محمد الحلوي: السيرة التي لا تدفن مع صاحبها (3)

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

في تفاصيل حياة الحلوي تكمن تفاصيل صلابته، صلابة استثنائية، ترفع عنها القصص والوثائق جوانب جديدة، في كل قصة وفي كل تفصيل..
يجمل بنا دوما أن ننسب إلى جيل بكامله، سيرا استثنائية، كما لو أن ذلك كان إرثا جماعيا للمناضلين، كما لو أن حياتهم كانت واحدة، كل يعيش منها قسطا، بالقيم ذاتها وبالثبات ذاته وبالفرادة نفسها..
أعود إلى وثيقة صك الاتهام ممثلا في قرار الإحالة على المحكمة العسكرية، بتاريخ 8 أكتوبر 1964، وألتمس فيه تفاصيل عن أجوبته وعن علاقته بحميد برادة.


قوة الروح، لا تعادلها سوى نباهة العقل، ثم قدرته على سخرية مبطنة وهو يجيب قاضي التحقيق عندما سأله عن طريقة التوصل برسالة الرجل الصادر في حقه حكم بالإعدام، ليقول إنها وصلت من الجزائر عبر البريد، إلى عنوان المنظمة في شارع لافوازييه، وأن الجميع مفترض فيه، وأولهم الدولة وأجهزتها، معرفة وصولها…
يثبت في الموقف برزانة وصمود معا، كما يتضح من حيثيات القرار، ترى عين الدولة في المحكمة العسكرية أن الحلوي رحمه الله:
-» قد اعترف بأن في علمه الحكم بالإعدام الغيابي الصادر في شأن حميد برادة – كان يجهل أهمية إخبار السلطات بما تشتمل عليه الرسالة، حيث لم يخف عن الصحف، لا داخل المؤتمر ولا خارجه، وجود الرسالة .
-أن حميد برادة بعث رسالته إلى مقر (أوطم) الكائن بزنقة لافوازيي، وأنه من الواضح أن الحلوي اطلع عليها عند وصولها.
-أنه حملها بعد هذا من مقر (أوطم)إلى القاعة المنعقد فيها المؤتمر حيث أطلع المؤتمرين عليها«.
ولعل ما أثار حفيظة القاضي والمحققين هو استمرار الحلوي، وهو تحت أعواد المشنقة، في الوفاء لرفيقه وعدم إدانته أو التحامل عليه، فهم يسطرون بتدقيق بليغ أن الحلوي:عبر عن افتخاره بكون برادة يسانده هو ورفاقه في عملهم«!
– أنه يتبين مما سبق أن الحلوي حمل- وهو على معرفة بما يعمل- رسالة حميد برادة الذي ارتكب جريمة المس بأمن الدولة الخارجي«….
ولا شك أن رجلا من قبيله، لا يرف له جفن من كل التعذيب الذي يتهدده ومورس عليه، وكانت له أقساط دفعها من جسده القليل، دفاعا عن شرف الانتماء، وعرف التعذيب مثل المناضلين الذين زارتهم أجهزة الدولة في ذلك الزمن الرهيب.
كيف كان محمد الحلوي يتعامل مع الجلادين؟
سؤال طالما يطرحه العقل على كبار المناضلين الذين كانوا استثنائيين في حياتهم ونضالهم.
في القصة التي رواها الأستاذ عبد الكبير طبيح، أحد رفاقه من ثمانينيات القرن الماضي، وزميله في المهنة، والذي قضى بجانبه قسطا غير قليل من العمر المهني تحت سقف مهني واحد في مكتب جمعهما معا، أضواء غير معروفة.
يكاد الأمر يكون سينمائيا، أو روائيا، تواجه فيه الذات المناضلة نفسها، ويتواجه الجلاد الذي عذبها.. الذي أراد أن يحطمها، لكنها تجده أمامها، بعد أن ينقضي زمن الاعتقال والتعذيب…
الجلاد يتحول إلى .. زبون عند المحامي الحلوي!
يروي الأستاذ طبيح قائلا: في بداية الثمانينيات التحقت بمكتب المرحوم الحلوي لأنهي فترة التمرين في مهنة المحاماة بعدما قضيت الفترة الأولى بمكتب ذ. عبد العزيز بنزاكور ثم انتقلت إلى مكتب الأستاذ عبد العزيز بناني.
في يوم ما، في بداية الثمانينيات، وأنا منهمك في كتابة بعض المذكرات فوجئت بدخول المرحوم محمد الحلوي إلى مكتبي المجاور لمكتبه ليغلقه علينا ثم يفاجئني بالقول: هل تعرف من يوجد بمكتبي ؟»
وكانت طريقته في السؤال تبين حجم المفاجأة بالنسبة إليه .
فكان ردي: ومن يكون؟«
توقف فترة ثم رد علي: إنه الشخص الذي كان يعذبني عندما كنت معتقلا«.
فسألته: وكيف تحققت منه؟»
فرد علي: من خلال أصابعه التي كنت أراها من أسفل الثوب الذي كانوا يغطون به عيني-العصَّابة«.
فقلت له: وماذا ستفعل؟»
أجاب: سننوب عنه وندافع عن قضيته!
وكذلك كان.
دافعنا عن الرجل، ونحن نعرف من هو ، وهو لا يعرف أننا نعرف من كان».
الواضح أن الحلوي سليل عائلة نضالية، يأخذ منها نماذج حياته وسيرته.
وحسب الشهادة نفسها للأستاذ طبيح فقد كان له في الشهيد عمر أسوة حسنة، تفسر هذا السلوك العصي على التكرار إلا في ما ندر.
يقول الأستاذ طبيح:» قال لي المرحوم نحن لانحقد على رجال الأمن لأنهم ينفذون الأوامر…
وذكرني أن عمر بنجلون كان له كذلك نفس الموقف في إحدى تصريحاته أمام المحكمة عند محاكمته في مراكش، وقتها أعلن الصفح وعدم الغل ضد الذين ينفذون، وضد »بروليتاريا« الاستبداد وقتها. لأن الطينة التي ننتمي إليها تضع التمييز الصادق بين القرارات السياسية والعقل الاستبدادي وبين المواطنين، الذين قادتهم مهامهم إلى التواجد في آلاتهما الرهيبة…

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 30/07/2020