الاتحاد والقضية الفلسطينية

 

يكاد ينعدم في الدائرة العربية الإسلامية، كيان يربط بين هويته التحررية الداخلية والهوية التحررية لفلسطين كقضية وطنية ثانية، كما هوحال بلادنا.
فقد وُضعت القضيتان في ميزان واحد، وفي وجدان واحد، وفي إدراك تاريخي واعٍ ومتفاعل مع شروط العالم، في كل محطة من محطات يعرفها الوضع العالمي عموما، والوضع العربي الإسلامي على وجه الخصوص.
وقد ربط الاتحاد وقادة الاتحاد بين القضيتين، تلازما وطنيا وديموقراطيا وإنسانيا، في تناغم مع الشعب المغربي برمته، والمغرب كله،قيادة وقاعدة.
ومن حسن الدروس التي تقدمها الصدفة، تزامنُ التطورات الحالية، مع انعقاد المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وذكرى الشهيد عمر بنجلون: ففي سيرة الشهيد، يتجلى المنطق الجدلي، الإنساني، الديموقراطي. وفي انعقاد المجلس الوطني، تتجلى استمرارية الإرادة الاتحادية، والتحيين الدائم للانتماء لأفق التحرر الوطني الفلسطيني. وفي الظروف الحالية، كان لا بد للاتحاد من أن يضع النقط على الحروف، ليفك الالتباس، ويحرر الذهنية العامة في بلادنا.في ذلك، تم التأكيدعلى البديهيات التي تحكم النضال المتجرد، والدفاع الامشروط في مواقف الاتحاد بناء على:
أولا: تأكيد الكاتب الأول، في التقريرالسياسي المقدم للمجلس الوطني، على بدهية سياسية وتحليلية ضرورية، قد يكون اللبس، والشعبوية، والافتعال الأخلاقي، قد غطوها قليلا، في تسارع الأحداث وتزاحمها. وهذه البدهية،هي التفريق بين المبدأ، الذي يظل متعاليا، ثابتا، متجذرا في الوجدان وفي العقل معا، وبين الأداة، التي تتغير بتغير موازين القُوى، والمفاهيم المؤطرة للتحولات في القضايا الكبرى من قبيل القضية الفلسطينية.
الواضح الآن، أن المغرب الذي يعد شريكا دوليا في السلام، اعتمد هذا السلام في قضيته الوطنية الأولى، قضية استكمال تحريرالأرض ووحدتها، من خلال المسيرة السلمية الخضراء، أومن خلال إعلان التشبث الدائم بالأساليب السلمية لإيجاد حل للنزاع المفتعل، أومن خلال الشراكات المتعددة مع الأمم المتحدة في ملفات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو يرى -عن صواب- أن السلام واحدٌ لا يتجزأ.
من هنا، ورد في كلمة الكاتب الأول التثمين » – باعتزاز كبير – لتأكيد جلالة الملك محمد السادس على وحدة السلام، واستكمال الحرية في القضايا العادلة، وعلى رأسها قضية فلسطين وعاصمتها القدس»..
ثانيا: تعزيز الترابط بين القضية الوطنية والقضية الفلسطينية، من خلال تطوير الدولة ودمقرطتها وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية، وتقوية بنائها المؤسساتي،بما يجعل الدولة المغربية كيانا وجهازا في الوقت ذاته، القوية
الديموقراطية، سندا حقيقيا للقضية الفلسطينية،وحتى لا تكون قضية فلسطين والقدس ذرائعَ لتعطيل الديموقراطية، وتجميد إرادة الشعوب، وترهيب الأمم بالشعارات التي تقوي الاستبداد والتسلط أكثر مما تقوي الشعوب وقضاياها.
ثالثا: التحرك بتجرد أخلاقي ووطني كامل، من خلال تحريم الاتحاد على نفسه ومناضليه، أي منطق قد يُفهم منه مقايضةُ دعمنا للقضية الفلسطينية العادلة بأي مقابل: لأن هاته اختياراتنا التي لا نمنّ بها على أحد. والثوابت، ستظل هادية لطريقنا حتى يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه العادلة، والمشروعة، كما ورد في التقرير السياسي للكاتب الأول.
رابعا: تقوية الدور السلمي للمغرب، والذي راكم فيه، تاريخيا رأسمالا من الثقة والمصداقية، لم تتوفر للكثير من الذين يسعون إلى تجيير القضية لفائدة أجنداتهم الجيواستراتيجية مما يترتّب عليه انتقال ملكيتها إليهم!
وقد تقتضي مصلحة المغرب الحفاظ على أدواره. هاته، لكن الثابت، أن الحفاظ على هذه الأدوار التي تقبل بها الأطراف المعنية،هو خدمة لقضية لطالما طوّحت بها رياح الرغبات الخاصة للعواصم الشرق أوسطية أوغيرها:
فالمغرب، الذي شهدت القضية الفلسطينية على أرضه أكبر القرارات المتعلقة بها، كان حاضنة أساسية لأهم التحولات التي عرفتها القضية وفي قلبها العاصمة القدس. وهذا هوجوهر الرسالة التي وردت في التقرير السياسي للكاتب الأول للاتحاد، وهو يذكّر بأن «المصلحة الاستراتيجية لبلدنا وللفلسطينيين، تقتضي أن يظل المغرب، هو الوسيط الأول، لأنه الأكثرُ مصداقيةً. ويكفي إخواننا الفلسطينيين، أن يقارنوا بين أدوار المغرب في الأزمة الليبية وأدوار باقي الأطراف، لكي يستنتجوا مصلحة فلسطين في استئناف المغرب لأدواره في البحث عن حلول سلمية، تجنب الشعب الفلسطيني ويلات الحروب والحصار، وتيسر له سبل فرض الدولة الفلسطينية المستقلة».
وإنه لمن السداد والتوفيق، أن يتلاقى تحليل الاتحاد مع تحليل القُوى الوطنية الحية، والتوجهات الاستراتيجية لملك البلاد الذي يستأمنه المغاربة على كل قضايا وجدانهم، وبلادهم، وحريتهم، ومستقبلهم، وكلهم ثقة بإرادته الصلبة وثباته الراسخ على الالتزام بقضايا شعبه وأمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//