سبقتنا الأرض، سبقتنا السماء إلى هذا الألم

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

سيطير الألم بهذا القلب ، يا عدنان

سبقتنا قلوب كثيرة إلى هذا الألم
سبقتنا أفئدة هائلة إلى الوجع الباهظ
كأننا كنا جميعا، أطفالا وقتلى ومغتصَبين..
انفـطر قلب الملك
وقربه انفطر قلب ابنتي ميساء
وانفطر قبلهما قلب الأم
وقلب الأب
وقلب الاخوة
وقلب القلب
كان الألم أكبر بشاعة في تاريخ المغرب الحديث..
كان عدنان سورة
في تربتها آية في كتاب المحنة..
وفي جنون الجنون.
لا أحد يغفر للقاتل أنه استدرج يوسف إلى بئر جريمته.
لا أحد نسي القتيل الجميل الطري الولد
حتى تحت طائلة الجائحة وكورونوس..
آاااه
اتكأنا على قلوبنا
قل قلبنا الواحد في جسد الطفل القتيل
يا قلب ،أتنبض في جسد الطفل القتيل؟
ويا قلب،أتنبض فينا من تحت التراب..
ويا قلب، كم توحدنا في الشجن وفي الغضب..!
سبقتنا الأرض،
لابنها الطين
سبقتنا السماء إلى هذا الألم
لأنه ابنها النبي الصغير
لأنه عريس الجنة
سبقتنا
للولد الطري
الولد القتيل….
ثقيل هذا الهواء، لأن السماء انحنت تُربِّت على ابنها عدنان….
لا أحد كان يريد لهذه الطفولة أن تنتهي
لا أحد صدق أن الحيوان سيخرج من طين الله
ولا أحد صدق أن الذئاب تسكن في حي بطنجة
لا أحد يصدق بأننا مزقنا صفحة آدم الصغيرة
في دفتره الإلهي
الأزرق
مثل سماء البداية..
مثل الأرق..
لا!
لم يكن عدنان موضوع موت،
لكي نضع في شبكة الاحتمال الإعدام كسلوان
أو كتعزية
..
لا أحد يستحق الحياة في وطن تتجول الذئاب فيه متنكرة في قماش راشد عمر 24سنة..
عدنان وجد نفسه في غابة وسط مدينة ماكرو-كوسموبوليتية، اسمها طنجة
عدنان وجد نفسه في ظلمة
في واضحة النهار
وفي شارع عام..
عدنان وجد نفسه في فخ، بَنَته الصدفة في برهة من نسيان وغفلة..
عدنان لم يجد الوقت الكافي ليترك وصية توصي بالحفاظ على البشرية، لهذا اختطفته الذئاب
وترك جثته الصغيرة صفحة وصايا..
لا تصدقوا أننا نقترب من الله، ففينا شياطين
لا تصدقوا أن الحضارة تحميكم من شراسة الغابة
لا تصدقوا غير قلب الأم..
لهذا أستعير، في استثناء عاطفي نادر عندي،
قلب أم اسمها آلاء
كتبت آلاء
»شاهدت المقطع…الفاجعة!!
مشى معه، وكأنه يمشي على قلبي، إلى المجهول.
ترى بما أخبره ذاك اللعين، كي يتبعه بخطى قادته إلى حيث المصير المهول؟؟؟
حسب أقوال صاحب متجر الحي، عدنان دخل إلى المتجر ثم عاود الخروج دون أن يتبضع… ملقيا بذلك نظرته الأخيرة على المكان!
ترى فيما كان يفكر؟ هل كان يحس أنه على موعد مع قدره والوحش؟
هل استدرجه صدفة، أم أنه خطط لجرمه عن سابق إصرار وترصد؟
أسئلة كثيرة تلف هذه الواقعة الموجعة.
تسائلنا جميعا…
أين وكيف بدأت الجريمة؟؟؟
كم من جريمة أخرى تقع في الخفاء؟
كيف نحمي أبناءنا من ذئاب فُتِحت لها أبواب كثيرة، غير أبواب الأزقة والبيوت، أبواب العصرنة والتكنولوجيا والهواتف الذكية والأنترنيت…

المجرم‮ ‬يجب أن‮ ‬يلقى أقسى عقوبة،‮ ‬كي‮ ‬ينال جزاءه أولاً،‮ ‬ثم ليكون عبرة لأمثاله‮…‬
وبين رأي‮ ‬ورأي‮ ‬آخر،‮ ‬أمثاله كثيرون،‮ ‬لا‮ ‬يزالون بيننا،‮ ‬وربما هم أيضا الآن‮ ‬ينددون بالجريمة‮!!‬
نحن في‮ ‬غاب‮…‬و الآن تأكدت أنني‮ ‬لا أبالغ‮ ‬في‮ ‬خوفي‮ ‬على بنتيّ،‮ ‬حين ألازمهما على الدوام،‮ ‬وأمنعهما من مواقع التواصل الاجتماعي،‮ ‬وأراقب خفية هاتفيهما في‮ ‬كل مساء‮…‬
الأمراض الاجتماعية موجودة هنا على هذه الأرض وفي‮ ‬كل بقاع العالم‮. ‬كل ما نملك الآن هو أن نكون حذرين و نحرس أولادنا بعين لا تنام،‮ ‬وبقلب قريب وصديق،‮ ‬حتى لا‮ ‬يتسلل الشر إلينا،‮ ‬أو على الأقل حتى نلتقطه قبل فوات الأوان‮.‬
اللهم ارحم الطفل الضحية،‮ ‬و ألهم أهله الصبر و الثبات‮…‬
كل أمهات الوطن و كل آبائه اليوم في‮ ‬حسرة وحداد و‮‬غضب لما وقع‮».‬
كنت أنا‮…‬
كنت أنا الولد‮ ‬
كنت أنا الولد الطري‮…‬
كنت أنا الولد الطري‮ ‬اليافع الوسيم‮..‬
كنت انا ابن‮ ‬11‮ ‬سنة
ابن‮ ‬11‮ ‬كوكبا
كنت أنا في‮ ‬جب القيامة،‮ ‬
وتحت وطأة الجسد المجرم‮…‬
لستُ‮ ‬الأب‮ ‬يا آلاء
أنا الولد العدنان،‮ ‬بين فكي‮ ‬الذئب
لم أعش ستين عاما‮ ‬يا آلاء
أعيش نهاية العمر الصغير بين مخالب الصخر‮.. ‬
أتردد في‮ ‬دخول مراهقتي‮ ‬الأول
أتردد في‮ ‬دخول كهولتي
‮ ‬أتردد في‮ ‬دخول إنسانيتي‮..‬
أستسلم لبراءتي
فيأخذني‮ ‬الذئب منها إلى مجاهل ساديته‮.‬
أستسلم لسذاجتي‮ ‬الطفولية
فيستدرجني‮ ‬الذئب منها إلى ليل جبه‮…‬
من‮ ‬يصدق أن الملاك سجد لآدم،‮ ‬ووراءه كل هذا الجنون
وكل هذا الهول؟
يا آدم أيهما ابنك‮:‬
القاتل‮ ‬
أم القتيل‮..‬
يا آدم،‮ ‬يا أبي،‮ ‬لماذا لم تشترط على السماء نصف أبنائك؟
‮ ‬وفي‮ ‬النهاية
ليس هذا الألم سوى كلمات
ليس هذا الألم سوى،
‮ ‬ندم الخليقة‮ ‬على ما علق بِطينها من أنفاس‮ ‬الذئاب‮…‬
‮…‬
دم في‮ ‬قلب الله
دم في‭ ‬نبتته البهية
دم في‮ ‬أهداب الملاك
في‮ ‬يده دم‮..‬
سيطير الألم بهذا القلب،
‮ ‬سيطير به إلى قبر
أو قُبَّرة‮..‬
سأخصني‮ ‬بألم صامت
كتوم
سأخصني‮ ‬بصرخة من حجر وأتربة ودم‮..‬
سأخصني‮ ‬بقلب منفطر بلا خيال في‮ ‬الفجيعة
سوى ما ترثه الأرض من هزيمة السماء‮.‬
سأخصني‮ ‬بحكاية،‮ ‬لا محكمة فيها ولا قضاة ولا‮ ‬غاضبين‮:‬
‮ ‬فيها الله أمام طينه المكُّور اللازب‮ ‬،‮ ‬يقنع الملائكة‮ ‬
بالسجود‮ ‬لمثل مخلوقاته من القتلة‭.‬

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 17/09/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//