حلم كبير … يتحقق!

عادة لا تُفكر الشعوب وقادتها الكبار في الثورات الاجتماعية،عندما تجتاح الأوبئة بلدانها، فبالأحرى الشروع فيها والقيام بها وبناء مقوماتها المادية الملموسة. وما شهدناه أول أمس بفاس، هو استثناء مغربي في وضعية استثنائية دوليا، بدأ ملك البلاد في أولى خطوات الثورة الاجتماعية الموعودة، وتم وضع اللبنات المؤسساتية والقانونية والإجرائية الأولى عبر ثلاث اتفاقيات تهم التأمين الإجباري عن المرض، لمغرب اجتماعي جديد، واجتراح ثورة اجتماعية بكل ما في الثورة من معنى وبناء تحول كبير …. تحت نيران الوباء!
في الوقائع المرافقة أولا:
لم تمر سوى فترة تقل عن شهرين على مصادقة مجلس الوزراء، بتاريخ 11 فبراير 2021، على المشروع حتى انتقلت البلاد إلى تنزيل الورش بكل ما يتطلبه من إجراءات وقرارات تبين أن تدبير الزمن فيها، خضع بدوره لمنطق استعجالي، يريد أن يردم الهوة، بأسرع ما يمكن بدون ترك التمني هو العنوان الملموس من القرار السياسي!
عقلنة الزمن هاته، كانت حاضرة أيضا ومنذ البداية، في الجدولة الدقيقة، لتنفيذ المشروع برمته وتبين ذلك من خلال:
* تحديد سقف زمني لتعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض خلال سنتي 2021 و2022، وعدد المستفيدين في 22 مليون مغربي!
*تعميم التعويضات العائلية خلال 2023 و2024، وذلك من خلال تمكين الأسر التي لا تستفيد منها.
* توسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد سنة 2025، لتشمل الأشخاص الذين يمارسون عملا ولا يستفيدون من أي معاش..
* التعويض عن فقدان الشغل سنة 2025، لتشمل كل شخص متوفر على شغل قار.
لقد تحددت الجغرافية السكانية لهذه الثورة العميقة، كما تحددت الجدولة الزمنية للعملية لتنزيلها.
في السياق ثانيا:
من المحقق أن الثورة الاجتماعية باتت حاضرة في كل الخطابات الملكية، وفي كل الخطوات العملية، بإلحاح شديد، في السنوات الأخيرة.
وكانت السنة الثامنة عشرة في العهد الجديد، سنة التعبير الصريح عن المغرب الجريح. وتكلم الملك في خطاب المناسبة تلك، عن صدمة الحصيلة والواقع، و»تواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال إنها تقع في مغرب اليوم«.
ولعل المعاينة بالعين المجردة، هي التي أظهرت أن »برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشرعلى تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا« حسب المنطوق الملكي..
وجاء التوجه الذي تم الإعلان عنه ليعطي انطلاق مسيرة جديدة، »مسيرة التنمية البشرية والاجتماعية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي تهم جميع المغاربة..».
وفي خطاب عشرين سنة من العهد الجديد، تم وضع رهان العدالة الاجتماعية والمجالية: لاستكمال بناء مغرب الأمل والمساواة للجميع. كأحد الرهانات الأربعة التي يجب على المغرب رفعها بإيجابية ومردودية، إلى جانب التسريع الاقتصادي أو توطيد الثقة في المؤسسات الوطنية.
جلالة الملك وضع خطوط العرض وخطوط الطول للعمل الميداني، مرة ثالثة ورابعة، من خلال خطاب العرش، وخطاب افتتاح السنة التشريعية 2020، بضرورة »إطلاق ورش إصلاحي كبير يتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية لفئات واسعة من المواطنين«.
وهذا التوجه في واقع الأمر، ليس إلا تكريسا لروح اجتماعية واضحة في تصورجلالة الملك للمغرب الجديد، المغرب الذي يسعى إلى بنائه وحل معضلاته.
غير أن الجائحة فرضت تسريع وتيرة العمل، وأيضا اختيار زاوية النظر في وضعية مأساوية فرضت نفسها على العالم.
في الخلاصات ثالثا:
عندما واجه المغرب الجائحة الرهيبة، مثله مثل العالم كله، لم يتصرف كما تصرفت الكثير من الدول، بل اختار طريقته الخاصة في تحويل كل نقط الضعف التي أبانت عنها إلى فرصة لتحول عميق وكبير في منظومة التغطية الاجتماعية، بل في وظائف الدولة ومؤسساتها، وفلسفة وجودها حتى.
وهكذا تابع العالم، من جهة، الاستباقية في تدبير الوباء، والخطوات الجريئة والاستشرافية في حماية المواطن المغربي، (الإجراءات الاحترازية – صندوق كوفيد- البروتوكول الصحي – التلقيح…) ومن جهة ثانية التفكير الشجاع والإرادة الصلبة في معالجة الإسباب العميقة للهشاشة المغربية في المجال الاجتماعي.
لقد بينت الجائحة أن الهوة السحيقة التي يعيشها المغاربة، في غياب التغطية الاجتماعية والصحية وآثار الاقتصاد غير المهيكل، هي العمق الحقيقي لوجودهم، وكشفت أن ملايين الأسر، باتت في حاجة إلى مقومات العيش، مهما كانت بسيطة. وعوض أن ترتعش اليد، تقوَّى الساعد وطُرحت المسألة على بساط الحقيقة للبحث عن الحل والمعالجة العميقة..
فالكل يعرف بأن العالم، في غالبيته، اختار ترميم الأوضاع، أو تأهيل البنيات الصحية، أو في حالات متباينة، التعويض عن الأضرار، بالآلة الحاسبة وانتظار الغد القريب.
المغرب وحده أطلق ورشا، تلزمه نظرة ثورية وروح عالية، وكلفة مالية غير مسبوقة، ومسح اجتماعي شامل، لم يتحقق في ظرف خمسين سنة أوأكثر، وها هو يتحقق على يد الملك محمد السادس.
نحن أمام تصور شامل وعميق، يتجاوز اعتبار الحماية الاجتماعية نوعا من صمام الأمان، لتفادي الصدمات الاجتماعية الممكن حدوثها، بفعل التفاوتات الطبقية أو اختلال ميزان العدالة الاجتماعية والعدالة بين الجهات والأقاليم.. إننا، أمام ترصيد للثروة البشرية، من جانب تأهيلها وحمايتها، وأيضا بصدد ثورة ذات أبعاد لا يغفلها الضمير الجماعي للمغاربة كلهم، بكل الامتنان الواجب لجلالته…
نحن في اللبنة الأولى، التي تم تدشينها في فاس، بالتوقيع على ثلاث اتفاقيات -إطار تهم تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا.
لا ننسى أن المغرب اليوم، على أهبة الدخول في تجربة عميقة، تتغيى إعادة النظر في نموذجه التنموي.
ولعل هذه العتبات الثورية، كما يقال، مقدمة ناجعة لوضعه على السكة الصحيحة، بتحديد الأولويات الاجتماعية للدولة وإعادة تعريفها بناء على قاعدة العدالة والتضامن وتقوية النسيج الاجتماعي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//