في التأويل النيوليبرالي للنموذج التنموي الجديد : 2/ المديونية والعدالة الضريبية

 

«نحذر بشدة، لأننا نرى مشروع قانون المالية قد تم تمريره بالقوة العددية، وهو قانون يزيد في فاتورة الدين الخارجي والدين العمومي، ويفاقم اللاعدالة الضريبية، ولا ينتج أي قيمة مضافة في سوق التشغيل وفي عموم الخدمات الاجتماعية«: تنتقد الكلمة السياسية للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أمام المجلس الوطني، مخرجات قانون المالية، لأسباب واضحة وصريحة، وبِلُغةٍ لا لبس فيها ولا غموض، وبانحياز صاف وتام إلى المتفق عليه من طرف كل أطياف الأمة بعد التوجيه الملكي السامي باعتماد نموذج تنموي جديد بدولة قوية ومجتمع قوي…
فقانون المالية، الذي كانت أولى أعطابه أنه لم يكلف نفسه حتى عناء ترجمة البرنامج الحكومي من جهة الدولة الاجتماعية، هذا القانون، كما يراه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من موقعه في المعارضة ومن موقعه في الخدمة الوطنية العامة المطلوب توفرها في إنجاح الورش الملكي للنموذج التنموي الجديد كذلك، يعمل على:
– الرفع من فاتورة الدين الخارجي والدين العمومي، والمعطيات الرقمية في هذا الباب، تتحدث عن نفسها، في حين تسعى الأرثودوكسية الليبيرالية للبرنامج الحكومي إلى بناء هذا الارتفاع على عقيدة القدرة على تحمل الدين وأعبائه، في الوقت ذاته الذي تكشف لنا الأرقام الرسمية أن هذه القدرة لن تصمد أمام تجاوز السقف المرجعي للدين في علاقته مع الناتج المحلي لبلد كبلدنا، ذلك السقف المحدد في 70 %.
ومن المفارق أن كل المناظرات التي تقام في الآونة الأخيرة، وذات التنظيم والأهداف الرسمية لرافعات مؤسساتية للقرار الحكومي، تجمع على هذا التناقض بين المديونية وتجاوز السقف المرجعي لها، إلا لدى صانعي القانون المالي…
الأنكى من ذلك أن الميل إلى رفع المديونية، والذي لا يتجادل اثنان في أنه قد يهدد القرار السيادي الاقتصادي، يأتي في تناقض صارخ مع الخطاب الملكي، الذي جعل من عودة السيادة إلى واجهة الأحداث مسألة استراتيجية بالنسبة للمغرب في كل القضايا ذات الصلة باستقلالية القرار الوطني…
في الضفة الأخرى لم تختر الحكومة تمويل مشاريعها وميزانية الدولة عبر الاستدانة، داخليا وخارجيا، مع ضمان بعض العدالة الضريبية، بل نجد العكس هو الذي حصل، بحيث أنها اختارت التمويل بالاستدانة خارجيا وداخليا مع تعليق العدالة الضريبية، وذلك عبر النقاط التالية الواردة في تقرير الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية:
-تعطيل أجرأة المقترحات المنبثقة عن المناظرة الوطنية حول الإصلاحات الضريبية، والتي تشكل خارطة طريق نحو العدالة الضريبية.
– الاستمرار في جعل الموارد الضريبية تقع على كاهل فئة الأجراء الذين يخضعون للتضريب من المنبع.
-غياب أي تأسيس لضريبة تصاعدية على الثروة، انسجاما مع قيمة التضامن.
– دفن الضريبة التصاعدية على الشركات لصالح الضريبة التناسبية التي ستؤدي فضلا عن تقلص الموارد الضريبية:
*إلى أشكال من التحايل الضريبي.
*إلى استفادة مقاولات تحقق هوامش كبيرة من الأرباح من تسهيلات ضريبية تشبه تلك الممنوحة للمقاولات المتوسطة والصغيرة.
ولم يكن هناك جهد حقيقي متناسب لتوسيع الوعاء الضريبي بشكل عادل ومتضامن، ولا محاولة جدية في عقلنة الإعفاء الضريبي، الذي شاهدنا أرقامه الخيالية بالنسبة للفلاحين الكبار والمنعشين العقاريين، عوض إخضاع القطاع الخاص برمته لجهد واضح في البحث عن تمويلات يكون وقعها أكبر مما هو حاصل راهنا….
إن أخطر ما قد يقع هو مأسسة التحايل الضريبي والتسهيلات الضريبية، مع ضغط قوي وممأسس بدوره على الفئات الاجتماعية المتوسطة والهشة، وهو، إذ يضاف إلى نزوع مفكر فيه نحو الاستدانة، يعطينا مزيجا نيوليبراليا لم ينجح أبدا في فترات سابقة في تعويض أدوار الدولة الاجتماعية، الاستراتيجية والمربية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//