراءة في ارتدادات قرار ترامب ضد الإخوان المسلمين
علي قاسم
منذ تأسيسها في مصر عام 1928، كانت جماعة الإخوان المسلمين محور جدل عالمي، بين من يراها حركة إصلاحية دعوية تسعى لإحياء الإسلام في المجتمعات المسلمة، ومن يعتبرها مشروعا سياسيا عابرا للحدود يهدد استقرار الدول من خلال شبكاته السرية وأفكاره الراديكالية. في 23 تشرين الثاني – نوفمبر 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مقابلة مع موقع “Just The News”، أن إدارته تعد “الوثائق النهائية” لتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO)، مشدداً أن الأمر سيتم»بالأقوى والأشد من الأقوال».
الإعلان يأتي، وفق مراقبين لمحوا إلى زيارة ولي عهد السعودية إلى البيت الأبيض مؤخرا، إثر ضغوط من حلفاء خليجيين، وبعد تصنيف ولاية تكساس للجماعة كمنظمة إرهابية محلية في 18 تشرين الثاني – نوفمبر، ويمثل تحولاً جذرياً في سياسة واشنطن تجاه الإسلام السياسي. لم يعد التعايش مع الإخوان خياراً، بل أصبحت المواجهة المباشرة وتجفيف منابعه الإجراء الرسمي. السؤال المركزي: هل يقتصر هذا القرار على التنظيم الأم في مصر، أم أنه يوسع دائرة الاشتباه ليشمل شبكة عالمية تمتد من الشرق الأوسط إلى الغرب وجنوب آسيا، مما يعيد رسم المشهد الإسلامي عالمياً؟
وفقاً للقانون الأميركي (القسم 219 من قانون الهجرة والجنسية)، يعني تصنيف جماعة كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) تجميدا فوريا لجميع أموالها وممتلكاتها داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان يخضع لولايتها القضائية، بالإضافة إلى تجريم أي دعم مادي أو لوجيستي لها، مع عقوبات تصل إلى السجن مدى الحياة إذا أدى الدعم إلى وفيات. كما يمنع دخول أعضاء الجماعة أو داعميها إلى الأراضي الأميركية نهائياً، ويفتح الباب أمام إغلاق الجمعيات أو المراكز الدينية المرتبطة بها. هذا البعد القانوني ليس نظرياً؛ فقد أدى تصنيفات سابقة، مثل تلك ضد حزب الله أو حماس، إلى مصادرة ملايين الدولارات وإغلاق عشرات المنظمات.
في سياق الإخوان، سيوسع القرار تعريف «الجماعة» ليشمل شبكتها العالمية، بما في ذلك منظمات في الغرب مثل مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (CAIR)، الجمعية الإسلامية في أميركا الشمالية (ISNA)، ومنظمة الإغاثة الإسلامية (IIA)التي اتهمتها تقارير الكونغرس عام 2018 بأنها «واجهات» للإخوان. كما سيؤثر على الجمعيات الطلابية في الجامعات الأميركية والأوروبية، والمراكز الثقافية في بريطانيا وألمانيا، حيث تُعتبر الجماعة «الأم» مصدر إلهامها. سياسيا، يعكس القرار إستراتيجية ترامب الثانية (2025-2029) في مواجهة «الإرهاب الإسلامي الراديكالي»، مدعوماً بتقرير وزارة الخارجية الأميركية الذي يصف الإخوان بأنها»الأم للعديد من التنظيمات الإرهابية» مثل القاعدة وحماس. ومع ذلك، يواجه القرار تحديات قانونية، إذ رفضت وزارة الخارجية في عهد ترامب الأول (2017-2019) التصنيف بسبب مخاوف من «التأثير السلبي على الديمقراطية في المنطقة»، لكنه اليوم مدعوم بضغوط من حلفاء مقربين للولايات المتحدة.
في العالم العربي، أثار الإعلان موجة من الارتياح في دول مثل مصر، السعودية، الإمارات، البحرين، والأردن، التي صنفت الإخوان كمنظمة إرهابية منذ 2013-2014، معتبرة إياها مصدراً للاضطرابات بعد الربيع العربي. في مصر، حيث يُعتبر الإخوان «عدواً داخلياً» بعد إسقاط محمد مرسي، رحب الرئيس عبدالفتاح السيسي بالقرار كـ»تأكيد دولي لموقف مصر»، مشدداً على أنه سيسهل مكافحة «التمويل الخارجي للإرهاب». السعودية والإمارات، اللتين خصصتا ملايين لدعم حملات ضد الإخوان، تريان فيه انتصاراً لتحالفهما مع واشنطن ضد «الإسلام السياسي».
أما قطر وتركيا، اللتين وفرتا ملاذا آمنا لقادة الإخوان بعد 2013، فالقرار يضعهما في موقف حرج. أنقرة، التي تستضيف يوسف القرضاوي وعدداً من قيادات الجماعة، قد تواجه عقوبات أميركية غير مباشرة، خاصة مع توترات أنقرة-واشنطن حول سوريا وغزة. قطر، التي تمول قنوات اتهمت بدعم الإخوان، قد ترى فيه تهديداً لاستثماراتها في الولايات المتحدة. على مستوى الأحزاب، يضع القرار حركات مثل حزب النهضة في تونس، حزب العدالة والتنمية في المغرب، حزب الإصلاح في اليمن، جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحركة مجتمع السلم في الجزائر تحت دائرة الاشتباه، إذ تُعتبر امتداداً فكرياً للإخوان، رغم اختلافاتها السياسية.
لا يقتصر تأثير القرار على العالم العربي؛ بل يمتد إلى جنوب آسيا وأوروبا. في باكستان، تُعتبر جماعة الإسلامية (التي أسسها أبو الأعلى المودودي عام 1941) حليفاً فكرياً للإخوان، وهي حركة سياسية كبرى شاركت في حكومات وبرلمانات، وأثرت في تشكيل السياسة الخارجية الباكستانية تجاه أفغانستان. تقرير وزارة الخارجية الأميركية عام 2024 وصف الجماعة بأنها «جزء من الطيف الإخواني العالمي»، مما قد يؤدي إلى عقوبات على دعمها، خاصة مع تورطها في تمويل مدارس ديوبندية متطرفة. في أفغانستان، طالبان ليست إخوانية مباشرة (جذورها في المدرسة الديوبندية)، لكنها استفادت في الثمانينيات من دعم فكري ولوجيستي عبر شبكات إسلامية إخوانية في باكستان، كما أكد تقرير الكونغرس عام 2023. القرار قد يعزز الضغط على إسلام آباد لمكافحة هذه الشبكات، مما يؤثر على استقرار الحدود الأفغانية-الباكستانية.
في أوروبا، يفتح القرار أبوابا لملاحقات قانونية. بريطانيا، التي سمحت بعمل جمعيات مثل المسلمين الأوروبيين (مرتبطة بالإخوان)، قد تواجه ضغوطاً أمريكية لإعادة النظر في قوانينها، خاصة بعد تقرير حكومي بريطاني عام 2024 حذّر من «نفوذ الإخوان في المجتمعات المسلمة». في فرنسا، حيث يُعتبر الإخوان «تهديداً للعلمانية»، قد يعزز القرار حملة الرئيس ماكرون ضد «الإسلام السياسي». أما في ألمانيا، فسيؤثر على جمعيات مثل الإسلامية المركزية، التي اتهمت بتلقي تمويل إخواني.
قرار ترامب يعكس تحولاً جذريا: لم يعد الإخوان مجرد جماعة مصرية محلية، بل شبكة عالمية تمتد من الشرق الأوسط (حيث يسيطرون على أحزاب في تونس والمغرب) إلى الغرب عبر منظمات مثل CAIR وISNA وجنوب آسيا (الجماعة الإسلامية في باكستان). هذا التصنيف يعلن انتقال واشنطن من «التعايش» بعد الربيع العربي إلى «تجفيف المنابع»، مدعوماً بتقارير استخباراتية تربط الإخوان بـ80% من الحركات الإسلامية السياسية العالمية. لكن تاريخ الجماعة يثبت براعتها في التكيف: بعد حظرها في مصر، غيّرت أسماء وهياكل، واستخدمت الجمعيات الخيرية كواجهة. التصنيف الأميركي سيجعل إعادة التموضع أصعب، مع عقوبات مالية تصل إلى تجميد مليارات الدولارات في حسابات مرتبطة، وضغط على البنوك العالمية.
قرار ترامب بتصنيف الإخوان منظمة إرهابية لا يستهدف جماعة مصرية فقط، بل شبكة عالمية من الإسلام السياسي. بالنسبة لصنّاع القرار، الرسالة واضحة: لا يمكن التعامل مع الإخوان كظاهرة من الماضي، ولا يمكن تجاهل دورهم في صياغة المستقبل. الإخوان، وفق منظور ترامب، هم شبكة عابرة للحدود، تضم أحزاباً عربية، منظمات غربية، وحركات في جنوب آسيا. هذا التصنيف يعلن بوضوح أن المعركة لم تعد محلية، بل عالمية، وأن الإسلام السياسي في صورته الإخوانية يواجه اليوم أضيق حلقة منذ تأسيسه قبل نحو قرن. هل سيؤدي ذلك إلى إضعاف الجماعة، أم إلى ولادة شكل جديد أكثر تكيفاً؟ التاريخ وحده سيجيب، لكن اليوم، تبدأ صفحة جديدة في مواجهة الشبكات العابرة للحدود.
الكاتب : علي قاسم - بتاريخ : 01/12/2025

