‏‭ ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬الثنائي‭ ‬ماكرون‭-‬تبون 01

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.com

لعل الديباجة التي تصدرت البيان المشترك بين الرئيسين الفرنسي والجزائري، إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون، قاعدة يمكن الانطلاق منها في قراءة العلاقات الثنائية ومستجداتها . ويأتي هذا التقدير من كونه ينطلق من عقدة العُقد في العلاقة بين باريس ومستعمرتها القديمة، بما تحمله من اشتراطات ترخي بظلالها على الحاضر وعلى المستقبل معا، مع ما يترتب عن ذلك من تأثير مفترض على الحوض الأورومتوسطي، والفضاء المغاربي.
المكالمة الهاتفية أصل البيان بين الرجلين جاءت بعد رسائل واضحة يدعو فيها تبون الرئيس ماكرون إلى التجاوب معه:
أولا، في حواره مع يومية «لوبينيون»، في فبراير 2025، والتي تحدث فيها عن ماكرون بغير قليل من التودد المشوب باللمز فقال «الجمهورية الفرنسية هي في المقام الأول رئيسها» ثم أضاف، «ضيعنا الكثير مع ماكرون» ولكنه ظل يدق الباب، وسيعود إلى طرق الباب ثانيا»، وبروح من يطلب التدخل المباشر في اللقاء الإعلامي الذي كان له مع إعلام بلاده، بعد شهر من هذا التاريخ وفيه توجه إلى ماكرون بالقول إنه «المرجعية الوحيدة لحل الخلافات بين الجزائر وفرنسا».
إذا كان البيان ينطلق من الإقرار بوجود «التوترات التي تراكمت في الأشهر الأخيرة»، فقد بنت عليه الرئاستان معا «رغبتهما في استئناف الحوار المثمر الذي أرسياه من خلال إعلان الجزائر الصادر في غشت/ أوت 2022». ومن المثير حقا في القراءة المشتركة أن هذا التوتر الحالي، يحيل بعد تجاوزه، يا للمفارقة، على لحظة تهم الذاكرة والتاريخ !
فالحوار الذي يراد استئنافه بعد قرابة 3 سنوات من انقطاعه، يتم تحيينه لأنه «أفضى إلى تسجيل بوادر هامة في مجال الذاكرة، لاسيما من خلال إنشاء اللجنة المشتركة للمؤرخين الفرنسيين والجزائريين، وإعادة رفات شهداء المقاومة والاعتراف بالمسؤولية عن مقتل الشهيدين علي بومنجل والعربي بن مهيدي»…
يبدو التجاوب مع هاته البادرة تجاوبا مع الرئيس تبون نفسه، والذي سبق له أن صرح بأن «فكرة اللجنة المشتركة كانت من اقتراحي». بالتالي يبدو التنصيص عليها تزكية مجددة للرئيس تبون وتجاوبا مع رغبته.
ولعل العناصر التي بنى عليها نظام العسكر شرعيته في الحكم تتلاءم، في العمق، مع هاته الفقرة، باعتبار أن التاريخ عقدة جزائرية وكذلك لأنه ريع مسترسل، كما قلنا، لاعتبارات عديدة:
النظام، ومنذ زمان الرئيس الراحل أحمد بن بلة وبعده هواري بومدين، ظل هو ونخبته يرددون أنهم «أبناء ثورة لا تدين بأي شيء للتاريخ وللماضي». على حكم المغرب الذي كانوا يروجون لماضويته وعلاقته وانتمائه إلى الماضي العتيق والسحيق !
وعلى أساس هذه الفكرة، ظلوا يعتبرون أنهم، «بلا خجل، ورثة الاستعمار الفرنسي». على مستويين على الأقل:
+ المستوى الداخلي، باعتبار أنهم خرجوا من معركة الاستقلال ضد هذا المستعمر الفرنسي، وعليه فإن العلاقة مع التاريخ في البيان هي مسألة سياسية داخلية أكثر منها سياسة خارجية !
المستوى الدولي، أنهم جزء أساسي في الهندسة الدولية لما بعد الحروب التحريرية، وأنهم بشكل ما الأكثر تمثيلية للريادة الدولية في هذا الجانب!
وبالرغم من هذه القاعدة الثورية التي خاضوا باسمها معارك ضد المغرب- سنعود إليها- فإننا نلاحظ بأن البيان المشترك لم يشر لا من بعيد ولا من قريب إلى ما سبق للرئيس ماكرون أن أثاره: أي أن الجزائر لم تكن أبدا دولة أو دولة أمة، قبل مجيء فرنسا !!!
وهو الأمر الذي كان قد أثار نقعا كثيرا وصخبا في أوساط الجزائريين دولة ومجتمعا.
ثانيا، لا يوجد أي لغز في كون الفكرة التي قالها ماكرون ونسيتها قيادة الجزائر، ليست بعيدة عن صاحبها بنجامين ستورا «والعهدة على مؤرخنا الكبير عبد لله العروي» الذي يكون قد أوحى بها لماكرون … والحال أن البيان المشترك يحيل على اللجنة نفسها التي يرأسها بنجامين ستورا نفسه باعتباره المؤرخ الفرنسي الجزائري المشترك، والذي لا يخفي مرافعاته لفائدة الجزائر في قضية التوتر مع فرنسا، وعطفا على ذلك مع المغرب…
المغاربة لهم نفس الرأي، على كل حال، من معادلة الجزائر وعقدتها مع التاريخ، ومع أبنائها الحكام الذين ظلوا يرددون بأنهم (وبأنها) أبناء ثورة لا دين للتاريخ عليها ولا معروف…ولم يشعروا بالحرج في حينه …
فهل يمكن أن نخمن بأنهم قبلوا بعد ثلاث سنوات و«نييييف» بهذا «التخفيض» التاريخي لميلاد الدولة الجزائرية المعاصرة، الذي يتوافق تماما مع ما يقوله المغاربة أنفسهم؟
على كل، فهذه الهدايا، إذا صدقت أنها هدايا حقا، تأتي من الرئيس ماكرون إلى رئيس يعرف بأنه «محاصر ويوجد داخل نظام جامد ومتجمد»، كما سبق له أن صرح بذلك، في وقت كان الود هو الطاغي في الصورة. ففي أكتوبر 2021 صرح بأن «النظام الجزائري متعب وقد أضعفه الحراك. لدي حوار جيد مع الرئيس تبون، لكنني أرى انه عالق داخل نظام صعب للغاية»، في حديثه في قصر الإيليزيه أمام 18 شابا فرنسيا من أصل جزائري ومن مزدوجي الجنسية وبعض الجزائريين….وعليه لا يمكن أن نلغي وجود شكوك بأن الذين انتقدهم ماكرون سابقا، وهم أصحاب القرار، سيقبلون بما يأتي من تطورات…

يتبع

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.com - بتاريخ : 03/04/2025