قضية الصحراء في البيان الثنائي ماكرون ـ تبون -2-

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr

تعود عبارة «العودة إلى حوار متكافئ بين البلدين باعتبارهما شريكين وفاعلين رئيسيين في أوروبا وإفريقيا، مُلتزمين تمام الالتزام بالشرعية الدولية وبالمقاصد والمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة»، مثل رجع الصدى لما صرح به عبد المجيد تبون في حواره في اللقاء الدوري مع الإعلام الجزائري، بخصوص قضية الصحراء المغربية. فقد سبق له أن قال إن «اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية لا يُزعج الجزائر. قائلا:«الموضوع يزعج الأمم المتحدة، وليس نحن»،«وأضاف في مكان آخر بأن «الاعتراف يضايق الشرعية الدولية وليس الجزائر».
وقد يفهم من العبارة الواردة في البيان المشترك، كما لو أنها إعادة إنتاج هذا المطلب الجزائري، والحال أن العبارة فضفاضة، كما أنها بدهية حد الشمس، لا يمكن أن تعمي الناظر إليها.
أولا، كل الدول تلتزم في علاقتها البينية بالشرعية الدولية، وتنص في هاته العلاقة على الإيمان بالمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. تلك قاعدة عامة في العلاقات الدولية خصوصا وأن الدول أعضاء في المحفل الدولي المذكور.
ثانيا، الجزائر، التي ظلت تعتبر أنها من حماة القانون الدولي، تعرف أكثر من غيرها أن القانون في عمقه منهاج عمل، يخضع لموازين القوة على الأرض، وهو الذي يحصن شرعية الدول في الدفاع عن وحدة ترابها وحماية شعوبها.
ثالثا، هو نفسه عبد المجيد تبون أقر في حواره مع يومية «لوبينيون» بأن فرنسا، «حامية الشرعية الدولية»، وعليه فإنها أدرى بها منه، وموقفها من الصحراء وسيادة المغرب عليها تقديرا منها، ولو جاء متأخرا، لهاته الشرعية الدولية المبنية على الحق التاريخي …
رابعا، وهو الأهم، لم ترد أية إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى قضية الصحراء التي كانت وراء الصراع الحاد بين الدولتين، وتسببت في الأزمة التي احتدت بين باريس والجزائر ووصلت إلى درجات من الحدة غير مسبوقة في تاريخ البلدين، وعدم الحديث عنها يحمل لوحده موقفا حاسما بأنه لم يكن موضوع حديث مشترك.
وهو ما لا يجب إغفاله في البيان وفي قراءة تطورات الوضع الخاص بالصحراء…
لقد حاول تبون أن يقنع الجزائريين ويقنع نفسه أن «الحكم الذاتي فكرة فرنسية وليست مغربية»، ليقول ضمنا بأنه لا يمكن أن يعارض فكرة فرنسا… في موقف مشترك مع فرنسا!
وأن الطبيعي هو أن يترك هذه النقطة للتقدير الفرنسي وهو ما يخدم في نهاية التحليل الموقف المغربي المسند فرنسيا…
بمعنى آخر فهو يسعى إلى أن يبرر فشله في فرض تراجع فرنسا بأنه يتنازل لها عن الحكم الذاتي لكي لا يظهر بأنه أجبر على ذلك.. لفائدة المغرب!
ومن المفيد التنبيه هنا إلى أن الجزائر الديبلوماسية «تلعب تحت سقف السيادة المغربية على الصحراء»، ومن المفيد التنبيه كذلك أن الطرف المطروح عليه تصحيح تعامله مع الشرعية الدولية هو الجزائر نفسها: سواء في ما يتعلق بمعايير الحل أو في الموائد المستديرة أو في ما يخص إعادة النظر في تأجيج الوضع في منطقة شمال إفريقيا وحوض المتوسط.
أَفَليستْ هي التي تبادر إلى الخصام مع الدول التي تعترف بسيادة المغرب على صحرائه مثال مدريد وباريس؟
فهي إذن المطالبة باحترام الشرعية الدولية.. والانتقال إلى مرحلة جديدة من تدبير علاقتها مع الملف.. ولم لا؟ تغيير هاته المقاربة بما يساير المنحى الدولي لاسيما في الحوض الأورومتوسطي ومع الاتحاد الأوروبي الذي تسعى أن تساعدها فرنسا على وضع جديد متقدم في العلاقة معه؟ بالنسبة للمغرب، هو لم يُملِ على فرنسا ما يجب أن تفعل، كان قد وضع «نظارته» الوطنية وترك لها الاختيار في القرار .. وقد اختارت ـ لظروف لا تهم فقط الطرف الآخر وتطورات العلاقة معه ـ أن تسير في مجرى التاريخ!
ولا يجهل أحد في المغرب، سواء عند صاحب القرار أو عند النخبة، أن فرنسا تركز عينيها وبصرها علي الجزائر، وأن من صميم اللعبة الجيوستراتيجية أن تسعى إلى »تملُّك «الجزائر .. بل طالما فعلت ذلك بلعب ورقة علاقتها(نقصد فرنسا) مع المغرب!
المغرب، وبفعل تطورات نصف قرن وما يزيد من التاريخ، يعرف أن أشياء كثيرة تغيرت في شمال إفريقيا الفرنسية سابقا Afrique française du nord، ولم تعد هذه المنطقة تخضع لنفس التقدير، وأنه هو نفسه ساهم في تغيير براديغمات المنطقة الجيوسياسية!
ولعل من أبرز ما حدث أن تاريخ الدول الثلاث المشترك (المغرب تونس الجزائر) لا يجعل، بالضرورة، فرنسا تنظر إليها نفس النظرة أو تحمل نفس الشعور…
إن المنطق، إذا توفر، ولم تتم «تنحية» عبد المجيد تبون نفسه من طرف الذين يملكون القرار الفعلي، يقتضي بأن تكون مصالحة الجزائر مع إسبانيا وفرنسا (اللتين = ناصبتهما العداء على خلفية القرار السيادي بخصوص الصحراء) منطلقا لإعادة النظر في أصل العدوان وتجاوز مخلفاته تجاه المغرب، بل أن تنتقل إلى التعامل مع معطيات الواقع من منطلق اليد الممدودة التي يلح عليها ملك المغرب.. وهو حلم يبدو الآن مستبعدا، لكن تجميع النقط الإيجابية، التي تسير في الاتجاه السياسي الصحيح، قد يعلِّم من لا يعلَم ويصحح النظرة.. من يدري؟

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.fr - بتاريخ : 04/04/2025