عن الشجاعة في ملف التعاقد

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

لا يمكن القفز على الصور التي تتواتر على شاشات البصر والبصيرة، من شوارع عديدة، خاصة بالتظاهرات التي نظمت من طرف أساتذة التعاقد.
كل شيء عار، واضح ومتماسك.. وقد قيل الكثير في الموضوع وعنه، وكلما ساد الاعتقاد بأن الأمر يسير نحو الحل ، بفعل التآكل أو بفعل الجائحة، بفعل الرتابة أو بفعل التعقد، يتبين أن المتواليات الدالة على وجود قوة احتجاجية مكينة، قائمة.
نطالب بعضنا البعض بالجرأة في هذا الملف، والشجاعة الأدبية في تحمل تبعاته..لكننا جميعا نركن إلى الضبابية نفسها، والكسل نفسه أحيانا في الحديث عن الموضوع.. ونترك الأمن قبالة الأساتذة والأساتذة قبالة الأمن..
كما لو أن الشجاعة التي نطالب بها، لا تتوفر في حقيقة الأمر سوى لدى الأمن ولدى الأساتذة..!
حقيقة قتالية الأساتذة، قائمة.
وهو أمر لا حكم قيمة فيه.
ولا تشجيع ولا تقريض
ولا هو حكم بالإيجاب ولا بالسلب…
إنه معطى يبين بأن قرار السلطات العمومية بمنع التجمهر ليلة الدعوات إلى التظاهر لم يوقف التدفق إلى شوارع الرباط..
رجال الأمن، لم يرتعشوا أيضا وهم يقومون بدورهم وينفذون قرارا اتخذ تحت مظلة السلطة السياسية التنظيمية وباسمها، الحكومة، سواء أنكرت ذلك أو جبنت في تسميته أو تراوحت بين الدعم العملي للاحتجاج والدعم الصامت لقرار التأمين العام للفضاء العمومي..
الشجاعة، قد تكون بقول نعم كما قد تكون بقول لا..
وقد اعتدنا في ثقافتنا، المطبوعة بجينومها اليساري المتأصل أو المعارض المزمن، أن قول لا هو الشجاعة وهو عربون الصلابة المبدئية والجسدية والسياسية، وهلم جرا..
الأمر يتطلب أن نسمي الأشياء بما يليق بها، لأن سوء التسمية يزيد من بؤس العالم، على حد قول ألبير كامو.
لا يليق بملف التربية والتكوين أن يدبر موضوعا تربويا شاملا بقانون المنع والجزر، في الوقت الذي يقوم القطاع برمته على ضرورة التربية في مقاعد الدرس، وفي قاعات التعليم وفي موائد التفاوض: وهنا يكمن دور النقابات، في تحويل التيار الجماهيري العارم، كما كنا نقول، إلى قوة تفاوضية تجلس حول المائدة وتعطي الطابع البيداغوجي للحل!
لا يمكن أن نيسر الأمر، ونختزله في قرار ميزاناتي، كما لو أنه يتعلق بتأهيل مقاولاتي، فالأمر أعمق من ذلك، وينتمي إلى جدع أكبر وأعمق، هو قانون التربية والتكوين ومصير المدرسة الوطنية، بين دراسة متقطعة ومؤطرين في حالة احتجاج دائم، في الوقت الذي يتطلب الظرف الحالي هدوءا وسكينة وأرضية مشتركة بين أطراف العملية التربوية…
لايمكن، في الوقت ذاته، التهويل من الملف وربطه برهانات سياسوية خارج الإطار المشروع، لأن ذلك سيجعل اتخاذ الشارع كمائدة تفاوض باسم هذه الجماعة أو تلك و هذا التيار أو ذاك مشروعيته، وتكون الدولة، بذاتها، قد وافقت على الذهاب إلى ميدان ليس هو ميدانها، يؤطره القانون العام، وليس التفاوض النقابي أو القطاعي…
إن حسن تسمية العالم «Bien nommé le monde»، تساعد على الخروج من ثنائية لا مبرر لها.. ومن مشهد فيه قتاليتان اثنتان: الأمن والمتعاقدون!
وهو أمر لا يمكن الخروج منه إلا إذا أخرج السياسي -الحكومي أولا – رأسه من تحت المظلة التي يستمرئ فيها حساباته الظليلة!
يخرج ليجد الحل، لا لكي يؤبد الوضع، في دينامية التوتر..
إن الذي يخلق التوتر يربح أكثرعندما ينجح في خلق الانفراج، وهي غاية يجب أن يتنافس فيها النقابيون المناضلون، والحكوميون والسياسيون الذين ينتصرون للشرعيات المبنية على القانون والشرعية، لا على رهانات كسر العظام التي قد تخدم في النهاية أطرافا لا هي الأساتذة ولا هي الدولة وبلدهما…
الشجاعة أيضا هي أن نحرر آلاف الأساتذة من معادلة تبدو ملتبسة للكثيرين من أصحاب القرار، لكنها كمقدمة نضالية بالنسبة لأساتذة يريدون أن يعيدوا ترتيب الأمور من زاوية الخدمات العمومية للدولة في الميادين التربوية.
وقد تكون الأجواء الخاصة بانتظار النموذج التنموي الجديد مناسبة لإعادة النظر الجماعية..وإخراج المدرسة «قبعة التلاميذ السحرة».
وقالها ملك البلاد عندما تحدث عن الفشل الذي يحسب على القصر، والحال أن الكل يعرف الآن المربع الدستوري الذي تتحرك فيه المؤسسات، وعندما نتحدث عن النجاح الذي يدعيه الجميع: كل مؤشر إيجابي في الوضعية ينسبه السياسي الحكومي أو التقنوقراطي الحكومي لنفسه..
وسنكررها مرة أخرى، لا يجب أن يتكرر هذا الوضع…

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 08/04/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//