ما بين سطور الحاضر في لغة الماضي والعكس صحيح!

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

خلق التزامن بين الدعوة الملكية المتجددة إلى فتح صفحة جديدة بين المغرب والجزائر، وإعلان الجزائر عن استغلال أحادي الجانب منجم غار اجبيلات الحديدي في تيندوف، حاجة مبهمة للعودة إلى نص الاتفاقية إياها.
هو شعور، من النوع الباطني الذي ينبهك بأن الأمر لم يسع إلى أية مقارنات بين الظروف التي وقعت فيها اتفاقية الحدود بين المغرب وجارته الشرقية وظروف الإعلان المشترك، في الاتفاقية الموقعة من الطرفين بخصوص الاستغلال المشترك بين البلدين لمنجم الحديد الغني في منطقة تيندوف.
هناك شيء لا يريد التاريخ الاحتفاظ به، بالرغم من كل آلامه.. أو آماله !
بل هو الإغراء الكامن في اللغة بين بلاغة الاتفاق وبلاغة العبارات الملكية الحديثة لخطاب العرش، ولسبب ما كانت هناك قرابة، بين عبارات دبجت في مناخ أخوى ساد منذ خمسين سنة مضت، وبين عبارات القرن الواحد والعشرين، في يوليوز 2022…
فاتفاق الحدود في 15 يونيو 1972 كان قد نص على الاستغلال المشترك لمنجم «غار جبيلات»، وهو الاتفاق الذي نشر في النشرة الرسمية الجزائرية يوم 15 يونيو 1973، ووقعته الحكومة المغربية بالمصادقة البرلمانية، يوم 22 يونيو 1992، حاملا توقيع وختم الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الراحل هواري بومدين، كما أنه ينص على ما يلي:
ـ «لكون السمة التي تمتاز بها العلاقات الأخوية القائمة بين الجزائر والمغرب لا يمكن التسليم معها بأن الحدود تشكل حاجزا بين الشعبين الشقيقين»…
وتقابلها في الخطاب الأخير لملك البلاد العبارة التي تنص على نفس الروح وبنوع من التماهي المعنوي مع كلماتها على:
– إن الحدود، التي تفرق بين الشعبين الشقيقين، المغربي والجزائري، لن تكون، أبدا، حدودا تغلق أجواء التواصل والتفاهم بينهما.
اتفاقية «غار اجبيلات» تقول في الاستخلاص المنطقي:
ـ “هي (أي الحدود) في الحقيقة مجال لتداخل المشاعر والمصالح”.
وفي الخطاب الملكي يكون رجع الصدى كالتالي:
ـ «نريدها (أي الحدود) أن تكون جسورا، تحمل بين يديها مستقبل المغرب والجزائر، وأن تعطي المثال للشعوب المغاربية الأخرى».
في هذا التقابل اللغوي، بمضامينه السياسية والإنسانية، ماضيا ومستقبلا، ما يعطي كل المعنى.
إن العبارات الملكية تذكر بالثوابت التي سبقت القيادات الحالية وظروف التصعيد الحالية، كما يمكن أن تقرأ من لدن الخبراء في سيمياء الخطاب السياسي على أنها رد سلسل وعميق ، غير فرجوي ولا صاخب على قرار الجارة الشرقية الانفرادي بإطلاق استغلال المنجم المذكور، في تزامن مع ذكري الاتفاقية!
هل أفرطتُ في «حسابات الدمياطي» البلاغي في السياسي؟
قد يكون، لكن المصادفات، لاسيما عندما تكون في اللغة والتعبير قليلا ما تكون وليدة عفو الخاطر والتزامن غير الواعي…
هي نقطة في بحر ولا شك في تشابك وتعقد العلاقات، وفي تراكم سوء الفهم، وفي المشاريع المضادة…
وهذا التفكير بأصل اللغة المشتركة بين البلدين، نوع من تصحيح المشاعر إزاء لغة الحاضر، التي تميل إلى الإساءات وإلى السب، والتي رفضها ملك البلاد، وفيها حاجة ملحة إلى تنقية اللغة، وربما بالعودة بها إلى منابعها الوطنية المغاربية…
وهي في كل الحالات تمرين على الذاكرة اللغوية الراسخة في وقت التلاشي المتعمد لروح جماعية…
لا شيء يمنع الجارة الشرقية، بعد ما قررت الإمعان في التأزيم من أن تختار جر المغرب الكبير إلى منطقة ملتهبة بأكثر من طرف… كما قد يدفع نحو توريط الجارة موريتانيا في اتفاق حول تسويق الحديد عبر ميناء موريتاني غير الميناء المغربي، كما هو منصوص عليه في الاتفاقية الأصل، وهو نزوع قد لا تقاومه الجارة الشرقية، إذا ما ظلت على منطق التوتير الشامل، وقد انتشر الخبر في الأسبوع الأول من يوليوز الماضي، عن مصادقة البرلمان الموريتاني على مشروع طريق بين «الزويرات» و«تندوف»، حيث الزويرات بذاتها مركز لاستغلال منجم مماثل لمنجم غار اجبيلات، يتم نقله إلى نواديبو، الميناء الأطلسي الموريتاني، وهو لا يعبر سوى التراب الموريتاني على أحد أطول خط سككي في العالم…
ومشروع الربط، وهو مشروع جزائري محض، يضر بالروح المغاربية التي أراد ملك المغرب أن تتمثل في الشعور المغاربي بنموذج التعاون بين المغرب وجارته.
وبعض المصادر نشرت بأن الخط الذي تقترحه الجزائر تريده أن يمر من تيندوف، وبئر لحلو إلى «عين تبيلي» التي تمثل آخر محطة قبل الكويرات…
ولايبدو أن هناك نزوعا عقلانيا نحو ابرام اتفاقية ثلاثية بين الرباط والجزائر ونواكشوط، لإعطاء المثال للدول المغاربية كلها، بل إن النزوع المهمين هو نزوع لصب الزيت على نار، إلى حد الساعة، ما زالت هامدة…
هي تداعيات، قريبة جدا من الإغراء الذي يثيره نص لغوي، يقيم بين صرامة الوقائع وسلاسة الأمنيات… وفي النهاية قد تنتصر اللغة الأخوية وتنهزم الحرب، كما قد يحدث العكس، وفي الماضي كما في الحاضر يكون المغرب قد حاول أن يجرب لغة القلب والعقل معا.. بلا ندم.

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 06/08/2022

التعليقات مغلقة.